مع أن اللاجئين في لبنان والأردن يواجهون تحديات خطيرة ومتفاقمة، هذا لايعني بالضرورة أنهم سيعودون إلى سورية تلقائياً عند وقف الحرب. ففي حالات كثيرة، لم يعد لديهم منازل قائمة للعودة إليها. لذا، الاستماع إلى اللاجئين أمرٌ أساسي لسبر مواقفهم وفهم ما يحتاجون إليه من أجل العودة، وما تقتضيه عودتهم- هذا إذا افترضنا انهم يرغبون بذلك.

وأشار المشاركون في حلقات نقاش كارنيغي بوضوح إلى أن وضعهم معقّد، ناهيك عن أن مخاوفهم الكثيرة قد تبدّلت على نحو كبير منذ العام 2011. ومن بين دواعي قلقهم هو سلامتهم الشخصية وسلامة عائلاتهم، والآفاق البعيدة للاستقرار في سورية، ومصالحهم الاقتصادية، ومحاكمة مُرتكبي جرائم الحرب. وقد أبرز اللاجئون أولويات ومتطلبات مشتركة حيال مسألة العودة إلى سورية. ومواقفهم تحدّدها عموماً ظروف رحيلهم من البلاد، وشروطهم للعودة، ورأيهم في أي سورية مستقبلية يرغبون.

لماذا غادروا؟

لم يكن قرار السوريين بمغادرة البلاد يسيراً. ففي معظم الحالات، اتُّخذ القرار بعد عمليات نزوح متكررة داخل البلاد. كثرٌ من اللاجئين تعرّضوا شخصياً إلى حوادث هدّدت حياتهم أو حياة أفراد عائلاتهم. وفي مجموعة كارنيغي للنقاش، دار كلام اللاجئين حول أسباب مغادرتهم سورية، وكيف اختاروا بلد اللجوء، وآفاق العودة. وفي وقت يرى كثرٌ في أوروبا أن اللاجئين السوريين مهاجرون اقتصاديون يسعون إلى حياة أكثر ازدهاراً في الغرب، إلا أن الواقع لايعكس ذلك. فحتى لو أن مواقف اللاجئين من إعادة التوطين خارج الشرق الأوسط تغيّرت مع الوقت، فإن الداعي الأول إلى مغادرة سورية كان ببساطة العثور على ملاذ آمن في دول الجوار. وهذا ما أوضحه مراراً وتكراراً المشاركون في حلقات النقاش. فقد روى عمر، من درعا، ما حصل: "أُصبتُ أنا وأطفالي بجروح في الصراع، ورغبنا في مغادرة البلد. أوقفونا على حاجز المعضمية على مقربة من درعا. وعلى رغم أن إصاباتنا كانت واضحة ومرئية وكنا غارقين بالدم، سألونا إلى أين نذهب، فقلنا إننا نغادر... ثم [الجيش السوري] فتشونا وأرسلونا إلى وحدة أمنية. أخلوا سبيل النساء والأطفال واحتجزوني مع ابني الجريح.1

كان مُلفتاً إلى أي مدى أثّرت البيئة المعقّدة وحالة اللايقين في دوافع اللاجئين السوريين وقراراتهم. ففي حالات كثيرة، اضطرّ اللاجئون إلى اتخاذ خيارات صعبة فيما هم يعيشون في بيئة مضطربة تتغير بوتيرة سريعة- وهو سياق يطابق اليوم نظيره في الدول المضيفة. ومن أجل فهم عميق لطريقة تفكير اللاجيئن، لا غنى عن إدراك الصدمات الكبيرة التي نزلت بهم في إطار متحوّل وديناميكي يدحض القراءة الجامدة لأحوالهم.

الفرار من النزاع

ليس معظم اللاجئين في لبنان والأردن مهاجرين اقتصاديين، وقلة قليلة منهم كانت تعيش وتعمل في كلا البلدين (على رغم أن عددها أصغر كثيراً في الأردن) قبل ثورة 2011. فرّ 82 في المئة من اللاجئين الذين استطلعتهم حلقات نقاش كارنيغي، من سورية بسبب تدهور الأوضاع الأمنية أو بسبب نشوب حوادث أمنية استهدفتهم أو نالت من عائلاتهم. شملت هذه الحوادث اعتقالات تعسفية، وتوقيف عشوائي على الحواجز، أو وفاة أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء. وغادر العديد من الشباب لتفادي التجنيد العسكري الإلزامي للذكور مابين الثامنة عشرة والثانية والأربعين من العمر. تتطابق هذه النتائج مع تقارير منظمات دولية، بينها تقرير صادر في آب/أغسطس 2012 عن منظمة أطباء بلا حدود، يؤكد أن 75 في المئة من اللاجئين السوريين في لبنان غادروا بيوتهم لأسباب أمنية.2 وكان أسامة، وهو لاجئ شاب من درعا، لسان حال كثيرين حين قال: "غادرنا البلد لكي لا نَقتل أو نُقتل. أردنا أن نعيش مثل الجميع... لم نغادر لنقاتل. لو كنا نريد القتال لبقينا وتحدّينا العالم. لكن معنا نساء وأطفال. ولانرغب في أن يأتي أحدهم ويغتصبهم. لا نريد أن نُشتم أو نُهان. السوريون هم أكثر شعب تعرَض إلى الذل في العالم".3

