عندما يتحدّث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن الهجوم البرّي ضد حماس في قطاع غزة، يقول: "إذا لم نتصرّف، فالثمن الذي سنضطّر إلى دفعه سيكون أكبر بكثير". لكن توقُّعَ كيف ستتصرّف حماس وتَرُدّ على الأرجح، يتطلّب سبرَ مايمكن أن تفعله المنظمة، وماتريده، وكيف تنظر إلى نفسها. من منظور حماس، يُقدِّم القتال الحالي العديدَ من الفرص، كما ينطوي على العديد من المخاطر. فلننظر في معتقدات خمسة خاطئة عن المنظمة الإسلامية المتشدّدة. 

1. حماس لاتشكّل خطراً ذي أهمية على إسرائيل

يقوم عملُ حماس، بصفتها حركةً، على المقاومة – أي مهاجمة المدنيين وإطلاق الصواريخ وفرض فدية مقابل الأسرى – لكنها لاتستطيع تشكيل قوةٍ عسكريةٍ يمكنها مواجهة إسرائيل في ساحة القتال. طبعاً، كل القتال البريّ يدور في غزة، والأراضي الإسرائيلية تبقى سالمة. منذ يوم السبت، قُتِل أربعة إسرائيليين على الأقلّ في آخر جولة من القتال، في حين أسفرت العمليات الإسرائيلية عن مقتل مايزيد عن 330 فسلطينياً. لذا، صحيح تماماً أن حماس لاتشكّل تهديداً وجودياً على إسرائيل.

ناثان براون
ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث مرموق، ومؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.
More >

بيد أنّ التهديد يتعدّى وجود إسرائيل. فاختطاف وقتل ثلاثة مراهقين إسرائيليين الشهر الفائت قد يكون أو لايكون من فعل حماس، إلا أنّ الحدث جذب انتباه الرأي العام الإسرائيلي، والحكومة الإسرائيلية ردّت كما لو أن حماس هي المسؤولة. وفي حين أنّ فعالية نظام القبة الحديدية الإسرائيلي الرادع للصواريخ تثير الجدل – يتباهى المسؤولون بأن النظام ردعَ 90 في المئة من صواريخ حماس – تشعر فئاتٌ كبيرةٌ من الشعب الإسرائيلي الآن أنها في مرمى حماس، إذ إن مدى صواريخها أصبح أبعد. لذلك، انتقل البعض بعيداً عن غزة، في حين يتملّك التوتّر مَن لازموا أماكنهم. وبالتالي، يركّز قادة إسرائيل السياسيون والعسكريون والأمنيون على ردع الهجمات الصاروخية.

قد لاتتمكّن حماس أبداً من الانتصار على إسرائيل في ساحة القتال، إلا أنّ التغيّرات في قدراتها (أنفاق، وعمليات أَسْر، وصواريخ، وحتى امتلاك طائرة بدون طيار) تستمرّ في التسبّب بتوتّر الإسرائيليين وإجبارهم على الردّ.

2. شعبية حماس تتأتّى عن الخدمات الاجتماعية التي تقدّمها

ينظر المراقبون من الخارج إلى حماس أحياناً على أنّها أشبه بجهازٍ سياسيٍّ كبيرٍ – جهازٍ ذي جناح مسلّح - يقايض الوظائف ومنافع الرعاية الاجتماعية بالولاء السياسي والأصوات الانتخابية.

تمتلك حماس فعلاً جناحاً عسكرياً، وتحاول أقسامٌ أخرى من المنظمة أن تقدّم الخدمات الاجتماعية، إلا أنّ عدد الفلسطينيين الذين يستفيدون من تلك الخدمات ضئيل. كما أن هذا العدد أقلّ من عدد الذين يحصلون على المساعدات من الحكومة الفلسطينية، وهيئات الإغائة الدولية، والمنظمات غير الحكومية. وهذا الواقع يغفل عنه المراقبون من الخارج، الذين غالباً ماينظرون إلى كلّ ما هو إسلامي على أنّه حماس.

الواقع أنه حين تنال حماس دعم المدنيين الفلسطينيين، فذلك يعود إلى عوامل أخرى. على سبيل المثال، تَظهَر حماس على أنّها لاتقدّم تنازلاتٍ في مايتعلّق بحقوق الفلسطينيين، وأن المال والسلطة لم يُفسِداها. كما أن الحلول السياسية والدبلوماسية التي تقدّمها فصائل أخرى مثل فتح، على غرار عملية أوسلو للسلام، تبدو بلا مغزى لمعظم الفسلطينيين الذين أصبحوا يبدون ارتياباً إزاء قدرة زعمائهم على الإيفاء بوعودهم.

