بعد أشهر من المحادثات وراء الكواليس، تبدو المملكة العربية السعودية وإيران في طريقهما نحو التقارب، الأمر الذي لايمكن إلا أن يكون له تأثير سيّئ على بشار الأسد. ففي حين أن موقف السعودية نحو الأسد لم يتغيّر، وهو يرمي على مايبدو إلى إزالته من السلطة، سيصبح موقف إيران على الأرجح أقرب إلى الموقف السعودي، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة.

كان المنطق السائد أنّ إيران ألقت بثقلها كلّه لدعم الأسد، وأنها لن تتخلّى عن هذا الحليف لأنه يضمن مصالحها الاستراتيجية في المشرق. لكن الأسد نفسه يُعَدّ أقلّ قيمةً لإيران من صفقة الأسلحة النووية الذي تسعى وراءها بشدة. فالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران تتّجه على مايبدو نحو تسوية، فيما الموقف السعودي الأكثر ليونةً إزاء إيران يعني أن هذه الأخيرة يجب أن تعطي السعودية شيئاً في مقابل العلاقات الودّية، لأن السعودية تبقى اللاعب الإقليمي الأقوى في الخليج. وهكذا من المرجح أن يشكّل الأسد التنازل الأقلّ كلفةً لإيران على الجبهتَين.

لينا الخطيب
كانت الخطيب مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. شغلت سابقاً منصب رئيسة برنامج الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي، في مركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون التابع لجامعة ستانفورد، وكانت أحد مؤسّسِيه.
More >

ومع أن علاقات الأسد بإيران لاتزال قائمةً، إلا أن قيمته في نظر طهران تتضاءل بسبب بعض القرارات الاستراتيجية التي اتّخذها بغية البقاء في السلطة. فقد يكون اعتماد الأسد على حزب الله لمحاربة المعارضة السورية أتاح له مكاسب عسكرية على الأرض، إلا أنّه تسبّب بتراجع نفوذه السياسي الإقليمي. والواقع أن حزب الله تمكّن من ترجمة انتصاراته العسكرية في سورية إلى نفوذٍ سياسيٍّ متزايدٍ ضمن لبنان. فالتأخير في انتخاب رئيس لبناني جديد يُعزى إلى حدٍّ كبيرٍ إلى رغبة الحزب في انتقاء الرئيس بنفسه حينما يريد، وتحديداً بعد الانتخابات الرئاسية السورية. وحزب الله لن يفعل ذلك كي يتمكّن الأسد من إعطاء بركته قبل انتخاب رئيس لبناني، كما جرت العادة مع جميع الرؤساء مابعد الحرب الأهلية، بل ليظهر للأسد أن الحزب أصبحت له الاستقلالية الآن لفرض أجندته السياسية في لبنان.

وهكذا يكون الأسد قد مكّن حزب الله على حساب نفوذه الإقليمي، الأمر الذي يجعله أقلّ قيمةً لإيران من الحزب. فعوضاً عن اتّخاذ التدابير اللازمة لتعزيز موقع الأسد الإقليمي، بدأت إيران عمليةً تصاعديةً لاستنساخ نموذج حزب الله اللبناني في سورية. فهي ليست في طور تأسيس حزب الله السوري فحسب، بل ترعى أيضاً عمليّة التشيّع (من شيعة) في صفوف السوريين. من خلال هذه الإجراءات، تقوم إيران بإرساء أسس محسوبية طويلة المدى في سورية للحفاظ على نفوذها الإقليمي بغضّ النظر عمّن يتولّى الحكم في سورية.

بالنسبة إلى إيران وإسرائيل، لايزال إبقاء الأسد في السلطة مجدياً طالما أنّه قادرٌ على ضمان مصالحهما الاستراتيجية. بيد أنّ دعم الأسد غير المباشر لدولة الإسلام في العراق والشام (داعش) شكّل تهديداً خطيراً محتملاً على استقرار هاتين الدولتين. ويُزعم أنّ تنظيم داعش يتمتّع راهناً بالاستقلال المالي، مايعني أنّه قد يبدأ على الأرجح بالعمل خارج نطاق سيطرة الأسد. تصف التقديرات الجديدة لقدرات داعش هذا التنظيم بأنّه النسخة الجديدة لتنظيم القاعدة من حيث تهديده الدولي المحتمل. لن تقبل لا إيران ولا إسرائيل بتنظيم سنّي متطرف يستخدم دولةً مجاورة كمعقلٍ له. وتنظر المملكة العربية السعودية أيضاً إلى تنظيم داعش على أنه يشكّل تهديداً خطيراً على استقرارها المحلّي. وهكذا، أنشأت قرارات الأسد الاستراتيجية أرضيةً مشتركةً للخصوم الثلاثة الأقوى في الشرق الأوسط، إذ يُعزى التقارب الإيراني-السعودي جزئيّاً إلى المخاوف المشتركة حول الأمن في المنطقة.

على الصعيد المحلّي، يوشك الأسد أيضاً على فقدان السيطرة. يعني قيامه بتدمير البنى التحتية في الدولة، حتى في المناطق الموالية له، أنّه لن يتمكّن في المستقبل من توفير الخدمات التي سيطالب بها مؤيّدوه الذين سيصبحون محسوبين على أمراء الحرب الجدد الذين سيحكمون سورية، مثل قادة قوّات الدفاع الوطني. ومع تعاظم نفوذ داعش، من المرجّح أن يضطرّ الأسد إلى القبول على مضض بتسويةٍ لتقاسم السلطة مع الجهاديين في المستقبل. إنّ ضعف السيطرة المحليّة يعني ضعف القدرة على ضمان المصالح الإيرانية.

لذلك، قد يسدّد التقارب المتوقّع بين إيران والمملكة العربية السعودية ضربة للأسد. وعلى الرغم من أنّه لن يشكّل نهاية النظام السوري، أو نهاية الصراع، إلا أنّه يعني على الأرجح أنّ الانتخابات الرئاسية المزمعة ستكون الأخيرة بالنسبة إلى الأسد.

نشرت هذه المقالة أصلاً بالانجليزية في موقع الجزيرة.