بعض اللاجئين المؤيّدين للنظام- وبعضهم انتقل إلى لبنان، تحديداً من دمشق واللاذقية، لأهداف اقتصادية- هم من القلة التي لم تغادر لأسباب أمنية. وأشار فادي، وهو لاجئ مؤيّد للنظام، [إلى دواعي المغادرة] قائلاً: "طُلبنا كلنا إلى الخدمة العسكرية في الجيش. وفي حين أن الجميع يرغب في خدمة النظام وبلده، إلا أن الظروف الاقتصادية [حالت دون ذلك]... فنحن [نحتاج فعلاً] إلى مساعدة عائلاتنا".4

ولأن الفرص الاقتصادية في لبنان والأردن كانت محدودة أصلاً، أشار معظم مؤيدي النظام إلى أنه من غير المنطقي الانتقال إليهما لأسباب اقتصادية. وبينما خسر لاجئون كثر كل ما يملكون في ديارهم، اضطر عديدون، مع مرور الوقت، إلى إنفاق كل الأصول والمدخرات التي حملوها معهم. واضطرّوا تحديداً إلى استئناف حياتهم في بلدان توفّر فرص عمل محدودة، هذا إذا توفّرت أي فرصة.

عبّر معظم اللاجئين عن إحباطهم من شبكات المساعدات في البلدين، وأعلن عدد قليل ممن صرّحوا بأنهم يتلقّون المساعدات، أنها لاتلبّي حاجاتهم. كما قال عدد كبير منهم إن معايير الأمم المتحدة لتوزيع المساعدات مبهمة؛ وروى كثيرون منهم قصصاً عن تجاوز المساعدات لهم، وذهابها إلى جيران أو معارف أحوالهم الاقتصادية أفضل منهم.

اختيار بلد مضيف

حدّد عدد من العوامل اختيار اللاجئين السوريين البلد المُضيف: القرب الجغرافي بشكلٍ أساسي؛ وألفة سابقة بالبلد؛ وأواصر عائلية، عشائرية، أو اجتماعية؛ وألفة ثقافية أو سياسية؛ وعمل سابق أو راهن في البلد.

وقد اختار بعض اللاجئين، خصوصاً المؤيدين لنظام الأسد، الانتقال إلى لبنان بسبب توجّهاته السياسية، إذ رأوا أن المشهد السياسي في تركيا والأردن معادٍ لهم، وأن وجود حزب الله في لبنان وقربه الجغرافي من مناطق يُمسك النظام بمقاليدها، يجعل هذا الخيار أضمن. وعلى خلافهم، رأى اللاجئون المعارضون للأسد أن وجود حزب الله مُقلق كثيراً، لذا اختاروا الفرار إلى الأردن. ويقر معظم اللاجئين بأنهم نادمون على خيارهم، وخصوصاً أولئك الذين قصدوا لبنان. فظروف عيش عائلاتهم هناك مرهقة ولا آفاق مستقبلية أمامهم.

في بادئ الأمر، لم يرغب الكثير من اللاجئين في مغادرة سورية. وكان نحو نصف المشاركين في حلقات النقاش قد نزحوا داخل البلاد أكثر من مرة قبل عبور الحدود، إذ فرّ كثر منهم بدايةً إلى مناطق قريبة أكثر أمناً لتفادي القتال. ولكن غياب الأمن تفشّى أكثر، وألقى بظلاله على عائلاتهم، فاتخذ كثر القرار العسير بالانتقال إلى لبنان أو الأردن. ويلاحَظ أن التحديات في رصد حركة الأفراد والعائلات تحول دون إمكانية تحديد العدد الدقيق للنازحين داخل سورية، والذين أصبحوا لاحقاً لاجئين.5 ويبدو جلياً أن معظم اللاجئين حسِبوا حين غادروا أنهم سيبقون في البلد المضيف أشهراً قليلة فقط. وهذا ما أشار إليه مالك، من إدلب، قائلاً: "أول ما وصلتُ [إلى لبنان] اعتقدتُ أنني سأبقى من 4 إلى 5 أشهر فقط، وأن الأمور ستتحسّن بعدئذ، وأنني سأعود لمتابعة تعليمي. ولكن الأمور لم تجرِ على هذا المنوال وبقيتُ هنا.6

ومنذ العام 2015، أتى معظم اللاجئين السوريين في لبنان من محافظات حلب (21 في المئة)، وحمص (21 في المئة)، وريف دمشق (14 في المئة)، وإدلب (13 في المئة) (انظر الشكل 1). وبدءاً من العام 2016، أتى معظم اللاجئين في الأردن من محافظات درعا (43 في المئة)، وحمص (16 في المئة)، وريف دمشق (12 في المئة)، وحلب (10 في المئة). والسبب أن حلب وحمص وإدلب وريف دمشق هي من أكثر المناطق التي دمرتها الحرب. والرحيل الجماعي كان شاقّاً للغاية، مع سعي الأفراد والعائلات إلى الفرار من القصف الجوي أو الاعتقال التعسفي أو اعمال اقتل المُرتكبة على أساس طائفي.

