في منطقة لاتنقصها الكوارث الإنسانية، تبدو ليبيا مصمّمة على تصدّر العناوين الرئيسة لوسائل الإعلام المختلفة. إذ تخوض الميليشيات المتنافسة معارك ضارية بهدف السيطرة على مطار طرابلس الدولي. وفي الشرق الليبي، يقصف فصيل منشقّ عن القوات المسلحة الليبية بقيادة اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، الميليشيات الإسلامية في بنغازي وماحولها. وقد تم إجلاء الدبلوماسيين ورجال الأعمال الأجانب وبعثة الأمم المتحدة والسفارة الأميركية.

من الواضح أن ليبيا تدخل مرحلة جديدة وخطيرة، غير أن القراءات التقليدية لسياساتها تخطئ في تشخيص المشكلة وتقدّم حلولاً سيكون مآلها الفشل، أو حتى تزيد الأمور سوءاً. وهذه هي الأسباب.

فريدريك ويري
تركّز أبحاث ويري على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج وليبيا، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً.
More >

غالباً مايميل المراقبون الخارجيون إلى تقديم قراءة ذات بعد واحد للاضطرابات في ليبيا. فمن السهل تتبّع انهيار ليبيا باعتباره صراعاً سياسياً بين الإسلاميين والليبراليين: حزب العدالة والبناء المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين والفصائل الجهادية الرافضة، مثل أنصار الشريعة في مواجهة "الليبراليين" المنضوين تحت لواء تحالف القوى الوطنية. وثمّة مستوى آخر للصراع يبدو مناطقياً، يتمثّل في التنافس بين مدينتَي الزنتان ومصراتة على السلطة الاقتصادية والنفوذ السياسي في طرابلس، أو بين أنصار الفدرالية وخصومهم في الشرق المهمّش منذ فترة طويلة. ومع ذلك، ثمة مستوى إضافي للصراع بين بقايا النظام القديم - رجال الأمن والضباط السابقين المتقاعدين ممَّن أمضوا سنوات طويلة في الخدمة والتكنوقراط السابقين من عهد القذافي - وجيل أحدث وأصغر سنّاً من "الثوريين"، الإسلاميين في الغالب، الذين كانوا إما منفيين و/أو سجنوا خلال حكم الدكتاتور.

ثمة عناصر مؤثّرة في كل هذه الأبعاد، غير أن أيّاً منها لايمتلك وحده مايكفي من القوة التفسيرية. فالعنف في ليبيا، في جوهره، شأن محلّي نابع من شبكات المحسوبية الراسخة التي تقاتل من أجل الموارد الاقتصادية والسلطة السياسية في دولة تعاني من الفراغ المؤسّسي وغياب وسيط مركزي لديه تفوّق في القوة. وليس هناك فصيل واحد قوي بما يكفي لإكراه أو الفصائل الأخرى إجبارها.

وكما يوحي جزء كبير من المطبوعات بشأن نزع السلاح بعد انتهاء الصراع والتسريح وإعادة الإدماج، فإن هذا الغياب – الوسيط المركزي – هو الذي أربك الجهود التي بذلتها الحكومة الليبية والأطراف الخارجية الداعمة لتفكيك الميليشيات وإقامة مؤسّسات أمنية موحّدة ومتماسكة. غير أن الدراسات الأحدث بشأن بناء الدولة تقول إن فكرة الفيلسوف ماكس فيبر عن احتكار الدولة التام لأعمال العنف كانت دائماً بعيدة المنال، وأصبحت أبعد منالاً، وغالباً ماترتبط بالتكاليف البشرية الكبيرة. وكما يلاحظ المحلّل السياسي أرييل أهرام في دراسته عن الميليشيات التي ترعاها الدولة، "أثبتت الكثير من الجهود التي بُذِلَت لتعزيز الدول والقضاء على الميليشيات أنها غير عملية، إن لم تكن تؤدّي إلى نتائج عكسية".

