ولأن إقرار حقوق وحريات المرأة التى حل الخميس الماضى يومها العالمى (٨ مارس من كل عام) يظل فى مصر وبلاد العرب هما مجتمعا شاملا يتجاوز دور الحكومات وحدود السياسة ويرتبط بقناعات ومواقف الرجال ومدى استعدادهم لقبول فريضة المساواة بين الجنسين، يجدر بدعاة تمكين النساء مراجعة دراسة «فهم هويات الرجال الجندرية» التى أطلقتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة فى مايو ٢٠١٧ وتفصل نتائج أبحاث استقصائية عن الرجال ونظرتهم إلى المرأة فى مصر ولبنان والمغرب وفلسطين (هنا رابط الملخص التنفيذى للدراسة باللغة العربية، وهنا رابط الدراسة الكاملة باللغة الإنجليزية).

أجريت الدراسة باستقصاء آراء ما يقرب من ١٠،٠٠٠ رجل وامرأة تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٥٩ عاما فى البلدان الأربعة، وخلصت إلى أن معظم الرجال «يدعمون مصفوفة واسعة من السلوكيات التقليدية غير المنصفة» للنساء بداخلها تبرير العنف المنزلى ضدهن وتهمشهن فى الفضاء العام وتنتهك حقوقهن وحرياتهن المدنية والاجتماعية والسياسية. خلصت الدراسة أيضا إلى أن أقلية من الرجال، تدور نسبتها حول ٢٥ فى المائة فى البلدان الأربعة، تنتقد العنف ضد النساء وتدعم المساواة فى البيت والمدرسة والجامعة والمصنع والمؤسسات الحكومية وترغب فى تمكين المرأة بمشاركتها فى تحمل الأعباء الأسرية وتشجيع استقلاليتها الاقتصادية والمالية.

تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
عمرو حمزاوي

باحث غير مقيم
برنامج كارنيغي للشرق الأوسط

المزيد من إصدارات الباحث

أثبتت دراسة «فهم هويات الرجال الجندرية»، والتى شارك بإعدادها من مصر مركز الأبحاث الاجتماعية بالجامعة الأمريكية، أن أغلبية كبيرة من المصريين واللبنانيين والمغاربة والفلسطينيين ترى أن الدور الأهم للمرأة يتمثل فى الاعتناء بالأسرة والرعاية المعيشية لأفرادها رجالا وأطفالا بينما يتعلق دورهم هم بمراقبة النساء والفتيات فى أسرهم وضبط سلوكياتهن. بل إن الدراسة، ومن خلال استقصاء آراء آلاف النساء، وجدت أن أكثر من نصف عدد النساء يقبلن تلك الرقابة الذكورية عليهن ولا يمانعن فى أن يختزل دورهن إلى الاعتناء بالرجال وورثتهم من الأطفال.

فيما خص سوق العمل، تسود بين أغلبية الرجال والنساء فى مصر ولبنان والمغرب وفلسطين ذات النظرة الذكورية التى تعطى الرجل الأولوية فى الحصول على الوظيفة وتستبعد المرأة متذرعة بأنها زوجة وأم فى المقام الأول بدلا من موظفة وعاملة. وبين الأقلية من الرجال التى تساند المساواة مع النساء فى سوق العمل وتنزع إلى تفضيل إقرار حقوقهن وحرياتهن ترتفع نسبة الرجال ميسورى الحال وذوى التعليم العالى والقادمين من أسر كان بها أمهات عاملات، وترتفع أيضا نسبة الرجال من سكان المناطق الحضرية مقارنة بانخفاضها فى المناطق الريفية (وينطبق ذلك على مصر والمغرب بوجه خاص).

وباستثناء الجمهورية اللبنانية، وبها يتزايد بين الأجيال الشابة عدد الرجال المؤيدين للمساواة مع النساء والرافضين للعنف ضدهن، لا يختلف شيوع النظرة الذكورية والمواقف التمييزية وغير المنصفة ضد المرأة بين الشباب من الرجال عن الرجال متوسطى العمر والكهول فى مصر والمغرب وفلسطين. بينما يحمل الشباب فى البلدان الثلاثة قناعات تقدمية بشأن السياسة والمجتمع والعلاقة بين المواطن والسلطة، إلا أن الصفة التقدمية تغيب فيما خص وضعية المرأة داخل الأسرة وفى المجتمع على نحو كاسح وصادم. وفى هذا السياق، تتناقض ذكورية الشباب من المصريين والمغاربة والفلسطينيين مع قناعات ومواقف نظرائهم فى العدد الأكبر من بلدان العالم (متقدمة ونامية) حيث يتسم الشباب بالدعم الكامل للمساواة بين الجنسين.

ومن بين التداعيات السلبية لغياب المساواة بين الجنسين وتهميش المرأة فى سوق العمل وتعاظم مسئولياتها داخل الأسرة، تشير الدراسة إلى معاناة النساء من العديد من أوجه الضعف الصحية مثل مرض الاكتئاب الذى تتعرض له نسب تتراوح بين ٣٥ و٥٢ فى المائة من المصريات واللبنانيات والمغربيات والفلسطينيات مقارنة بنسبة ٢٦ إلى ٣٨ فى المائة من الرجال. ويبدو أن لكل من انتشار العنف المنزلى ضد النساء (بين ١٠ و٤٥ فى المائة من الرجال الذين استقصت الدراسة آراءهم أقر باستخدام العنف الجسدى ضد شريكات حياتهن) ولتخاذل أغلبية الرجال عن الاضطلاع ببعض المهام الأسرية صلة مباشرة بارتفاع نسب النساء المكتئبات.

ما أحوج دعاة تمكين المرأة وإنصافها والمساواة بين الجنسين فى مصر وبلاد العرب إلى قراءة دراسة «فهم هويات الرجال الجندرية»، ومناقشة استخلاصاتها، والتفكير فى التغيرات الاجتماعية اللازمة (تحديث النظم التعليمية مثالا) لإبعاد أغلبية الرجال عن النظرة الذكورية والقناعات والمواقف التمييزية. كل يوم مرأة عالمى ونساء مصر والعرب إلى المساواة أقرب.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.