أعربت سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي الأميركي الشهر الماضي، في أثناء مناقشة خطط إدارة أوباما الرامية إلى انتهاج سياسة أكثر تواضعاً تجاه الشرق الأوسط، أنّ "واشنطن لايمكن أن تبقى منغمسة على مدار الساعة في منطقة واحدة، مهما كانت أهمّيتها". وألمحت رايس إلى أنّ أولويّة من الدرجة الثانية سوف تُعار من الآن فصاعداً إلى دول المنطقة، ومن ضمنها ليبيا.

وفيما كانت رايس تتحدث، كانت قيادة القوّات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) تستعدّ لمضاعفة جهودها في ليبيا لمساعدة البلاد على إعادة بناء قطاع أمنها الضعيف. وفي خلال الصيف، يُتوقّع أن تلتزم أفريكوم، إلى جانب القوّات الإيطالية والتركية والبريطانية بتقديم المشورة إلى الجيش الليبي الجديد، وتدريبه، وتجهيزه. ويسمّى هذا الجيش الجديد "قوّة للأغراض العامة" وفقاً المصطلحات الرسمية العسكرية. تبدو هذه الخطة منطقية على الورق. فهذه القوّة الجديدة المدرّبة في قواعد خارج ليبيا ستسمح للحكومة ببسط نفوذها، وحماية المسؤولين المنتخبين والمؤسسات من الميليشيات العاملة في داخل البلاد، وإرغامها على تسريح عناصرها ونزع سلاحها. وترى واشنطن أنّ هذه الجهود تشكّل خطوة حاسمة في عملية الانتقال الديمقراطي في ليبيا، ووسيلة للحدّ من التطرّف وتجنّب امتداد حالة الفوضى في البلاد إلى خارجها.

فريدريك ويري
تركّز أبحاث ويري على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج وليبيا، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً.
More >

لكنّ تركيبة هذه القوّة، وتفاصيل تدريبها، ومدى إشراف المدنيين الليبيين عليها، وقدرتها على التعامل مع جملة من التهديدات التي تواجهها البلاد، لاتزال كلّها أموراً غير واضحة، ناهيك عن أنّ المخاطر هائلة، إذ ثمة دلائل على أنّ بعض الميليشيات في ليبيا تحاول تدمية أنف الجيش الجديد حتى قبل أن يدخل المعركة: فعلى الأرجح، تشنّ حملة الاغتيالات الغامضة التي تستهدف ضبّاطاً في الجيش، ولاسيما في شرق ليبيا، للثأر من ممثّلي النظام القديم من جهة، وفي محاولة لردع احتكار الحكومة المركزية القوّة العسكرية، من جهة أخرى.

وهنا تجربة الجهد الأميركي الذي بذل بشكل منفصل في وقت مبكر من هذا العام ولم يحظ بتغطية وافية، لجهة تدريب وحدة ليبية صغيرة لمكافحة الإرهاب في داخل ليبيا، قد يكون مفيداً وذا دلالة. إذ لم تمثّل هذه الوحدة، التي شكّلتها قوّات العمليات الخاصة الأميركية إلا بالكاد الأقاليم الليبية: فقد بدا أنّ الغالبية الساحقة من عناصرها اختيرَت من غرب البلاد، واستُبعد الشرق المُهمَل منذ فترة طويلة. إضافةً إلى ذلك، عنى غياب الخطوط الواضحة للسلطة - وهذا واقع لامفرّ منه نظراً إلى قطاع الأمن المنهار في ليبيا - أنّ قدرات القوّة العسكرية كان سينتهي بها الأمر بأن تُستخدم بسهولة ضدّ الأعداء السياسيين والإرهابيين على حدّ سواء.

وقد بلغت الأمور ذروتها في شهر آب/أغسطس، حين شنّت ميليشيا قبلية غارة قبل الفجر على معسكر تدريب ضعيف الحراسة قرب طرابلس. كان الموقع خالياً من أي جنود أميركيين، إلا أن الميليشيا استولت على معدّات عسكرية أميركية حسّاسة. ووضعت هذه الحادثة حدّاً للمهمّة، وأحبطت الجهود المبذولة، وعادت القوّات الأميركية إلى بلادها. (تبحث الحكومة الليبية وقوّات العمليات الخاصة الأمريكية راهناً عن موقع تدريب جديد في ليبيا لمعاودة العمل). وبهدف استخلاص العبر من هذا الإخفاق، اتخذت الولايات المتحدة وشركائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قراراً حكيماً قضى بإجراء التدريب الجديد لقوّة الأغراض العامة خارج ليبيا، في بلغاريا وإيطاليا وتركيا والمملكة المتحدة. لكنّ هذا وحده لن يكفي لضمان ألا يواجه الجهد عقباتٍ أكبر.