قمت بخمس رحلات إلى ليبيا منذ العام 2011 - كان آخرها في أواخر حزيران/يونيو الماضي - واجتمعت مع قادة العديد من الميليشيات الرئيسة في البلاد، الذين هم الأطراف الفاعلة الأساسية في العنف المتصاعد في البلاد. ويُعتقَد في كثير من الأحيان أن هذه الميليشيات خارج المجتمع الليبي وخارج الدولة، لكن الواقع يشي بأنها متداخلة بعمق في كليهما.

إحدى المعضلات في ليبيا هي أن جميع الميليشيات تقريباً تدّعي أنها تمتلك الشرعية من خلال انتمائها إلى الأجهزة المتنافسة للحكومة الضعيفة والمنقسمة على نفسها. فقد نجمت قضية الإعانات الحكومية لسلطة الميليشيات عن الحالة الضعيفة للجيش النظامي والشرطة، والتي همّشها معمر القذافي لصالح وحدات من النخبة يقودها أبناؤه وتبخّرت خلال الثورة. ولكونها مجرّدة من أي وسيلة لإبراز سلطتها وحراسة حدود البلاد والمدن، قرّرت السلطات الانتقالية في ليبيا، المجلس الوطني الانتقالي، إضافة الميليشيات إلى كشف الرواتب الخاص بها. فقد كان لرئيس هيئة الأركان ووزير الدفاع ووزير الداخلية ورئيس المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته في وقت ما تحالفات "مسجَّلة" أو "بالوكالة" مع الميليشيات. وتمثّلت إحدى نتائج هذه الإعانات الحكومية في تكاثر عدد الميليشيات، الذي تجاوز الرقم الذي قاتل ضدّ القذافي في الواقع.

لعلّ أفضل وصف لما نشأ بعد ذلك هو أنه "نظام أمني هجين" (مختلط) - وهو المفهوم الذي تم استكشافه في السياق الأفريقي ولكنه لم يطبّق بصورة كافية على الدول العربية. يبدو مفهوم التهجين المستوحى أيضاً من دراسة عن أمراء الحرب كتبتها كمبرلي مارتن، وأخرى عن الأوامر السياسية للمتمرّدين كتبها بول ستانيلاند، مفيداً في الحالة الليبية لوصف كيف أن قوات الجيش والشرطة "الرسمية" تعمل بتنسيق فضفاض، ومشبوه في الغالب، مع ميليشيات "غير رسمية" أقوى تخضع إلى قبضة الحكومة الشكلية، مدعومة من السلطات القبلية والدينية التقليدية.

كانت نتائج هذا الترتيب في ليبيا مختلطة وفقاً للمكان الذي تم فيه ذلك. في بعض المجتمعات المتجانسة التي كانت الميليشيات تتمتّع فيها بجذور وعلاقات اجتماعية عضوية، لعبت الميليشيات دوراً أقرب إلى دور قوة الدرك المحلية، وقامت بوظائف مثل منع المخدرات وحراسة المدارس والمستشفيات وحتى صيانة الشوارع. لكن في الأماكن المختلطة أو ذات الأهمية الاستراتيجية، أي في طرابلس وبنغازي، تطوّرت الميليشيات وتحوّلت إلى كيانات طفيلية وضارية بصورة خطيرة، وسعت إلى تحقيق أجندات إجرامية وسياسية وإيديولوجية في الوقت نفسه.

خلافاً لبعض الافتراضات، ليس هناك فصيل واحد بمنأى عن اللوم على هذا الصعيد. فقد استخدمت الميليشيات الإسلامية وميليشيات مصراتة والزنتان والميليشيات الفدرالية القوة أو هدّدت باستخدام القوة للضغط على مؤسّسات الدولة المنتخبة، أو القبض على شبكات التهريب، أو الاستيلاء على الأصول الاستراتيجية، مثل نقاط التفتيش الحدودية والمرافق النفطية ومستودعات الأسلحة والموانئ والمطارات. وباعتبارها الشرايين التي تربط مراكز السلطة في ليبيا مع بعضها بعضاً ومع العالم الخارجي، تشكّل المطارات جوائز اقتصادية وأماكن لتهريب الأسلحة ومصادر للنفوذ السياسي في آنٍ معاً. إذاً، من ناحية ما، إن أحدث جولة في الصراع في ليبيا هي "حرب المطارات".

