من الصعب الحكم على اتفاق الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي مضافاً إليها ألمانيا، مع إيران حول البرنامج النووي الإيراني، بالأبيض والأسود؛ وذلك لعدم وضوح الصورة لدى العديد من الدول والأفراد حول تداعيات الاتفاق، ولأن بعض المواقف تظهر ما لا تبطن، أو أنها مبنية على أسس أيديولوجية أو طائفية لا علاقة مباشرة لها بالاتفاق نفسه.

الإطار العريض الذي حكم المفاوضات هو، من جهة، رغبة الولايات المتحدة في عدم الدخول في حرب مع إيران، ومنعها من بناء سلاح نووي بالوسائل الدبلوماسية، وبغض النظر عن مدى ثقتها بالتزام إيران بالاتفاق، مستعيضة عن هذه الثقة بنظام مراقبة صارم، يطال مراحل إنتاج اليورانيوم كافة. ومن جهة أخرى، حكمت المفاوضات رغبة إيرانية في التخلص من نظام عقوبات صارم، خفض إنتاجها من النفط إلى أقل من مليون برميل يومياً، وأفقدها مئات مليارات الدولارات، بما انعكس حياتياً على مستوى دخل المواطن. وجرت المفاوضات بغض النظر عن تشدد الإمام خامنئي، واعتباره الولايات المتحدة شيطاناً أكبر لعقود من الزمن. هذا هو الإطار العريض الذي لم يتطرق على الإطلاق لأي مواضيع أخرى تهم دول المنطقة وتؤثر فيها، وهو لا يعني أن أي تفاهم جرى حول هذه المواضيع، بل ما عناه أن الطرفين شاءا الاتفاق على الاختلاف حول المواضيع الأخرى، تعظيماً لفرص الوصول إلى اتفاق حول الموضوع النووي، وهو ما تم.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

الحجة الأقوى لدى الإدارة الأميركية في دفاعها عن الاتفاق، أن البديل كان سيدفع إيران إلى تطوير سلاح نووي، وأن المدة التي تستطيع فيها إيران إنتاج قنبلة نووية في غياب اتفاق تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، بينما جعلها الاتفاق تطول لأكثر من سنة، تتيح للمجتمع الدولي التحرك في حال نكثت إيران بالاتفاق. وتمضي الحجة لتضيف أن الاتفاق قد لا يكون مثالياً، لكن نظام المراقبة الصارم كفيل بالرد على من يشكك بنية إيران الالتزام ببنوده. إضافة إلى أن البديل سيكون حرباً لا تريد الولايات المتحدة خوضها، ولن تنجح إلا في تأخير البرنامج النووي الإيراني؛ وهي حرب لا تريدها شعوب المنطقة، وستفتح أبواب الجحيم أمام مزيد من عدم الاستقرار والتطرف، عدا عن وصول أسعار النفط مستويات خيالية.

أما الحجة الأضعف لدى الإدارة الأميركية، فهي أن الاتفاق سيعزز موقع المعتدلين في إيران، بما يؤدي إلى استخدام الأموال الإيرانية التي سيفرج عنها للتنمية الداخلية، بعد أن عانى الاقتصاد الإيراني من العقوبات. لكن ليس هناك ما يشير إلى أن إيران ستوقف تدخلها في شؤون المنطقة، وأنها لن تستعمل جزءا من الموارد الإضافية لذلك. ولا يعني ذلك أن أميركا ستعطي ضوءاً أخضر لمثل هذا التدخل، ولكنه يعني أنها فصلت تماماً بين موقفها الرافض لهذا التدخل وبين المفاوضات حول الملف النووي.

عربياً، الموقف يتسم ببعض الغموض. فبعض دول الخليج متحفظة، وكانت هناك تسريبات عبر السنين بأن موقفها الحقيقي يساند حرباً ضد إيران، لأنها تخشى تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، أو مزاحمة إيران لها على هذا النفوذ إن تحسنت علاقتها بالغرب. وهذا التحفظ مفهوم، لأن هذه الدول لا تخشى سلاح إيران النووي، بقدر ما تخشى ما يمكن أن يؤدي إليه رفع العقوبات الاقتصادية من تعاظم الدور الإيراني في العالم العربي. وسورية رحبت بالاتفاق، لأنها تعتقد أن الغرب سيلين موقفه منها بعد الاتفاق، وهذا ليس وارداً. فسورية لم تكن على أجندة المفاوضات، إيجاباً أم سلباً، لأن الولايات المتحدة لم تكن راغبة في تعقيد المفاوضات، أو عرقلة الوصول الى اتفاق، ولكنه لا يعني أنها غيرت موقفها من الأزمة السورية.

برأيي أن الاتفاق أفضل مائة مرة من عدمه، وقد شكل حالة نادرة خسر فيها اللوبي الإسرائيلي معركة ضارية ضده، وما يزال يحاول حشد المعارضة في الكونغرس. وإذا كان من المستحيل الإبقاء على نظام العقوبات للأبد، فقد حان الوقت لدول المنطقة أن تجلس مع إيران، بغض النظر عن الاختلافات السياسية أو العقائدية، ومحاولة إيجاد حلول عملية لما يعانيه الاقليم من تحديات. ليس في السياسة من عداوات أو صداقات دائمة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.