المواقف من إعادة التوطين خارج المنطقة العربية

مواقف اللاجئين من إعادة توطينهم في دول غير عربية متنوعة ومتبانية، ويُحتمل أن تتغير. وقد أعلنت غالبية المشاركين في حلقات النقاش في لبنان والأردن عن رغبة عارمة في العودة إلى سورية، وعبّرت عن دواعي قلق كثيرة من إعادة التوطّن في أوروبا. غير أن كثيرين منهم، خصوصاً النساء والمسنّين، أبدوا قلقاً مفهوم الدوافع من الأوضاع في سورية. قال واحد من كل ثمانية مشاركين إنه لا يرغب أبداً في العودة؛ ومعظم هؤلاء هم من الشباب الذين عانوا من صدمات كبيرة. ويقولون إنه لم يبقَ الكثير للعودة إليه- لذا، بالنسبة إليهم، التوطّن في أوروبا هو ربما الخيار الوحيد المُتاح أمامهم لضمان مستقبلهم.

في البداية، رفضت غالبية المشاركين في حلقات النقاش فكرة إعادة التوطين رفضاً صريحاً، في حين سارعت أقلية فوراً إلى قبوله من غير تحفّظ، كما لو أنها ترى ألا مستقبل أمامها في سورية. وكثيرون ممن رفضوا في البداية الفكرة، اعتبروا أن اللجوء إلى لبنان والأردن يُفسح أمامهم خيار العودة إلى موطنهم في حال سنحت لهم الفرصة. وكان آخرون ببساطة غير مستعدّين لبدء حياة جديدة، واكتساب لغة جديدة والتكيّف مع ثقافة مختلفة. كانوا قلقين من "الموت في أرض غريبة"، على حد قول أحد المشاركين.

وتشعر الأمهات، على وجه التحديد، بالقلق من الاختلافات الثقافية، إذ أبدين خشيتهن من "خسارة أولادهن" في بلدان أوروبية قيمها الأخلاقية مختلفة. قالت سعاد من دمشق: "تنقصني الشجاعة للذهاب إلى أوروبا. فنحن واجهنا صعوبات في التكيّف حتى في لبنان، فمن أين لنا التأقلم في مكان آخر؟"7 غير أن اللاجئين صاروا، مع الوقت، أقل ممانعة لفكرة إعادة التوطين، تحديداً بسبب انسداد الأفق السياسي والافتقار إلى الأمن في سورية، وتدهور الظروف في الدول المضيفة. قال ناصر من ريف دمشق: "الأردن بلد مسلم، وهذا جزئياً سبب ذهابنا إليه. فالعادات الثقافية والقيم فيه مماثلة لعاداتنا وقيمنا، وثمة ألفة اجتماعية هناك. ولكن اليوم نرغب في الرحيل، وإعادة التوطن في بلد آخر، سواء في أوروبا أو في بلد عربي آخر، بحثاً عن فرص عمل... وتعليم الأولاد وتأمين مستقبل أطفالنا".8

وأبدى اللاجئون في لبنان تحفظات أقل من نظرائهم في الأردن إزاء إعادة التوطين. وفي وقت لاتزال غالبية اللاجئين في كلا البلدين تأمل في العودة إلى سورية، كانت الرؤى حول مدة عملية إعادة التوطين متغيّرة بحسب أوضاع الأفراد والعائلات. ويرى بعضهم، وخصوصاً من هم في منتصف العمر، أن الإقامة في أوروبا ستكون مؤقتة، وتمنحهم الأمن والسلامة، والوعد بمستوى عيش لائق، وفرص تعليمية لأولادهم- على الأقل ريثما تستقرّ الأمور بشكل كافٍ في سورية. وإلا، فلا خيار أمامهم سوى البقاء في الدول المضيفة، نظراً إلى المخاطر التي سيواجهونها في حال عادوا إلى سورية.

ولاحظ معظم المشاركين كذلك أن مدة إعادة التوطين هي رهن حدوث انتقال سياسي في سورية. وأحْسَنَ راشد، وهو لاجئ شاب من ريف دمشق، تلخيص هذا الموقف حين قال: "بدأت أفكّر [في المغادرة]. فعودتي مستحيلة إلى سورية ما دام بشار الأسد في السلطة. وإذا سنحت الفرصة لأيٍّ كان بالسفر إلى أوروبا، فلن يرفضها".9

آراء حول التوقيت

يخشى لاجئون كثيرون من العودة المبكّرة، قبل التوصّل إلى حل شامل للنزاع في البلاد. قد يكون وراء هذا الخوف الوضع الأمني في سورية المبهم أو السياسات المقيّدة في البلدان المضيفة، خصوصاً في الأردن حيث يُحظّر على اللاجئين الذين يسافرون إلى سورية، دخوله مجدداً.