بصرف النظر عن قرار المجلس الوطني الانتقالي بتقديم دعم مادي للميليشيات، يكمن السبب في القتال الحالي في انعدام الكفاءة والاستقطاب الذي عانى منه المؤتمر الوطني العام. فمنذ انتخابه في تموز/يوليو 2012، أصبح تكوين الهيئة التشريعية – المؤتمر – يميل باطّراد إلى صالح الفصائل الإسلامية بسبب حالة الفوضى والانشقاقات والضعف في كتلة تحالف القوى الوطنية. وقد عزّز الإسلاميون تحالفات الميليشيات الإسلامية وتلك التي تسيطر عليها ميليشيات مصراتة – وهي أقسام معيّنة من قوات درع ليبيا الأولى بقيادة رئيس هيئة الأركان وغرفة عمليات ثوار ليبيا، كانت في البداية بقيادة رئيس المؤتمر الوطني العام، وأصبحت في وقت لاحق تحت قيادة رئيس الأركان – على حساب قوات الجيش والشرطة النظامية، والتي استحوذت على الكثير منها شخصيات مناهضة للإسلاميين من الزنتان أو الشرق.

كان ذلك التحيّز والاستقطاب محسوساً في شرق البلاد بصورة أكثر حدّة. فقد أصبحت الميليشيات الإسلامية الرافضة مثل أنصار الشريعة أكثر تحصّناً وقوة، كما أصبح اغتيال أفراد الأمن السابقين والحاليين، والناشطين، والشخصيات الدينية، وزعماء القبائل حدثاً يومياً. كان الأمن في بنغازي يعتمد منذ فترة طويلة على التعاون المضطرب بين الوحدات العسكرية المحلية (أي القوات الخاصة) والميليشيات الإسلامية التي تتخّذ من بنغازي مقرّاً لها والتابعة لرئيس هيئة الأركان. وكان أعضاء هذه الميليشيات الإسلامية "المسجّلة" يتمتعون بعلاقات ودّية مع أنصار الشريعة قائمة على الإيديولوجيا والصداقة الحميمة في السجن وميدان المعركة. وقد قال لي قادة اثنتين من هذه الميليشيات الإسلامية في العام 2013 إن أحد خلافاتها الرئيسة مع أنصار الشريعة يكمن في عدم رغبتها في الانضواء تحت مظلة الدولة قبل وضع دستور إسلامي.

في سياق تنامي الاستقطاب في طرابلس، بدأت الترتيبات الأمنية المختلطة في الشرق بالانهيار. لذلك بدأ اللواء خليفة حفتر، الذي وجد نفسه في مواجهة مع ما رأى أنه إهمال خبيث للجيش من جانب المؤتمر الوطني العام، إن لم يكن تواطؤاً فعلياً مع الميليشيات الإسلامية، بناء تحالفات مع القبائل الشرقية المعارِضة للإسلاميين المحليين، ومع الوحدات العسكرية الساخطة في الشرق. ومن هنا كانت ولادة عملية الكرامة.

في 16 أيار/مايو، قامت قوات عسكرية تابعة لما يسمّى الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء حفتر بقصف قواعد في بنغازي وحولها تتبع أنصار الشريعة، وكتيبة شهداء 17 فبراير، وقوات درع ليبيا الأولى، وسرايا راف الله السحاتي. ضمّت القوات الموالية لحفتر وحدات شرقية من القوات الجوية والقوات الخاصة التي تتّخذ من بنغازي مقرّاً لها، والقوات البحرية وشخصيات سياسية بارزة مثل رئيس تحالف القوى الوطنية محمود جبريل. وقد وقفت إلى جانبه الميليشيات القبلية المحلية المعارِضة للإسلاميين. كانت إحدى هذه الميليشيات تسيطر على مطار بنينة في بنغازي (الذي تستخدمه وحدات القوات الجوية الموالية لحفتر). وفي الغرب، انضمت ميليشيات الزنتان، التي تسيطر على مطار طرابلس الدولي، إلى حركته، على الرغم من أنه ينبغي النظر إلى تعاونها معه باعتباره تكتيكياً في نهاية المطاف، لأنها اشتبكت مع قواته في الغرب في العام 2012.

