في العام 2002، نشر برنامج الامم المتحدة الانمائي تقريره الاول عن التنمية العربية في العالم العربي. وقد جمعت المسؤولة عن البرنامج حينذاك الاردنية الفذة.

د. ريما خلف فريقا من المفكرين والناشطين العرب لتحديد التحديات الرئيسية التي تواجه الدول العربية، وتم تلخيصها في ثلاثة تحديات رئيسية هي غياب الحريات السياسية والثغرة المعرفية بين المنطقة وباقي العالم والدور المحدود للمرأة وضعف الحقوق المعطاة لها.

وفي اجتماع لوزراء الخارجية العرب في مصر آنذاك، وكنت كوزير خارجية الاردن أشيد بجرأة التقرير وأدعو للتعامل معه بالجدية المطلوبة، انبرى لي احد وزراء الخارجية وقال، "من يقول ان النساء العربيات يتعرضن للتمييز في العالم العربي؟ إنهن يعشن حياة جيدة جدا ويحظين بالاحترام من المجتمع الذي منحهن كل حقوقهن"!

اكتب هذا بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الأسبوع الماضي، حيث نحتفل بها ليوم وننتهك حقوقها للعام كله. وتدل تعليقات الوزير العربي كما بعض التعليقات على وسائل الاتصال الاجتماعي وغيرها على حالة عامة من الإنكار لوضع المرأة والتمييز التشريعي والثقافي ضدها. ويتبنى البعض مقولة أصبحت مكررة الى حد الاشمئزاز اليوم مفادها ان من يطالب بتعديل القوانين التي تميز ضد المرأة انما ينفذ اجندة غربية تريد النيل من مجتمعاتنا العربية! فإذا تمت المطالبة بمساواة المرأة والرجل في قوانين العمل والضمان الاجتماعي والتقاعد والاحوال الشخصية والإقامة والجنسية والعقوبات والخدمة المدنية كأمثلة فقط فهذا تخريب للمجتمع وتنفيذ لأجندات خارجية وأمركة وصهينة وما ترغبون من اتهامات سخيفة هدفها تحنيط الامتيازات الذكورية الى أبد الابدين.

يريد البعض احتكار كل القيم الانسانية والادعاء بأنها محصورة على مجتمعاتنا، فكل ما يأتي من الخارج مرفوض، وكل ما يأتي من الداخل مبجل، وهو عنوان التقوقع والخمول في عالم لا يستطيع فيه احد عزل مجتمع عن باقي العالم. حقيقة الامر ان حقوق المرأة قيمة إنسانية لا يحتكرها لا الغرب ولا الشرق ولا الوسط، وكل من يقف ضد المواطنة المتساوية للمرأة انما يريد في الواقع الإبقاء على امتيازاته الذكورية ولوتم ذلك على حساب مجتمعه، تماما كأركان الوضع القائم في البلاد الذين يقفون ضد الإصلاح السياسي لانه سيؤثر في النهاية على مصالحهم التي يرونها اهم من مصلحة الوطن.

في الماضي نهلنا وبشغف من الحضارات الاخرى اليونانية والفارسية وغيرها، وقمنا بالبناء عليها وإثرائها، ثم استفادت الحضارات الاخرى من اعمال ابن سينا والرازي والخوارزمي وابن رشد وابن خلدون وغيرهم العشرات ما ساهم في اثراء الحضارات العالمية اليوم. لم يرفض أسلافنا فكر ابن خلدون لانه عاش حينا في بلاد الغرب في الأندلس، ولم نتبرأ من أدب جبران خليل جبران لانه عاش في الولايات المتحدة، وهو القائل إن الحياة لا تعيش في منازل الأمس!

المطالبة بحقوق المرأة ليست مؤامرة خارجية، والانتقاص من حقوقها مؤامرة داخلية بامتياز. لقد حان الوقت للرجل العربي ان يعلي الصوت، ويضع يده بيد المرأة لتعديل القوانين التي تميز ضدها، ليصبح الاحتفال بعيدها ذا معنى يتجاوز التغني الأجوف بها، فيرتقي الاحتفال بيوم المرأة ليصبح احتفالا بالانسان العربي حيث تتمتع النساء والرجال بحقوق متساوية وكاملة تغني المجتمع وتدفع به الى آفاق اكثر رحابة وإنسانية.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.