يشكّل اغتيال الوزير السابق محمد شطح، مستشار رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري، في بيروت يوم 27 كانون الأول/ديسمبر، حلقة في سلسلة هجمات تستهدف زعزعة استقرار لبنان وإقحامه في أتون الصراع السوري. لاغرابة في أن لبنان كان ينبغي أن يشهد هذا النوع من التداعيات الناجمة عن الأزمة السورية. فهو يستضيف العديد من المعنيين وأصحاب المصالح في الصراع السوري، وكان يمثّل في كثير من الأحيان صورة مصغّرة للديناميكيات السياسية الإقليمية. وإذا استعرضنا عملية اغتيال محمد شطح من خلال منظور إقليمي، فسنرى أنها تتجاوز الشؤون الداخلية اللبنانية.

في الآونة الأخيرة، تجلى لدى نظام الرئيس السوري بشار الأسد وإيران شعور بالنفوذ لأنهما نجحا في تأكيد شرعيتهما السياسية، على خلفية المفاوضات الدولية التي تمت حول الأسلحة الكيميائية السورية والبرنامج النووي الإيراني. وهذا النفوذ المتصوّر يعني تضاؤل الحوافز التي يمكن أن تؤدّي إلى تسوية سياسية.

لينا الخطيب
كانت الخطيب مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. شغلت سابقاً منصب رئيسة برنامج الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي، في مركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون التابع لجامعة ستانفورد، وكانت أحد مؤسّسِيه.
More >

من ناحية أخرى، لاتزال المملكة العربية السعودية تعبّر عن شعورها بالاستياء إزاء مسار الصراع السوري وكيفية تعاطي المجتمع الدولي معه. فهي تعتبر أن الصفقات الدولية التي يتوقّع أن يتم التوصّل إليها بشأن إيران وسورية ستعني المزيد من الخسائر بالنسبة إلى نفوذها الإقليمي.

وهكذا، يبدو لبنان نموذجاً – وهذه ليست المرة الأولى - للعبة شدِّ الحبل التي تسهم في إعادة صياغة علاقات القوة في المنطقة. فقد كان حلفاء السعودية في لبنان، والذين يمثّلهم فريق 14 آذار/مارس، مشرذمين ومُستضْعَفين وهدفاً لسلسلة من الاغتيالات السياسية التي بدأت باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري العام 2005. وقد تم تقويض توقّعاتهم بتحقيق "انتصار" ضد نظام الأسد في صيف العام 2013، بسبب تغيير اتجاه السياسة الخارجية الأميركية بشأن التدخّل العسكري في الصراع السوري.

من ناحية أخرى، يشعر حلفاء إيران، نظام الأسد وحزب الله، بأنهم ينتصرون. إذ لايقتصر الأمر على أن الأسد يكسب على الصعيدين العسكري والسياسي في سورية نتيجة لصفقة الأسلحة الكيميائية، بل إن حزب الله يشعر أيضاً بأن المكانة المتنامية التي يحقّقها كحليف للأسد، تعني قدرته على فرض نفسه سياسياً في لبنان. وفي الوقت نفسه، ترى إيران في المفاوضات مع الولايات المتحدة بصيص أمل لتحقيق اعتراف دولي بمكانتها كقوة إقليمية رائدة في الشرق الأوسط ذات مصلحة "مشروعة" في شؤون الدول الأخرى.

وفي لبنان، تشهد المناقشات الساخنة الدائرة حالياً حول تشكيل حكومة جديدة قدراً كبيراً من العناد من جانب حزب الله، حيث تعيش البلاد من دون حكومة منذ أشهر عدّة. ففي بلد تعتبر فيه المنافسة السياسية لعبة تخارج بين الفائزين والخاسرين، حيث يشكّل فوز طرف خسارة صافية للطرف الآخر، يصبح تقديم التنازلات علامة على الضعف عندما "يكسب" طرف ما. وبالتالي يمكن النظر إلى اغتيال شطح، بوصفه شخصية رئيسة في فريق 14 آذار، على أنه محاولة لممارسة ضغوط سياسية على الفريق المناهض للأسد. كما يتعلّق الأمر بالضغوط السياسية التي تمارس على المستوى الإقليمي، حيث تفرض إيران نفسها في مواجهة السعودية.

يتجلّى التنافس الإيراني - السعودي بشكل واضح في سورية، في ما يبرز لبنان الآن باعتباره ساحة المعركة الجيوسياسية المقبلة بين هاتين القوتين الإقليميتين. ومع تصاعد حدّة التوتّر بين إيران والمملكة العربية السعودية، تزداد حدّة المعارك السياسية بين الفرقاء اللبنانيين. وفي ظل رفض أحد الطرفين تقديم تنازلات وشعور الطرف الآخر بأن موقفه مبرر، فإن التخلّص من رجل ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره معتدلاً (على الرغم من انتقاداته العلنية لحزب الله والأسد) لن يدفع الخصوم السياسيين اللبنانيين إلا نحو مزيد من التباعد.

ويمكن قول الشيء نفسه عن العلاقات الإيرانية - السعودية. فقد كان شطح ضحية هذا الاستقطاب المزدوج. وبالتالي فإن اغتياله ليس سيئا بالنسبة إلى لبنان وحسب، ولكن لمنطقة الشرق الأوسط ككل، لأنه يشي ببزوغ فجر حقبة من التوتّرات المتزايدة التي يرجّح أن تصبح أكثر دمويّة إذا ما واصلت إيران والمملكة العربية السعودية النسج على المنوال نفسه.

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع الجزيرة.