رأى اللواء حفتر، الذي تبنّى نبرة ولغة الجنرال المصري السابق الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن أهدافه تتجاوز طرد الميليشيات الإسلامية من بنغازي لتصل إلى القيام بعملية تطهير للإخوان من ليبيا. وهو يحتقر المؤتمر الوطني العام، إذ قال لي في حزيران/يونيو الماضي: "من المفترض أن يكون ديمقراطياً، لكنه دكتاتوري". وهو لايميّز البتّة بين أنصار الشريعة والتشكيلات "المسجَّلة" مثل قوات درع ليبيا الأولى وسرايا راف الله السحاتي. واستبعد إمكانية القبول بحلّ وسط قائلاً: "هناك ثلاثة خيارات بالنسبة إليهم: الموت أو الطرد من البلاد أو السجن".

أدخل حفتر ديناميكية جديدة وخطيرة في السياسة الليبية تولّد الاستقطاب والتطرّف، عبر تجميعه كل الميليشيات الإسلامية في فئة واحدة، من خلال مهاجمة جماعة الإخوان المسلمين نفسها في البداية. فالمواجهة التي يخوضها مع الإرهابيين قد تصبح نبوءة تحقّق ذاتها، إذ يُقال إن الجهاديين الليبيين يعودون من سورية والعراق لمحاربته.

قال لي حفتر إن العملية لن تتوقّف في بنغازي بل ستمتدّ لتصل إلى طرابلس في نهاية المطاف. ومنذ بداية حملته، كانت هناك مؤشرات على حدوث ذلك. فقد هاجمت الميليشيات المتحالفة مع حفتر من الزنتان المؤتمر الوطني العام الذي حاول من دون جدوى التماس المساعدة من الميليشيات المتحالفة معه في مصراتة. في مساء يوم 18 أيار/مايو، أعلنت مجموعة من خمسة ضباط من الجيش بقيادة حفتر أنه سيتم تعطيل المؤتمر الوطني العام، على أن تتولّى القيام بأعماله جمعية صياغة الدستور المؤلّفة من 60 عضواً. وقد تم تفادي حدوث كارثة بالإعلان عن إجراء انتخابات لاختيار خليفة للمؤتمر الوطني العام، أي برلمان ليبي يُطلَق عليه مجلس النواب.

أسفرت تلك الانتخابات التي أُجريَت في 25 حزيران/يونيو، عن نتائج غير مواتية للإسلاميين. كان ميزان القوى آنذاك يميل في غير صالح غرفة عمليات ثوار ليبيا والميليشيات المتحالفة معها. فقد عانوا كثيراً في الانتخابات، وكان اثنان من المطارات الرئيسة في البلاد في أيدي خصومهم، أي القوات الموالية لحفتر. وتمثّل الأمر الأكثر مدعاةً للقلق في احتمال أن تعتمد قوات حفتر في الشرق على حلفائها الجدد من الزنتان في المطار لنقل المعارك إلى العاصمة.