وفي لبنان، سمح غياب ضبط الحدود لعدد محدود من اللاجئين بالعودة إلى سورية لتلقّي العناية الطبية أو تفقّد عائلاتهم أو ملكياتهم. وبحسب مشاركين في حلقات النقاش، عاد عدد قليل ممن هم في منتصف العمر أو متقدّمين في السن، دورياً إلى سورية لعلاج أمراض مُزمنة- وهو علاج لا طاقة لهم بكلفته في لبنان. ويشعر لاجئون آخرون، وخصوصاً من الشباب، بضغط يحملهم على العودة بسبب المهانة المنهجية التي يواجهونها في لبنان. ولكن عدداً من اللاجئين يروي قصص شباب عادوا يائسين إلى سورية ليلقوا مصرعهم بسبب التجنيد الإلزامي أو النزاع في مناطقهم. عبّرت عائشة، من حمص، باقتضاب عن هذا الواقع متساءلةً: "هل يسير أحدهم بقدميه إلى الموت؟"10

على خلاف الحال في لبنان، يحظّر الإطار القانوني الحكومي في الأردن على اللاجئين العودة إلى أراضيه إذا غادروا البلد.11 ففي العام 2015، وبحسب أصدقاء وأقارب المعنيين بمثل هذا الأمر، ندم اللاجئون الذين دُفعوا للعودة إلى درعا، بعد وقوعها في قبضة المعارضة، بسبب ظروف معيشية قاهرة وفي ظل شحّ المساعدات الإنسانية، على قرارهم هذا.12 فقد قالت أم محمد، من درعا: "ما إن التحقت عائلة ابني به في درعا، حتى اندلعت أعمال القتال واضطروا إلى الانتقال إلى بلدة قريبة. واليوم، ندم على عودته، فهو عاطل عن العمل ويعتمد على الأموال التي يرسلها إليه أنسباؤه في الأردن ليبقى على قيد الحياة".13 وفعلاً، حين سيطر النظام من جديد على درعا، أُجبرت عائلة ابنها على الرحيل مجدداً، لكنها عجزت عن العودة إلى الأردن.14

كما يروي اللاجئون في الأردن، مثل نظرائهم في لبنان، قصصاً عن أقارب أو معارف عادوا إلى سورية، فأجبروا على الالتحاق بالجيش وماتوا في ميدان المعركة. وأشار آخرون، خصوصاً من اللاجئين في لبنان، إلى أن السلطات السورية تمنعهم من العودة إلى مناطقهم الأصلية.

يبدو من الواضح في هذه الأمثلة أن اللاجئين يلتزمون حذراً بالغاً إزاء العودة إلى سورية، قبل إرساء اتفاق شامل يُحسّن ظروف هذه العودة. وتتعارض مسوّغات تردّدهم مع من يقول في لبنان والأردن إن العودة إلى سورية ممكنة اليوم. العودة الآن قد يترتّب عليها نتائج سلبية يتكبّدها اللاجئون، لا بل قد تكون قاتلة. غير أن العودة إلى سورية قد لا تعني بالضرورة عودة المرء إلى مسقط رأسه. فالحكومة قد تمنعهم من العودة.

ما تقتضيه عودة اللاجئين

على الرغم من رغبتهم العارمة في العودة، لا يرجّح أن يعود اللاجئون طوعاً في المستقبل القريب، حتى لو أُعلن عن وقف القتال. وقد عدّد المشاركون في حلقات النقاش، سلسلةً من الهواجس التي تشغلهم، منها ضمان سلامتهم وأمنهم، وانتقال سياسي مستدام، والرجوع إلى مسقط الرأس، وإرساء آلية قضائية تحاسب مرتكبي جرائم الحرب، وتوفّر الفرص الاقتصادية.
في كلٍّ من لبنان والأردن، يشكّ معظم اللاجئين في عودة الاستقرار والنظام إلى سورية في القريب العاجل. وحتى المشاركين في حلقات النقاش المؤيّدين للنظام تفاوتت آراؤهم حيال مستقبل البلاد. بعضهم كان على ثقة في أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح مع استعادة النظام السيطرة على مناطق البلاد. لكن آخرين كانوا على يقين بأن الأوضاع في سورية ستبقى غير مستقرة لفترة أطول. وأعربت فرح، من ريف دمشق، عن توقعاتها قائلةً: "في المرحلة المقبلة، لن يكون لدينا حكومة، بل حرب وأمراء حرب، وفوضى النزاع".15

أجمع معظم اللاجئين كذلك على أن العودة مستحيلة في الظروف الراهنة. لكنهم يشعرون، في الوقت نفسه، بأنهم لايملكون مكاناً يعتبرونه موطنهم. ويشعر اللاجئون بالذعر إزاء ما قد يخبِّئه المستقبل لهم ولأولادهم. فقد خسر كثيرون منهم ماكانوا يملكون، وباتوا يعيشون في ظروف بائسة، ويعانون من تراكم الديون الشخصية وتقلّص شبكات الأمان مع خفض منظمات الأمم المتحدة دعمها للاجئين السوريين في الدول المضيفة.16 يُضاف إلى ذلك أن أولادهم لا يحصلون على التعليم الذين يحتاجون إليه لتأمين مستقبل منتج ومجزٍ. في الواقع، يبدو أن اللاجئين يراوحون مكانهم، فهم عاجزون عن بناء حياة ذات معنى في المنفى، كما أنهم غير قادرين على العودة إلى ديارهم.

