يُنظر على نطاق واسع إلى الانتصار الذي حققه جيش الحكومة السورية في معركة يبرود في أوائل آذار/مارس، على أنه دليل على تزايد الهيمنة العسكرية للنظام في الصراع السوري. بيد أن ثمّة خطأين استراتيجيين ارتكبهما الرئيس بشار الأسد يقوّضان هذا الانتصار، ومن المرجح أن يؤدّيا في النهاية إلى تضعضعه أكثر. ويتمحور الخطآن المشار إليهما حول تزايد نفوذ كلٍ من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية وقوات الدفاع الوطني.

في سياق محاولته قمع المعارضة في العام 2011، فتح الأسد أبواب السجون وأطلق سراح الجهاديين الذين أصبحوا فيما بعد من مؤسّسي تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، وهي جماعة متطرّفة روّعت السكان السوريين، مُعززة بالتالي رواية النظام بأنه ينخرط في الحرب ضد التطرّف الإسلامي. وتظهر التقارير الواردة من سورية أن النظام تعاون مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وسمح له بالوصول إلى بعض المدن، وامتنع عن قصف المناطق الخاضعة لسيطرته. لا بل هو حتى يشتري النفط من الآبار التي يديرها التنظيم في الشمال السوري.

لينا الخطيب
كانت الخطيب مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. شغلت سابقاً منصب رئيسة برنامج الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي، في مركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون التابع لجامعة ستانفورد، وكانت أحد مؤسّسِيه.
More >

غير أن هذا التحالف الاستراتيجي مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام سوف يأتي بنتائج عكسية عندما يتمكّن التنظيم من الاعتماد على نفسه. فعلى غرار الجماعات المرتزقة الأخرى، يتربَّح تنظيم الدولة الاسلامية كثيراً من اقتصاد الحرب. ففي العراق، يقال إن التنظيم أصبح يعتمد على التمويل الذاتي إلى حدّ كبير بسبب سيطرته على بعض آبار النفط. وإذا ما سار التنظيم في سورية في الاتجاه نفسه، وهو السيناريو المرجّح، فسيصبح من الصعب للغاية بالنسبة إلى النظام أن يسيطر عليه بعد ذلك.

رعى الأسد، في مرحلة لاحقة، إنشاء قوات الدفاع الوطني، وهو الاسم الذي يطلق على مجموعات من "الشبيحة" والمرتزقة التي تعمل بطريقة لامركزية عبر سورية، والتي تم تسليحها من جانب النظام كنوع من "الحماية الذاتية" في مواجهة الجهاديين. وكما هو الحال مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، جنت قوات الدفاع الوطني أرباحاً كبيرة أيضاً من الحرب، ما أدّى إلى ظهور العديد من أمراء الحرب الذين جعلت مكانتهم الاقتصادية من الصعب على النظام كبح جماحهم. وعلى الرغم من أن قوات الدفاع الوطني تتكوّن إلى حدّ كبير من العلويين والمسيحيين والدروز فإن مرتزقتها كانوا عشوائيين في الغارات التي قاموا بها على المناطق السورية، حيث هاجموا أحياناً الموالين للنظام. وقد أدّى هذا إلى تنامي مشاعر الفزع والخوف بين السكان العلويين والأقليات الأخرى، والذين بدأوا تنظيم احتجاجات في المناطق الريفية في اللاذقية ضد قوات الدفاع الوطني، ودعوا النظام إلى توفير الحماية لهم.

إذا ما أمعنّا النظر في الاتجاهين المذكورين أعلاه، يبدو جلياً أن الأسد ساهم في البداية في خلق مشكلة الجهادية، ثم سعى لإيجاد حل لها من خلال تشكيل قوات الدفاع الوطني. بيد أن كلا الأمرين - المشكلة والحل – يفلتان من سيطرة الأسد. ولأن الأسد يحتاج إلى قوات الدفاع الوطني لمحاربة الجماعات الجهادية التي لاترتبط بالنظام، مثل جبهة النصرة، فإنه سيضطرّ إلى مواصلة تسليح تلك القوات. وعندما تصبح قوات الدفاع الوطني أقلّ اعتماداً على تمويل النظام، سيكون الأسد بحاجة لمواصلة دعم تلك القوات للحفاظ على ولائها. وكلما ازدادت قوات الدفاع الوطني نفوذا، كلما أصبح النظام أقلّ قدرة على تلبية متطلّبات حماية الأقليات التي تتعرّض إلى التهديد من جانب قوات الدفاع الوطني. وفيما يتعلق بتنظيم دولة الإسلامية في العراق والشام، فإنه نادراً ما تبقى الجماعات الإسلامية المتطرّفة موالية لرعاتها الأصليين عندما تشعر بأنها تمتلك من القوة مايكفي للبدء في وضع أجنداتها الخاصة.

ربما ساعد تمكين هاتين الجماعتين الأسد في المدى القصير، غير أن الآثار المترتّبة على ذلك على المدى الطويل لن تكون في مصلحته. إذ أن هيكل السلطة في سورية آخذ في التغير من ديكتاتورية هرمية إلى دولة لامركزية وفاشلة تقريباً، تكون فيها مختلف المناطق تحت رحمة جماعات شبه مستقلّة. ويزداد استقلال هذه الجماعات ونفوذها مع استمرار الصراع. وعلى الرغم من أن الأسد لايزال يتمتع بنفوذ اليوم، فإن أخطاءه الاستراتيجية ستجعله في نهاية المطاف أسيراً للجماعات المتقلّبة التي ساعد هو نفسه على خلقها، والتي سيحتاج إلى شراء ولائها كي يبقى في السلطة. ولكن بحلول ذلك الوقت، لن يعود البقاء في السلطة يعني امتلاك نفوذ سياسي أو عسكري كبير. وبالتالي فإن هلاك الأسد قد لا يكون على أيدي المعارضة، ولكن نتيجة لقراراته الاستراتيجية قصيرة النظر.

نشرت هذه المقالة أصلاً بالانجليزية في موقع الجزيرة.