في 13 تموز/يوليو، بدأت غرفة عمليات ثوار ليبيا، مدعومةً في مابعد بميليشيات من مصراتة، وبعض أحياء طرابلس والبلدات المحيطة بها، بقصف مطار طرابلس الدولي، في ما أُطلِق عليها "عملية الفجر"، والتي شكّلت ردّاً مباشراً على عملية "الكرامة". لم تكن تلك مجرّد محاولة لطرد الميليشيات الزنتانية من مطار طرابلس، ولكن من منشآت استراتيجية في جميع أنحاء طرابلس، وبالتالي تغيير ميزان القوى في العاصمة، وربما في الشرق. وقد يكون الهدف غير المُعلَن هو إغلاق مطار طرابلس، بحيث يتم توجيه كل حركة المرور الجوية في غرب ليبيا من خلال مطارَي مصراتة ومعيتيقة، اللذين تسيطر عليهما الميليشيات الإسلامية. وبالفعل، أثّرت "حرب المطارات" هذه على السياسة الوطنية. فقد منعت الميليشيات الإسلامية في معيتيقة مؤخراً، رئيس الوزراء عبد الله الثني الذي ترى أنه مقرّب من حفتر، من السفر إلى الشرق. من جانبهم، تلقى أعضاء البرلمان المنتخبون حديثاً من مصراتة تهديدات إن هم استقلّوا الطائرة إلى بنغازي عبر المطار الوحيد العامل في مدينة البيضاء القريبة، والذي يخضع إلى سيطرة أنصار حفتر.

ما الذي يجب القيام به؟ في ماعدا الوقف الفوري لإطلاق النار، في كلٍّ من طرابلس وبنغازي، تحتاج البلاد إلى عقد جلسة للبرلمان الجديد، أي مجلس النواب، واستكمال العمل على الدستور. إذ من المقرّر أن يجتمع مجلس النواب في بنغازي، غير أن هناك تساؤلات حول أمنه، وما إذا كان سيتعرّض إلى ضغوط الميليشيات نفسها التي تعرّض إليها المؤتمر الوطني العام. ويُقال إن قوات حفتر عرضت توفير الحراسة للبرلمان، لكنها بالكاد تُعتبَر طرفاً محايداً. كما يُقال إن مكتب رئيس الوزراء يخطّط لتشكيل "قوة أمنية للبرلمان" قوامها 500 شخص، غير أن تكوينها وسلسلة قيادتها العملياتية غير واضحَين. وبصرف النظر عن هذه المخاوف الأمنية، يجب على مجلس النواب أن يعمل كي يكون هيئة جامعة ويتجنّب الاستقطاب الذي ابتُلي به سلفه، حيث أن ثمة دلائل بالفعل على أن أعضاءه الجدد سيعملون على إضفاء الشرعية على عملية حفتر وتحظير غرفة عمليات ثوار ليبيا.

خلافاً لبعض التعليقات، إن الدعم السريع للشرطة والجيش النظاميين حتى يتمكّنا من التدخّل في قتال الميليشيات، وحماية مؤسّسات الدولة المنتخبة من ضغط الميليشيات، لايمثّل حلاً سحرياً. وفي ظل عدم وجود اتفاق سياسي واسع بين الفصائل، إن أي جهود مستقبلية لنزع سلاح الميليشيات وفرض قوة أمنية مركزية على المشهد الممزّق في ليبيا، سيكون مآلها الفشل. فإما ستعارض الميليشيات القوةَ الجديدةَ بعنف، وإما سيذوب المتدرّبون الجدد مرة أخرى في الميليشيات. ومن ثم، هناك أفق زمني كي يقف جيش ما على قدميه (من ست إلى سبع سنوات وفقاً للتقديرات المتفائلة)، وثمة خطر يكمن في احتمال أن يُضعِف حاكم يحابي أقاربه ويتحيّز لهم، تماسكَ هذا الجيش، كما حدث في العراق.

أما الجهود الأولية التي بذلتها الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا وإيطاليا حتى الآن لتدريب جنود ليبيين في قواعد في الخارج في إطار "قوة الأغراض العامة" التي يصل قوامها إلى مايقرب من 20 ألف جندي، فقد حقّقت نتائج بائسة. إذ تم تجميد الخطة الأميركية لأن الحكومة الليبية لم تدفع مسبقاً. أما في برامج التدريب التي نفّذتها تركيا، وإلى حدّ أقل، إيطاليا، فكانت معدّلات الاستنزاف عاليةً بسبب سوء التدقيق. ومنذ نيسان/أبريل، مُنِحَت الدفعة الأولى من العائدين من هذا التدريب إجازةً مفتوحةً بسبب عدم وجود هيكل فعّال يمكنهم الانضمام إليه. إذ تفتقر ليبيا إلى البيروقراطية اللازمة لدعم الجيش، كما أن الميليشيات تحتلّ مستودعات أسلحته وقواعده. ويُقال إن بعض هؤلاء الجنود المدرّبين حديثاً سُجِّلوا في قوائم للقتال مع قوات حفتر.