السلامة والأمن أولاً

قال معظم المشاركين في حلقات النقاش إن الشرط المسبق للعودة هو السلامة والأمن، تليهما عملية انتقال سياسي مستدامة، وتوفّر سبل العيش، وإمكانية الوصول إلى مناطقهم الأصلية والحصول على الخدمات. ويرى معظم اللاجئين أن هذه الشروط وثيقة الارتباط، وأن إرساء الأمن والسلامة متعذّر من دون تغيير سياسي أو حكومة مختلفة في سورية (انظر الشكل 2).

قال بلال، وهو لاجئ شاب من ريف دمشق: "كلنا نبحث عن عيش آمن. نحن نعيش حياة بلا كرامة في لبنان، لكن هذا هو واقع الأمور. العيش هنا أكثر أماناً من سورية للحفاظ على حياة أطفالنا وإخوتنا. سنعود إلى سورية إذا سقط النظام وعمّ الأمان، أي إذا توقّف القتل والقصف".17 لكن ماهية السلامة والأمن ليست واحدة في أوساط اللاجئين، وهي تُعرّف استناداً إلى الانتماءات السياسية ونوع الجندر.

بالنسبة إلى غالبية اللاجئين، تشمل استعادة السلامة والأمن وقف القصف الجوي والحصار، وحل المجموعات المسلحة والحواجز العشوائية، وتجريد الميليشيات من السلاح، ووقف الاعتقالات التعسفية. وأبدى معظم اللاجئين استياءهم من عسكرة المجتمع وكثرة الفصائل المسلحة، وهم يعتقدون أن السلطات الشرعية وحدها من يحق له اللجوء إلى العنف، تحت سلطة القانون. لكن تعريف اللاجئين المؤيّدين للنظام ومعارضيه لهذه السلطات كان متبايناً. فاللاجئون من مؤيّدي النظام يساندون احتفاظ الحكومة الحالية بالسيطرة على الأجهزة الأمنية، بينما يعتقد اللاجئون من معارضيه أن الأمور تقتضي إصلاح هذه الأجهزة من خلال عملية انتقال سياسي تحمل إلى سُدة الحكم رئيساً آخر.

يرى معظم معارضي النظام أن اللاعبين المحليين من كل أطياف النزاع عاجزون عن ضمان أمنهم. ويحسِب مؤيّدو النظام ومعارضوه، على حد سواء، أن اللاعبين الدوليين وحدهم قادرون على توفير ضمانات فعلية، على الرغم من أن المشاركين في حلقات النقاش من مؤيّدي النظام، وللمفارقة، قالوا إنهم يثقون في نظام الأسد وأبدوا سخطهم من الوجود الأجنبي في سورية. ويعتقد العديد من معارضي النظام، وعلى رغم انتقادهم لروسيا والولايات المتحدة على المستوى السياسي، أن البلدين يملكان قدراً كافياً من النفوذ على مختلف اللاعبين المحليين لفرض الأمن وتلبية شروطهم للعودة.

مال اللاجئون من معارضي النظام إلى تأييد الاستعانة بقوة دولية، مثل قوات حفظ السلام في الأمم المتحدة، لضمان أمنهم، وكانوا منفتحين على العودة في مثل هذه الظروف. وبدورهم، أيّد اللاجئون من مؤيّدي النظام دور قوات حفظ السلام، لكن بشرط أن تساعد الحكومة السورية الحالية على إرساء النظام واستعادة السيطرة على الأرض. وبالنسبة إلى اللاجئين المعارضين للنظام، تشمل شروط سلامتهم وقواعد استقرار البلاد إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين وانسحاب القوات الأجنبية والميليشيات. والشرط الأخير هو انعكاس لسردية منتشرة في أوساط اللاجئين، مفادها أن النزاع السوري صار حرباً بالوكالة بين جهات غير سورية.

كانت مسألة بقاء الأسد في السلطة عاملاً من عوامل النقاش حول الأمن والسلامة في سورية. وربط كثير من اللاجئين، خصوصاً في الأردن، تحسّن الأوضاع في سورية برحيله، قائلين إن وجوده يُشعرهم بعدم الأمان ويحول دون عودتهم. غير أن قلّة من اللاجئين، وفي الدرجة الأولى الشباب من الذكور والإناث الأكبر سناً، أشارت إلى أن رئيساً سنّياً وحده يُشعرهم بالأمان. وخالف لاجئون آخرون في مجموعة النقاش نفسها هذا الرأي، قائلين إن أداء الرئيس السياسي، وليس مذهبه، هو المعيار الأهم.

