كان الطرح الرئيسى للدكتور سامر سليمان ـ رحمه الله ـ أن مصر تمر بمخاض طويل وعسير للتحول من الدولة الريعية التى تعتمد فى إيراداتها على مصادر دخل غير ضريبية كمبيعات النفط وعائد قناة السويس والمعونات والمساعدات الخارجية إلى دولة ضريبية تعتمد فى غالب إيرادها الحكومى على تحصيل الضرائب من الاقتصاد. وكان طرح سامر سليمان فى كتابه المؤثر "الدولة الضعيفة والنظام القوى" والذى صدر فى ٢٠٠٥ أن الحكومة المصرية تعانى من تراجع الإيرادات الريعية التى طالما اعتمدت عليها، وأن هذا الريع ينخفض بشكل مستمر كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى منذ نهاية الثمانينيات، ولكن فى المقابل فإن الدولة لا تملك من القدرات الإدارية أو السياسية ما يمكنها من تعويض هذا التراجع فى الريع من خلال التوسع فى تحصيل الضرائب، وهو ما يخلق أزمة مالية مزمنة.

استحضرت قول سامر عند افتتاح قناة السويس الجديدة، فمما لا شك فيه أن إتمام مشروع قناة السويس الجديدة طبقا للجدول الزمنى قد أضاف إضافة إيجابية لرصيد الحكومة والقيادة السياسية من حيث القدرة على الإنجاز فى وقت زمنى قصير، ومن حيث القدرة على تعبئة الموارد المالية والبشرية والإدارية وتكثيف استخدامها، ولكن بعد أن تم افتتاح الفرع الجديد من قناة السويس يجوز طرح أسئلة حول الأثر المتوقع للمشروع على الاقتصاد المصرى ككل، وأثره المتوقع على إيرادات الحكومة المصرية وأزمتها المالية المزمنة.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

مثلت قناة السويس منذ استعادتها وإعادة تشغيلها فى ١٩٧٥ مصدرا هاما وشبه ثابت من الإيرادات الدولارية التى تؤول بشكل مباشر إلى خزانة الدولة، وقد أسهمت أعمال التوسعة والتعميق طيلة العقود الماضية فى الاحتفاظ بنصيب القناة من التجارة العالمية، وأسهمت فى زيادة إيراداتها بشكل مطرد، فقد تضاعف إيراد القناة الدولارى من نحو ٢,٥ مليار دولار فى ٢٠٠٤ إلى ما يزيد على ٥ مليارات دولار فى ٢٠١٤، ولا شك أن الرهان على زيادة نصيب القناة من التجارة العالمية على المدى البعيد هو أمر فى محله علما بأن التجارة العالمية ما فتأت تنمو باستمرار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية رغم خضوع ذلك النمو الكلى لدورات من التباطؤ وأخرى من النشاط على المدى القصير.

وتهدف الحكومة إلى تحقيق زيادة إيرادات قناة السويس بمقدار ٢٥٩٪ بحلول سنة ٢٠٢٣، وهو أمر عليه جدل نظرا لشواهد التباطؤ الاقتصادى فى شرق آسيا، خاصة الصين، أكبر مصدر للسلع فى العالم، واستمرار الأزمة الاقتصادية فى أوروبا، وتراجع توقعات النمو للاقتصاد العالمى بالإضافة لاضطراب التجارة العالمية منذ الأزمة المالية فى ٢٠٠٨، والتى لم يتعاف الاقتصاد العالمى منها قط إلى يومنا هذا، ولكن حتى إذا ما افترضنا أن القناة ستحقق المعدل المرجو لنمو الإيرادات بحلول ٢٠٢٣ فهل سيحل هذا أزمة مالية الدولة المصرية المزمنة؟ والإجابة هى قطعا لا.

على الرغم من تضاعف الرقم المطلق لإيرادات قناة السويس إلى خمسة مليارات دولار فى العشر سنوات الأخيرة إلا أن نصيبها من الإيرادات الحكومية قد ظل ثابتا عند نحو ٤٪ فحسب من إجمالى الإيراد العام بينما تناقص وزن إيرادات القناة النسبى كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى إلى ما دون ٣٪، وهو نصيب كبير نسبيا ولا شك ولكنه لا يرقى إلى تعديل وجه الاقتصاد المصرى، ولا إلى إيجاد مخرج هيكلى لمشكلة الإيرادات الحكومية المحدودة نسبة للإنفاق، والتى تتمخض عن عجز شديد الضخامة ودين عام يزداد حجما سنة بعد سنة لتمويله.

إذا ما افترضنا أن الاقتصاد المصرى سينمو بمعدل ٥٪ سنويا من ٢٠١٥ إلى ٢٠٢٣، وهو معدل مبالغ فى تفاؤله نظرا للظرف الإقليمى والعالمى، وإذا ما افترضنا كذلك أن قناة السويس ستدر ١٣,٢ مليار دولار بحلول ٢٠٢٣ فهذا يعنى أن نصيب الإيرادات من الناتج المحلى سيظل دون ٣٪ أو ربما يتجاوزها بشكل طفيف، وبما لا ينعكس حتما على إصلاح الوضع المالى للحكومة بشكل جذرى.

إن هذا لا يستهدف الانتقاص من الأثر الإيجابى للقناة حال زيادة إيراداتها فى السنوات القادمة، إنما يسعى إلى لفت الانتباه إلى أن الاقتصاد المصرى أكبر من أن يغيره مشروع واحد، وأن أزمة الدولة المالية لن تحل بشكل جذرى بالعمل على زيادة الإيرادات الريعية، وأن السبيل الوحيد أمام حل هذه الأزمة بتداعياتها الكبيرة على فرص التنمية فى مصر هو بزيادة الإيرادات الضريبية بما يمكن الدولة من زيادة الاستثمار العام فى البنية الأساسية وفى التنمية الإنسانية من تعليم ورعاية صحية وحماية اجتماعية، وهى العقبات الكؤود التى تحول دون تمتع مصر بتنافسية فى الاقتصاد العالمى يمكنها من جذب رؤوس الأموال والتوسع فى صادرات السلع والخدمات وخلق فرص عمل تتمتع بإنتاجية مرتفعة ومن ثم بأجر كريم.

إن الخلاصة هى أنه لا يمكن التعويل على تنمية الموارد غير الضريبية للدولة المصرية لحل مشكلاتها المالية المزمنة، ناهيك عن إحداث النقلة التنموية المرجوة فى المدى المنظور، ويبدو أن الحكومة الحالية يغيب عنها تصور واضح حول زيادة الإيرادات الضريبية لاسيما المباشرة، ويغلب عليها التخبط كما بدا فى مسألة فرض ضريبة البورصة ثم تجميد العمل بها، وطول الحديث عن ضرائب الثروة العقارية دون الكثير من الفعل، وهو ما يوحى بضعف القدرة على تحصيل الضرائب من أصحاب رؤوس الأموال ومن أصحاب الملكيات، ويكفى معرفة أن نصيب ضرائب الأرباح الرأسمالية والتجارية والصناعية مجتمعة لم يتجاوز ٧٪ من إجمالى الإيراد الحكومى طيلة السنوات العشر الماضية، وأن نصيب ضرائب الملكية يقبع دون ٣٪، وهو ما يعنى أن الأزمة مستمرة فى عدم قدرة الحكومة على تحصيل ضرائب على النشاط الاقتصادى بشتى صوره، وهو ما يترجم إلى عجز مزمن ودين عام شديد الضخامة وهيكل إنفاق لا يخدم التنمية وعدالة اجتماعية مفقودة.

تم نشر هذا المقال في الشروق.