روسيا وإيران وحزب الله وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والسعودية ومصر، هؤلاء هم بترتيب الأهمية الفاعلون الإقليميون والدوليون الأساسيون فى المقتلة السورية. جاءت بهم جميعا حسابات المصالح والنفوذ والمخاطر الأمنية، وتبنوا منذ ٢٠١١ سياسات متناقضة، ولم تتوافق أغلبيتهم سوى على مواجهة داعش وتقويضها.

الحقيقة المريرة هى أن إيقاف المقتلة السورية لم يكن من بين أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين، مثلما لم تكن حماية المدنيين من جرائم الإبادة التى يرتكبها نظام بشار الأسد ومن جرائم عصابات الإرهاب من الأولويات. بل إن فاعلين كروسيا وإيران وحزب الله تحولوا عملا إلى شركاء فى جرائم الأسد وغاراته الكيماوية على المدنيين والبراميل المتفجرة التى يسقطها على المدن والقرى، كما فى غوطة دمشق اليوم. وصارت تركيا بتدخلاتها العسكرية شريكا مباشرا فى الحرب الأهلية الدائرة على الأرض السورية بين نظام الأسد ومعارضيه وبينه وبين جماعات الإرهاب وبين الجميع مجموعات كردية تخدم الولايات المتحدة الأمريكية تارة والأسد أخرى.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

وبينما تواصل إسرائيل اعتداءاتها على البلد العربى وقصف مواقع متنوعة، تريد الولايات المتحدة بعد أن أسهمت فى تقويض داعش الاحتفاظ بوجود عسكرى على الأرض السورية. وفى جميع هذه السياقات، لم تتجاوز الأهمية الفعلية لإيقاف المقتلة وحماية المدنيين حدود البيانات الدبلوماسية والمؤتمرات الدولية والتهديدات منزوعة المضمون بمعاقبة الأسد «إن عاد واستخدم السلاح الكيماوى ضد شعبه» (كالسياسة المعلنة للرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما التى لم تدخل أبدا حيز التنفيذ العملى).

واليوم وبينما تتواصل فى الغوطة وعفرين المقتلة التى أسقطت أكثر من نصف مليون سورى، يتنصل الجميع من المسئولية. فتعلن روسيا وإيران وحزب الله أن الأسد يواجه الإرهاب فى غوطة دمشق وأن مساعدته عسكريا تتسق تماما مع جهود القضاء على الإرهاب. وليذهب الأطفال والنساء والرجال فى الغوطة إلى الجحيم. وتركيا تدعى أن عملياتها العسكرية فى عفرين لا تستهدف سوى مجموعات مسلحة إرهابية تهدد الأمن القومى التركى وتتخذ من الأرض السورية نقطة انطلاقها. أما الخلط المتعمد بين مجموعات إرهابية وبين مجموعات كردية سورية فتتجاهله السياسة التركية، شأنه شأن ضحايا العمليات العسكرية من المدنيين. وليذهب الأطفال والنساء والرجال فى عفرين إلى الجحيم.

أما الولايات المتحدة وفرنسا فتسارعان إلى العمل على استصدار قرار من مجلس الأمن يقضى بفرض هدنة شاملة فى سوريا لمدة ثلاثين يوما، على الرغم من علم الدولتين بالرفض الروسى لقرار كهذا وإدراكهما لاستحالة تمرير ما يريدان بشأن سوريا دون موافقة فلاديمير بوتين. وهناك أطراف أخرى كمصر تتحدث عن استعادة توافقات «المناطق الآمنة» لإيقاف استهداف المدنيين، علما بأن الغوطة كانت من بين تلك المناطق وتنصل بشأنها الأسد من توافقات الماضى القريب. وليذهب الأطفال والنساء والرجال فى جميع أرجاء سوريا إلى الجحيم.

هؤلاء الفاعلون الإقليميون والدوليون الأساسيون هم الذين يخونون اليوم حق الشعب السورى فى الحياة، ويشاهدون بدم بارد الدماء المسالة فى الغوطة وعفرين. وإليهم، بعد نظام الأسد المتورط فى جرائم إبادة وعصابات الإرهاب المتورطة فى جرائم ضد الإنسانية، ستتجه أصابع اتهام التاريخ. لا ينتظر السوريون من الأسد غير الإبادة ومن داعش غير القتل وسفك الدماء. إلا أنهم كانوا ينتظرون من القوى الإقليمية والدولية العمل الجاد على إيقاف المقتلة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.