من الجدير بالذكر هنا أن عتبة الأمن والأمان كشرطٍ للعودة تبدو أعلى في أوساط اللاجئين مما هي بين النازحين داخلياً، ويرجّح أن ذلك يعود إلى أن اللاجئين سبق لهم أن بدأوا رحلة المشقّات خارج البلاد. وأشارت منظمة الهجرة الدولية إلى أن أكثر من 710 آلاف نازح داخلي عادوا، بين كانون الثاني/يناير وتشرين الأول/أوكتوبر 2017، إلى المناطق التي يتحدّرون منها، فيما اقتصر عدد اللاجئين العائدين على 30 ألفاً.18 لكن العوامل المستخدمة في تحديد العودة غير واضحة، وهذا يحمل على التساؤل حول دقة هذه البيانات. بعض اللاجئين عاد إلى سورية ضمن اتفاقات أُبرمت محليّاً في لبنان- ولكنهم عادوا إلى مناطق غير التي تحدّروا منها.19 وعاد آخرون أعقابهم إلى سورية، إما طوعاً أو قسراً، من الأردن وتركيا. وبصرف النظر عن مسائل التعريف ودقته، تبدو عودة اللاجئين الجماعية في الظروف الأمنية الحالية المبهمة، مُستبعدة.

انتقال سياسي

تبدو العودة الجماعية للاجئين أقل احتمالاً عند احتساب العوامل السياسية. فقد أشار معظم المشاركين في حلقات النقاش إلى أنهم لن يعودوا ما لم تكن الظروف السياسية مؤاتية، حتى لو توفرت فرص العمل والخدمات والسكن. وتحديداً، حين سُئلوا إذا ما كانوا سيعودون في ظروف سياسية مناسبة ولو لم تتوفّر لهم الفرص الاقتصادية أو السكن، أجاب معظمهم بالإيجاب. وأعلنت خلود من ريف دمشق: "إذا عُزل بشار الأسد وعمّ الأمن في سورية، فحتى إذا لم يتوفّر طعام أو شراب، سنؤمّن الطحين ونصنعه بأيدينا".20

قال معظم المشاركين إن تغيير شكل الحكم يتصدّر أولوياتهم، ويليه في سلم الأولويات، تأمين السكن وتوفير الخدمات الحكومية بالنسبة إلى المشاركين الذين هم فوق سنّ الخامسة والعشرين؛ وتوفير سبل العيش بحسب المشاركين الذين هم ما دون الخامسة والعشرين. وأشار كذلك عدد كبير من اللاجئين إلى أن منازلهم دُمّرت، لكنهم رغم ذلك سيعودون إلى سورية إذا ماسمحت الظروف الأمنية والسياسية وتوفّرت فرص العمل. وهم أصرّوا على أنهم سينصبون خيمة وسط أنقاض منازلهم ويعيدون إعمارها.

وحين سُئلوا عما إذا كان وجود الأسد يؤثّر في استعدادهم للعودة، شدّد مرة أخرى المشاركون المؤيّدون للنظام أنهم لن يعودوا إذا عُزل الأسد من السلطة. وعلى خلافهم، أكّد معظم اللاجئين المناوئين للنظام أنهم لن يعودوا إلا إذا عُزل الأسد. قال طارق، وهو لاجئ شاب من حمص: "كنتُ أعمل متعهّد دفن في سورية. كان عملي هو دفن الشهداء. وحين رأيتُ ما فعلوه بهم، وكيف قاموا بتقطيعهم بالسكاكين، لم يعد هناك مجال، تبدّدت الثقة. وحتى لو وفّروا كل ما نحتاجه، لا ثقة بهم. 21 وأشار قلّة من اللاجئين المناوئين للنظام إلى أنهم رضخوا لاحتمال بقاء الأسد وأنهم سيعودون إذا ما أُرسي الأمن وتوفّرت الوظائف، ذلك أنهم لا يريدون البقاء في المنفى إلى ما لا نهاية. وقال مناوئون آخرون للنظام إنهم إذا أُجبِروا قسراً على العودة في ظل النظام الحالي، سيسعون إلى معارضته، ولن يسمحوا للأسد بالاستيلاء على البلد.

التركيز على النساء والشباب

في وقت ساهمت ظروف العيش البائسة في الدول المضيفة في قولبة المواقف من العودة، يتردّد لاجئون كثيرون في العودة إلى ديارهم. فواقع الحال أن خوفهم من تبعات العودة يفوق التحديات التي يجبهونها في الدول المضيفة. على سبيل المثل، يشعر اللاجئون بالقلق من إجبارهم على المشاركة في لُجج النزاع، ويخشون على سلامة عائلاتهم وأمنها. والشباب تحديداً قلقون من التجنيد الإلزامي، ويُبدون حماسة أكبر لإعادة توطينهم في بلد ثالث، آملين بناء مستقبل أفضل لأنفسهم. والنساء، على رغم أنهن أقل حماسة إزاء إعادة التوطين، إلا أنهن كذلك لايرغبن في العودة مع أطفالهن إلا إذا حصلن على ضمانات أمنية وازنة.