إذ يجب أوّلاً تحديد الدور الدقيق لهذه القوّة. وكما يوحي اسمها، يُفترض أن تكون قوّة مشاة تركّز أساساً على تأمين المنشآت الحكومية وحماية المسؤولين. لكنّ ليبيا في أمسّ الحاجة إلى فرع أشبه بالدرك يكون أكثر تخصّصاً في معالجة أمن الحدود، والإتجار غير المشروع في المخدرات والأسلحة، والتمرّد منخفض الوتيرة. فهي لاتحتاج إلى قوّة عسكرية أخرى تقليدية ومتضخّمة تقيم في الثكنات - وهذه الظاهرة شائعة جدّاً في العالم العربي، حيث ثبت أنّ تقوقع الجيوش وشعورها بالأحقّية غير صحيّين للديمقراطية. إضافةً إلى ذلك، تحتاج البلاد إلى مجلس أمن وطني فاعل يخضع إلى سيطرة مدنيين للإشراف على عمل أجهزتها الأمنية كافة، وتقليص الصراعات في مابينها، بما في ذلك حرس الحدود، وقوّات حماية المنشآت النفطية، والشرطة.

ثانياً، يُرجَّح أن يُطلَب من القوة الجديدة ضبطَ النزاعات القبَلية والطائفية التي اندلعت في أرجاء البلاد وإخمادها، وهذا دورٌ يضطّلع به حالياً ائتلاف ميليشيات يُعرَف بقوة درع ليبيا ويخضع على نحو فضفاض إلى وزارة الدفاع. لهذا السبب ترتدي تشكيلةُ الجيش أهميةً كبرى، إذ ينبغي أن يكون الجيش غير متحيّز ومحترفاً، وأن يُنظَر إليه على أنه كذلك. ولتجنّب أن تصبح قوة الأغراض العامة ميليشيا خاصةً تعود إلى قبيلة أو منطقة أو جماعة سياسية معيّنة، لابد من دمج المجنَّدين في وحدات مختلطة تُشكَّل من شريحة واسعة من المجتمع الليبي. كما يجب أن يأتي على الأقل بعض المجنَّدين حديثاً وصغار الضباط من صفوف الميليشيات. بيد أن العديد من كبار الضباط في الجيش الليبي يكرهون هذه الفكرة، ويعتبرون أفراد الميليشيات على أنهم رعاع غير منضبطين أو على أنهم مسيَّسون بشكل مفرط. لكن في الكثير من الحالات يأتي هؤلاء الشبان بخبرة القتال الفعلي في ساحة المعركة وبمهارات قيادةِ الوحدات الصغيرة، وهما مايحتاج إليه الجيش الليبي حاجةً ماسّة، ولاسيما أن الزعيم السابق معمّر القذافي كان جرّد الضباط ذوي الرتب المنخفضة والمتوسطة من نفوذهم.

فضلاً عن ذلك، يتعيّن من تعليم المجنّدين العمل كوحدات مقاتلة متّسقة، عوضاً عن التركيز فقط على تعليمهم المهارات الفردية الخاصة بالخدمة في الجيش. فمهمة التدريب لايمكن أن تُنتِج فقط جنوداً يجيدون إصابة أهدافهم بشكل أفضل ولكن يعودون إلى ليبيا ويذوبون في الميليشيات أو يعملون بصورة غير شرعية كأفراد ميليشيات، إضافةً إلى عملهم الشرعي في الجيش. لتجنّب هذا السيناريو الأسوأ، لابدّ أيضاً من إجراء تدقيق مناسب في الحوافز والأهلية والانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان والسجل الإجرامي للمجنّدين. الإخفاقات السابقة خير برهان على ذلك، إذ أن جهداً بُذِلَ في العام الماضي لتدريب عناصر من الشرطة الليبية في الأردن، باء بالفشل عندما تمرّد مجنّدون لم يخضعوا إلى تدقيق جيّد ضدّ ما اعتبروه ظروفَ عيشٍ عسكرية مفرطة في القساوة.