وقد ركّز برنامج منفصل لقوات العمليات الخاصة الأميركية هدفه تدريب قوة نخبة ليبية لمكافحة الإرهاب في قاعدة عسكرية غربي طرابلس معروفة باسم "معسكر 27"، العام الماضي، على كتيبة ليبية من القوات الخاصة قوامها 800 جندي تتألّف في معظمها، وفقاً للمقابلة التي أجريتها في العام 2013 مع قائدها، من الزنتانيين والقبائل الغربية الأخرى، وتستبعد الجنود القادمين من الشرق ومصراتة. انتهت المحاولة بصورة مفاجئة عندما استولت الميليشيات القبلية الغربية على المعسكر في صيف العام 2013. وفي وقت لاحق، سلّم رئيس هيئة الأركان المعسكر لغرفة عمليات ثوار ليبيا الإسلامية.

تحتاج الفصائل في ليبيا إلى الاتفاق على خطة شاملة لسحب الميليشيات خارج طرابلس وبنغازي (بما في ذلك قوات حفتر)، وتسليم القواعد ومستودعات الأسلحة والمنشآت الأخرى إلى الجيش النظامي والشرطة. وثمة حاجة إلى إحياء الحوار الوطني المتباطئ بدعمٍ دولي، بهدفٍ وحيدٍ هو وضع خريطة طريق لبناء الهيكل الأمني ودمج عناصر الميليشيات كأفراد لا كوحدات. عندئذ فقط تستطيع القوى الخارجية المساعدة في تدريب قوات الأمن الجديدة وتجهيزها. ويجب أن تتأكّد هذه القوى من أن القوة الجديدة تخضع إلى الإشراف المدني، وتنطوي على تمثيل مناطقي واسع في صفوف الأفراد والضباط، وأن مهمّتها محدّدة بصورة واضحة. وينبغي أن تكون القوة الجديدة على غرار قوة درك محلية أو قوة حرس وطني، بدل أن تكون جيشاً تقليدياً متضخّماً لايتلاءم سوى قليلاً مع البيئة الأمنية في ليبيا. وهذا سيعني دائماً تسخير ودمج الهياكل الأمنية المختلطة التي تم تطويرها في عددٍ من المجتمعات في جميع أنحاء ليبيا، الأمر الذي يشمل الميليشيات. وخلال هذه المرحلة الانتقالية، يمكن للولايات المتحدة والمجتمع الدولي فرض معايير سلوك على الميليشيات من خلال تطبيق العقوبات وفرض حظرٍ على سفر قادة الميليشيات الذين يشاركون في عمليات القصف المستمرة للمطارات المدنية.

تحتاج ليبيا، في المستوى الأدنى، إلى إعادة الانخراط في سياسة الاعتراف. فالضباط والساسة والتكنوقراط الأكثر علمانية من عهد القذافي بحاجة إلى إدراك حقيقة أن للإسلاميين والثوريين الأصغر سنّاً مكاناً في النظام الجديد، شريطة أن يدعموا مؤسّسات الدولة ويتخلّوا عن العلاقات مع المتطرّفين الذين يستخدمون العنف. ويحتاج الإسلاميون من جانبهم إلى أن يدركوا أنه ليس بالإمكان استبعاد كل موظفي القذافي السابقين من هذا النظام. وعلى مصراتة والزنتان أن تدركا بأن أياً منهما لن يزدهر وحده في منافسة لاغالب فيها ولامغلوب تجعل مطار طرابلس، وليبيا نفسها، في حالة من الفوضى.

نُشِر هذا المقال في الأصل في صحيفة "واشنطن بوست".