أخذت اللاجئات الإناث مواقف أكثر تشدّداً من الذكور إزاء مسألة العودة، وكانت شروطهن أكبر. فأكثر من ثلثي الإناث المشاركات في حلقات النقاش لم يَحسمْن أمرهن أو تردَّدْن حيال مسألة إعادة التوطين في بلد آخر، على رغم أنهن يرَيْن أنها أهون الشرّين، فيما ثلث الإناث فقط يسعَيْن إلى العودة إلى سورية. وعلى خلافهن، كان أكثر من نصف المشاركين الذكور يتوق إلى العودة إلى سورية، في حين أن بعضهم الآخر كان متردّداً أو سعى إلى إعادة التوطين في بلد آخر. ولم ترغب إلا أقلية صغيرة من اللاجئين، الذكور والإناث، في البقاء في البلد المضيف.

ثمة اعتبارات عدة وراء المواقف المتشدّدة بين الإناث حيال مسألة العودة إلى سورية. فالأمهات أو الجدّات غير مستعدّات للمغامرة بنقل أطفالهن وعائلاتهن إلى أمكنة ملتبسة الأحوال تتعذّر فيها، بقدر ما يعنيهن الأمر، السلامة والأمن في ظل النظام الحالي.

إضافةً إلى تحسّن الظروف الأمنية والسياسية، تطلب النساء كذلك توفّر الخدمات الأساسية، وتحديداً التعليم والرعاية الصحية، ودعم الإسكان. وترى اللاجئات أن الانتقال السياسي والوصول إلى الخدمات الأساسية مترابطان، غير أن أولويتهن هي للانتقال السياسي. فخيار العودة بعائلاتهن إلى منطقة نزاع في ظل النظام الحالي، يعرّضها إلى الخطر. وأعربت معظم الإناث في مجموعات المشاركين عن الحاجة إلى آلية عدالة انتقالية تشمل تحديداً إطلاق سراح المعتقلين، وإعادة الملكية لأصحابها، وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، ونزع سلاح المجموعات المسلّحة.

وترتفع الرغبة في العودة مع تقدّم اللاجئين في السن. فثلث المشاركين في حلقات النقاش ممن هم ما دون الخامسة والعشرين، يتوق إلى العودة، وأكثر من نصفهم متردّد أو يستسيغ إعادة التوطين في مكان آخر. ولم يسعَ سوى عدد ضئيل منهم إلى البقاء في الأردن أو لبنان. وعلى خلافهم، يتوق أكثر من نصف من هم فوق الأربعين من العمر إلى العودة إلى سورية.

كانت مشاعر الاستكانة واليأس والعجز حادّة في أوساط الشباب أكثر مما هي في أوساط الأكبر سنّاً. وهذا يعود، جزئياً، إلى محدودية الفرص المُتاحة أمامهم لبناء مستقبلهم في الدول المضيفة. ويرغب بعضهم في العودة إلى سورية، لكنه يخشى أن يعتقله النظام بتهمة الفرار من التجنيد الإلزامي، قبل إرساله إلى حتفه على الجبهة. وفيما يأمل الجزء الأكبر منهم في إعادة التوطّن في أوروبا، بسبب اليأس وضيق الآفاق في البلدان المضيفة، وصعوبة السفر إلى الخارج، تفكّر قلّة صغيرة في العودة إلى سورية، عوض مواصلة العيش في المهانة والذل، حتى لو واجهت خطر الموت. في غضون ذلك، قَنَعَت حفنة منهم بالتكيّف مع الوضع الراهن. وفي هذه المجموعة، أشار كثيرون إلى انهم يستسيغون العودة إلى سورية وإيجاد طريقة لمعارضة نظام الأسد من الداخل، من دون حمل السلاح، والمساهمة في نهاية المطاف في إعادة إعمار بلدهم.

حمل الخوف من التجنيد الإلزامي معظم الشباب المشاركين في حلقات النقاش- المؤيّدين للنظام ومعارضيه على حد سواء- على البقاء خارج سورية.22 ومخاوف اللاجئين المعارضين للنظام كانت تنطوي أيضاً على أبعاد طائفية. وثمة لازمة تتكرّر في سرديات الشباب الذكور المعارضين للنظام مفادها أن المجنّدين السنّة يُرسلون إلى الموت على الجبهات الأمامية، في حين يبقى العلويون من طائفة الرئيس السوري، وهي من الأقليات، بعيداً عن الجبهات. وقال أحمد من حلب: "بسبب الحرب، يضعونني، أنا السنّي، على الجبهة، ويتركون العلويين خلفي. لماذا يرسلونني إلى الجبهة؟ من سأقاتل؟ ولماذا يختبئ العلويون ورائي؟ ولماذا عليّ أنا الموت، وليس العلويين؟23

تفاقم قوانين التجنيد في الخدمة العسكرية الإلزامية الصادرة مؤخراً المصاعب المُحدقة بآفاق عودة الشباب إلى بلدهم.24 ويلغي المرسوم التشريعي الرقم 24/2017 صلاحية قيادة الجيش العامة في منح إعفاءات من الخدمة العسكرية، ويُطلب من الذكور في سن بين الثامنة عشر والثانية والأربعين الذين لا يلتحقون بالجيش، دفع غرامة قدرها 8 آلاف دولار خلال ثلاثة أشهر من بلوغ سن التجنيد. وإذا لم يلتحقوا بعد ذلك، يسُجنون لمدة عام، ويُغرّمون 200 دولار سنوياً، بدءاً من تاريخ التجنيد، وحد الغرامة الأقصى هو 2000 دولار. ويواجه من لايلتحق بالخدمة العسكرية الإلزامية خطر مصادرة أمواله المنقولة أو غير المنقولة، إلى حين تسديد المبلغ كاملاً.

