حين اقترفت داعش مجازرها الوحشية، سارع كل من يحترم أبسط القواعد الانسانية، وأنا منهم، للمطالبة بمحاربة داعش عسكريا حتى دحرها، فليس من المقبول ان يستخدم اي كان الدين من اجل القيام بعمليات اقل ما يقال فيها انها جرائم ضد الانسانية جمعاء، وليس من المقبول ايضا المساومة مع مثل هذه الجماعات بأي شكل من الأشكال.

هذا الموقف بدهي ولا يحتاج الى تبرير. ولكن الوقوف ضد داعش وممارساتها لا يجوز ان يكون باي شكل من الأشكال مبررا ايضا للدفاع عن الممارسات الهمجية للنظام السوري او التغاضي عنها. وان كنّا صادقين في احترامنا للانسانية، لا نستطيع دفن الرؤوس في الرمال والاحتماء وراء مقولة ان هناك مؤامرة كونية ضد سورية تبيح لها قتل شعبها بهذه الطريقة الوحشية. ولا اعتقد ان الامم المتحدة، او سمو الامير زيد بن رعد، وقد عملت معه طويلا، واشهد له بالنزاهة والموضوعية والأخلاق العالية، جزء من هذه المؤامرة الكونية، وهو يصرح بأن ما يحدث في الغوطة يمكن ان ينحدر الى جرائم حرب ضد الانسانية يجب محاكمة مرتكبيها امام محكمة الجنايات الدولية. 

ولنكن اكثر صراحة. ليس كل من يدعي الوقوف امام اسرائيل، او ضد تدخل الدين في السياسة، او مع بعض حقوق "الأقليات"، ينبغي ان يعطى تصريحا على بياض لارتكاب مجازر داعشية ضد شعبه تختلف في الطريقة وتتفق في الوحشية. ولا ننسى ان بطش النظام السوري بشعبه سبق الثورة السورية والتدخلات الأجنبية بعقود من الزمن. 

ان كنّا من "الأقليات"، وهو اصطلاح مكروه ينتقص من مواطنة الفرد، لا نستطيع ان نقف مع الطغيان الممارس ضد اخوتنا العزل بحجة ان هذا الطغيان يحمينا، ومن يتجاهل معاناة اخوته المواطنين يرسّخ نعتهم بالأقلية من قبل "الاغلبية". 

وان كنّا نؤمن وننادي بالديمقراطية، فلا نستطيع السكوت على انتهاك الديمقراطية من اي كان، سواء كان توجهه دينيا او مدنيا. وان كنّا نؤمن بمدنية الدولة، لا نستطيع تجاهل من يضرب بسيادة القانون عرض الحائط، فذوو التوجه المدني والديني في هذه الحالة شركاء في الجرم. 

لا تستطيع المدنية الديمقراطية ان تكون انتقائية، نعلي شأنها عندما تناسبنا، ونضرب بها عرض الحائط عندما ينتهكها من يتفق معنا عقائديا. فإذا تم تجاهل قواعد الانسانية، ولم تحترم الشعوب، فلا معنى لليسار واليمين ولا للتقدمية والرجعية. 

المدنية الديمقراطية الحقة تقف موقفا واحدا ممن يريد استغلال الدين لاستعباد الشعوب، كما ممن يمارس السلطوية لاستعباد الشعوب. فالممارستان مرفوضتان لان هدفهما واحد، وهو ابقاء الشعوب تحت الاستعباد. المدنية الديمقراطية ليست شعارا يرفع، ولكنها ممارسة على الارض. 

الاجرام لا يحلل الاجرام، ولا يبرر اختزال المشهد بثنائية معي او ضدي، أي إما مع ارهاب داعش او مع النظام السوري. قتل المدنيين في الرقة والازيديين في العراق والمسلمين والمسيحيين في سورية والعراق لا يبرر قتل المدنيين في الغوطة وإلقاء البراميل المتفجرة والصواريخ والأسلحة الكيماوية من الطائرات ضد العزل، وجميعها لا تفرق بين مدني وارهابي. من يريد مستقبلا افضل لشعبه وللمنطقة عليه تجاوز هذه الثنائية العبثية المدمرة والعمل من اجل طريق ثالث، لا يمثل حلما طوباويا كما يريد أعداء المدنية الديمقراطية تصويره، بل أمل يستحق العمل من اجله لمستقبل تعددي أكثر إشراقا، ولمجتمع يحترم حقوق المواطنة الكاملة حيث قطرة دم واحدة لمواطن أو مواطنة أغلى من اي كرسي في السلطة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.