لقد أصبحت صورةُ حماس باعتبارها حركةً غير فاسدة وغير معنيّة بمغريات السلطة، باليةً عندما تسلّمت المجموعة السلطة بعد فوزها في انتخابات العام 2006. لكن في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، تنازلت حماس عن حقائبها الوزارية كافة، ووافقت على تسليم القيادة السياسية لقطاع غزة. وهكذا، باتّخاذها القرار بألا تكون حكومةً وحركةً في الوقت نفسه، قد تبدأ حماس باستعادة سمعتها. وربما يقول بعض قادتها الآن: "هل من طريقةٍ للبدء ببذل المجهود أفضل من العودة إلى جذور الحركة في المقاومة المسلّحة؟

3. حماس فقدت شعبيتها

في جميع النواحي، تُظهِر استطلاعات الرأي الأخيرة أنّ غالبية الفلسطينيين يؤيّدون مواقفَ ترفضها حماس في مايتعلّق بالدبلوماسية والمقاومة. إذ لاتزال حماس أكثر تشدّداً من الجمهور الذي تسعى إلى قيادته. وتُظهِر استطلاعات الرأي أيضاً أنّ حماس ستواجه صعوبةً كبيرةً في الفوز بالانتخابات مجدّداً كما حدث في العام 2006.      

لكن في الوقت الراهن، إنّ زعماء حماس غير مهتمّين بإمكانية الحصول على غالبية الأصوات في الانتخابات. فمن المستبعد أن تُجرى الانتخابات قريباً. واليأس في صفوف الفلسطينيين عميق جدّاً، ولاتبدو الأرقام أفضل بكثير بالنسبة إلى أي زعيم أو فصيل آخر. ففي هذه المرحلة، يُنظَر إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس على أنّه معزول ومنغلق، وأنه صرف رصيده السياسي كلّه على عملية سلام فاشلة. 

مايهمّ قادة حماس هو دورهم، وقدرتهم على التعبير عن الشعور العميق بالإحباط والظلم الذي يساور معظم الفلسطينيين، وما إذا كان سيلقى خطابهم صدًى لدى الرأي العام. يتيح المسار الراهن للصراع، وخطاب حماس الناري، فرصةً أمام حماس لتُظهِر أنها أكثر تماشياً مع العصر.     

نعم، لقد تنازلت حماس عن حقائبها الوزارية لأشخاص عيّنهم عبّاس. نعم، تتلقّى حماس الضربات، ويُرغَم أعضاؤها على مزاولة نشاطهم سرّاً. لكنّ مكانتها باعتبارها الحركة التي لاتنحني وتتجرّأ على تحدّي إسرائيل، تتعزّز في صفوف شريحة كبيرة من الجمهور الذي تهتمّ به.

4. فقدان حماس حلفاءها الإقليميين قد كبّل يديها

أُغلِقَت قاعدة حماس في سورية منذ عامين. كما قلّص حلفاؤها الإيرانيّون دعمهم لها إلى حدٍّ كبير. ناهيك عن أنّ أخويها الكبيرين في مصر، محمد مرسي والإخوان المسلمين، لايستطيعان القيام بشيء يُذكر لها بما أنهما أصبحا خارج السلطة. في الجولة الأخيرة من القتال في العام 2012، ساعدت مصرُ في التوسّط لوقف إطلاق النار؛ والآن، يبدو موقفها متشدّداً تجاه حماس وإسرائيل في آن. إنّ حماس الفقيرة والمعزولة دوليّاً واقعةٌ في أزمة.

لكنّ حماس، من خلال التخلّي عن دورها الحاكم، لم تَعُد مثقلةً بالمسؤوليات التي جعلتها أكثر حذراً لسنوات كثيرة. فقد أدركت إسرائيل وحماس في العام 2007 أنّ حصر حركة حماس في غزة كان أشبه بفخّ، إذ اضطرّت حماس إلى تولّي مسؤولية الصرف الصحي والتعليم وتقسيم المناطق. لدى حماس الكثير من المشاكل التي ينبغي أن تتعامل معها راهناً، ولكنّها تتمتع أيضاً بهامش من الحرية للتحرّك.

5. حماس لديها استراتيجية

تقدّم حماس نفسها على أنها نقيض فتح: فعوضاً عن تحقيق المكاسب في الحكومة أو الانشغال بالدبلوماسية الدولية، فهي تُبقي نصب عينيها المكسبَ المتمثّلَ في تحرير فلسطين.

لكن ما لاتريد الإفصاح عنه هو أنها لاتملك أدنى فكرة عن كيفية تحقيق ذلك. فالحركة تتّسم بالمرونة والحذر، وهي ثابتة على تفانيها في المقاومة المسلّحة. لكنها لاتملك خريطة، ولم يُسهٍم كل ماقامت به حتى الآن - من استهداف المدنيين، والاستيلاء على جنود إسرائيليين، والترشّح للانتخابات، وتمرير القوانين، ورعاية المرضى – في جعل الفلسطينيين أقرب إلى تحقيق أي نوع من الأهداف الوطنية.

ليست حماس الوحيدة التي فشلت في تقديم إجابات على المدى الطويل. فمع انهيار حلّ الدولتين، يتعلّم الإسرائيليون والفلسطينيون من جملة جان بول سارتر: الجحيم هم الآخرون.

نُشر هذا المقال أوّلاً في صحيفة "واشنطن بوست".