ثالثاً، والأهم ربما أن برنامج التدريب يجب أن يترافق مع برنامج مُحدَّث من التسريح ونزع السلاح وإعادة الدمج لأفراد الميليشيات. فهؤلاء الشبان يجب أن يُعطوا حوافز اقتصادية واجتماعية ليتركوا الميليشيات وينضموا إما إلى القوة العاملة، أو إلى الشرطة والجيش النظاميَّين، أو يختاروا تلقّي التعلّم. والواقع أن العديد من المقاتلين الثوريين الذين تحدّثت معهم في السنتين الماضيتين لايريدون أن يواصلوا القتال. إلا أن قلةً من البدائل الحقيقية تُتاح لهم نظراً إلى مشهد التوظيف القاتم وخيارَي الشرطة والجيش غير الجذّابَين، ولاسيما أن هذين الأخيرَين لايزالان يحملان وصمة الارتباط بنظام القذافي. وكان رئيس الوزراء الليبي رفع مؤخّراً أجور قوّات الشرطة والجيش النظامية لتتخطّى تلك التي تُدفَع للميليشيات برعاية وزارتَي الداخلية والدفاع. لكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه الخطوة كفيلةً وحدها بدفع الشبان إلى ترك الميليشيات التي تُشكِّل لهم شبكة أمان سخيّة ودخول الحياة العسكرية المتقشّفة. لذلك، من الضروري العمل جدياً على تغيير صورة الجيش والشرطة لإزالة شوائب حقبة القذافي. ويمكن القيام بخطوة إلى الأمام في هذا المجال إذا ما اعتُمِد برنامجٌ للتقاعد والتعويض يحثّ البعض في المراتب العليا المتضخّمة على التقاعد.

تجدر الإشارة إلى أن جهود التسريح واجهت أشدّ معارضة في شرق البلاد، نظراً إلى التهميش التاريخي الذي تعرّضت إليه المنطقة في ظلّ النظام السابق، وعدم استعداد مختلف المجموعات المسلحة، سواء الإسلامية منها أو الفدرالية، للاستسلام. لهذا السبب يتّسم التجنيد في الجيش الجديد بأهمية قصوى في ذلك الجزء من البلاد. فقد أخبرني إسلاميون في بنغازي بأنهم كانوا يؤجّلون التسريح والانضمام إلى الجيش إلى أن يوضَع دستورٌ يضمن ألا يتحوّل الجيش الجديد إلى حرس جمهوري لدكتاتور آخر.

كما أن الغضب العام إزاء الغارة الأميركية التي قُبِض في خلالها على أبو أنس الليبي، عميل القاعدة المزعوم، قد يقوِّض أكثر رغبة بعض الليبيين، ولاسيما الإسلاميين منهم، في الانضمام إلى قوةٍ تُدرِّبها الولايات المتحدة. والواقع أن مفتي ليبيا النافذ أصدر مؤخراً بياناً يسأل فيه ما إذا كان الشبان الليبيون الذين يتلقّون تدريباً على يد جيوش أجنبية سيكتسبون مهارات للخطف. أما في حال ألقت قوّات العمليات الخاصة الأميركية القبض على المشتبه بهم في هجوم العام الماضي على مقرّ البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي، فيمكننا أن نتوقّع أن يقوّض الردّ الانتقامي للإسلاميين أكثر الدعم الرامي إلى إنشاء جيش تدرّبه الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

ينبغي على كلٍّ من الحكومة الليبية والداعمين الخارجيين الاعترافَ بأن قضايا ليبيا الأمنية هي أساساً مشاكل سياسية. فالتدريب والتجهيز الأفضل لن يضفيا تلقائياً شرعيةً على الجيش الجديد، أو يجبرا الميليشيات على إلقاء أسلحتها، أو يحثّا الليبيين على الانضمام إلى هذا الجيش. هذه الشرعية تُكتسَب من خلال مصالحة سياسية شاملة برعاية الحوار الوطني الذي أُعلِن عنه مؤخّراً، وبرلمان فاعل، ودستور، ونظام قضائي عادل، ومن خلال حكومة قادرة على تقديم الخدمات في أرجاء البلاد كافة.

نظراً إلى القيود على الموارد ونفور واشنطن من نشر جنود على الأرض، يبدو تدريب قوة الأغراض العامة كأنه مستوى مناسب من الانخراط الأميركي في ليبيا. مع ذلك، إذا لم تكن الولايات المتحدة تريد تركَ البلاد في حال أسوأ، فعليها أن تفكّر ملياً في تشكيلة هذه القوة ومهمّتها وعملية الإشراف عليها قبل البدء بالبرنامج. عليها أيضاً أن تصغي إلى أولئك الذين يعتقدون بأن المهمة يجب أن تترافق مع مساعدةٍ أشمل تُصمَّم لمساندة ليبيا على تخطّي التحدّيات الاقتصادية والسياسية المُسبِّبة لانعدام الاستقرار. 

تم نشر هذا المقال في اللغة الإنجليزية في فورين أفيرز.