صنعت الدولة الإسلامية اسماً لنفسها من خلال ترويجها للدعاية، بما يجعل الدعاية التي يستخدمها تنظيم القاعدة تبدو هزيلة بالمقارنة. في هذا الصدد، دعاية الدولة الإسلامية هي، إلى حدٍّ بعيد، نتاج عصرها. فوفقاً لاستراتيجيتها الخاصة، تحتاج الدولة الإسلامية إلى أن تظهر للعالم أنها تتجاوز تنظيم القاعدة. لذلك، لا بد من أن يتجاوز العنف الذي تمارسه واستخدامها لوسائل الإعلام الأساليب التي أكسبت تنظيم القاعدة شهرته. الدولة الإسلامية هي أيضاً نتاج عصرها على مستوى التكنولوجيا، ذلك أنها احتضنت بالكامل إمكانيات وسائل الإعلام الاجتماعي، ماجعل رسائل أسامة بن لادن على الأشرطة المسجّلة في العام 2001 تبدو موغلة في القدم.

لكن بعيداً عن عاملَي الحقبة التاريخية والاستراتيجية، يمكن أن يرى المرء في الدولة الإسلامية جانباً متمايزاً لم يُر في الحملة الدعائية الخاصّة بالتنظيمات القائمة مثل القاعدة أو حزب الله. فالقاعدة مجموعة إرهابية تعمل عبر شبكات متقلّبة. وهي قد استخدمت وسائل الإعلام الرقمية إلى حدٍّ كبير، وأسّست شركتها الخاصة، "السحاب"، للإنتاج الإعلامي. لكن، بسبب نموذج شبكاتها المتقلّب، لايمكن أحياناً ولوج الموادّ التي تنتجها إلّا عبر الاتصالات الإلكترونية العاملة بنظام الند للند (peer-to-peer) والمستندة إلى الوكيل (proxy). في موازاة ذلك، أرسلت القاعدة في مراحلها الأولى الشرائط المسجّلة مباشرةً إلى قنوات التلفزيون العالمية، وخصوصاً الجزيرة، معتمدةً على توقها إلى السبق الإعلامي كي تحظى القاعدة بدعاية مجانية. على مرّ السنوات، بدأت هذه الاستراتيجية بالفشل، حين امتنعت الجزيرة وسائر القنوات التلفزيونية عن السماح لبرامجها بأن تصبح أدوات تتولّى نقل دعاية القاعدة.

لينا الخطيب
كانت الخطيب مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. شغلت سابقاً منصب رئيسة برنامج الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي، في مركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون التابع لجامعة ستانفورد، وكانت أحد مؤسّسِيه.
More >

أمّا حزب الله، من جهة أخرى، فهو حزب يحظى بالشرعية في لبنان. لذلك، نجح في إنشاء مؤسّساته الإعلامية الخاصّة لنشر رسائله. وهو يمتلك مواقع إلكترونية عدّة، وإذاعة، وقناة تلفزيونية، وصحيفة. وهو يستطيع استعمال قنوات الاتصال هذه على الملأ وبشكل حرّ لأنّه مشارك علنيّ في الحياة السياسية اللبنانية، وله تمثيل في الحكومة، كما أنه يحظى بتأييد شعبي كبير. لكن حساسية حزب الله حول عمليّاته تعني أن استخدامه للإعلام الاجتماعي محدود، إذ إنه يتواصل مع حلفائه وخصومه سواسية من خلال إطلاق المعلومات بشكل مركزي، في حين أن الإعلام الاجتماعي قوامه تبادل المعلومات في اتجاهات يصعب التحكم بها.

وإذا قارنّا الدولة الإسلامية بالنموذجَين أعلاه، فسنجد أنها تواجه عدداً من التحديات. فمع أن القنوات الإعلامية المعروفة تغطّي أنشطة الدولة الإسلامية، بما في ذلك قطع رأسَي صحافيَّين غربيَّين مؤخّراً، إلا أن أيّاً من هذه القنوات لن يكرّر في نهاية المطاف الأخطاء التي ارتكبتها الجزيرة عندما كانت القاعدة في أوجها. وهذا الأمر يحرِم الدولة الإسلامية من قناة معروفة موثوقة تستطيع التواصل من خلالها بشكل منتظم. وعلى النقيض من حزب الله، لايعتبر أيُّ بلد الدولة الإسلامية شرعية، مايعني أنها يمكن أن تحاول إنشاء قنوات إعلامية خاصة بها، ولكنها ستكون غير قادرة على استخدامها على نطاق واسع. وفي ظلّ ازدياد الإجراءات الأمنية على شبكة الإنترنت عقب سنوات من النشاط الإرهابي للقاعدة وغيرها على الشبكة، أصبح من الأصعب على المجموعات الإرهابية أن تستخدم الشبكة العميقة Deep Web للتواصل، وهي جزء من الإنترنت غير مرئي لمحرّكات البحث. وإذ تسعى الدولة الإسلامية إلى تجنيد مزيد من العناصر والظهور عالمياً، تجعلها هذه التحديات معتمدةً للغاية على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي المعروفة مثل تويتر ويوتيوب.

لكن في الآونة الأخيرة، بدأ هذان الموقعَان التعاون مع الحكومات الغربية لإزالة الحسابات المرتبطة بالدولة الإسلامية. هذه المساحة الأضيق للتواصل تدفع الدولة الإسلامية إلى زيادة ضراوة عنفها لجذب انتباه العالم. ومع قيادة الولايات المتحدة الهجمات الجوية ضد قواعد الدولة الإسلامية في العراق، أصبح الرهائن الأميركيون بدورهم أهدافاً للتنظيم. فالصحافيان الأميركيان، جايمس فولي وستيفن سوتلوف، اللذان قطعت الدولة الإسلامية رأسَيهما، هما لهذه الأخيرة بمثابة بُرجَي مركز التجارة العالمية لتنظيم القاعدة. لاعجب إذاً أن تكون الولايات المتحدة أعلنت أن قطع رأس فولي "هجوم إرهابي على الولايات المتحدة".

على الرغم من هذا المنحى الرهيب الذي اتّخذته الأحداث، مامن شك في أن الدولة الإسلامية ستتأذّى بشكل كبير إذا فقدت قدرتها على الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي المعروفة. فيجب ألا ننسى أن الدولة الإسلامية تستخدم الدعاية لتظهر بمظهرٍ أضخم وأقوى مما هي عليه في الحقيقة. لذا لابدّ أن تتضمّن أيُّ خطةٍ لاستئصال التنظيم استراتيجيةً إعلاميةً إلى جانب استراتيجية عسكرية وسياسية.

صدر هذا المقال في الأصل عن منشورات هورست.