قال غازي، وهو شاب سوري مقيم في طرابلس، ساخراً: "المشكلة هي أن الذهاب إلى سورية مُمكن، فطرق كثيرة تقود إليها. لكن ما العمل حين تصل إلى سورية؟ إما تلتحق بالجيش أو تحتاج إلى حوالى 3 إلى 4 مليارات دولار".25

المُلفت أن المواقف السلبية من الخدمة العسكرية الإلزامية لم تتحول إلى رفضٍ للجيش، بل على خلاف ذلك، أبدى عدد كبير من اللاجئين الشباب احترامهم للجيش كمؤسسة حكومية مهمة، وهم يرَوْن أن خدمة وطنهم واجب، لكنهم يعارضون خدمة النظام وقتل مواطنيهم. ويُظهر رد الفعل هذا شعوراً عميقاً بالوطنية في أوساط السوريين، وقد أعلن المشاركون في حلقات النقاش مراراً وتكراراً: "من المهم خدمة الوطن، لكنني لم أشأ قتل إخوتي أو خدمة النظام".

العودة إلى مسقط الرأس

حدّدت المناطق التي يتحدّر منها اللاجئون مواقفهم من العودة. فالأفراد المتحدّرون من مناطق اندلعت فيها الثورة ومناطق صارت بعد ذلك معاقل للثوار، كانوا أكثر المتردّدين، وحتى المذعورين، من العودة إلى سورية. فعلى سبيل المثال، كان اللاجئون من حمص وحلب الأقل اهتماماً بالعودة والأكثر رغبة في السعي إلى اللجوء في مكان آخر. وعلى خلافهم، كان اللاجئون المتحدّرون من نواحٍ في ريف دمشق لم تشهد الحصار والقصف الجوي، أكثر رغبة في العودة.

بالنسبة إلى السواد الأعظم من المشاركين في حلقات النقاش، كانت العودة إلى سورية صنو العودة إلى منازلهم ومسقط رأسهم، لكنهم كانوا يخشون مما سيجدونه حينها. وأبدى كثيرون قلقهم من احتمال ألّا يتعرّفوا على أحيائهم، إما بسبب الدمار الكاسح أو لأن جيرانهم السابقين غادروا أو حتى هاجروا.

كذلك، يعتقد لاجئون كثر من حلب وحمص والزبداني، أنه لن يُسمح لهم بالعودة إلى أحيائهم. ولا يملك اللاجئون معلومات موثوقة حول المراسيم الحكومية الأخيرة، خصوصاً تلك المتعلقة بالإسكان والأرض وحقوق الملكية. وهذا يعني أن كثيرين يعتمدون في معلوماتهم على شبكات غير رسمية وعلى الأحاديث الشفوية، ما يولِّد قلقاً عارماً في أوساط جماعات اللاجئين. وأوجز طلال البرازي، محافظ حمص، بعض إجراءات التدقيق التي اعتمدها النظام والتي يُرجّح أن تجعل العودة بالغة العسر. ففي سبيل استعادة منازلهم، على العائدين تقديم وثائق قانونية تثبت محل ولادتهم وملكية عقارهم. وعليهم الخضوع إلى تحقيق أمني على يد الشرطة المحلية لتحديد ما إذا كان ثمة اتهامات أمنية أو جنائية صادرة في حقهم.26 وتنص قوانين ناظمة صادرة مؤخراً على أن على اللاجئين الراغبين في استعادة ملكيتهم المطالبة بها شخصياً. وفي مثل هذه الظروف، يخشى كثيرٌ من اللاجئين الاعتقال، حتى لو لم يشاركوا في النزاع. ويخشى الرجال ما دون الثانية والأربعين، كذلك، تسجيلهم قسراً في الجيش. وأشار كثيرون إلى أنهم ببساطة لايملكون الوثائق القانونية المطلوبة.

مع أن طبيعة النزاع السوري سياسية في الغالب، إلا أن جوانبه الإثنية والطائفية في بعض المناطق، تفاقم مستويات تعقيده. ففي أعقاب النزاعات التي شهدتها البوسنة- الهرسك والعراق،27 بدا أن الأغلبيات الإثنية أو الطائفية هي أسرع من الأقليات في العودة إلى الوطن بعد مرحلة من النزوح. لكن هذه لن تكون الحال في سورية؛ فمعظم اللاجئين السوريين هم من المسلمين السنّة الذين يشكّلون الأغلبية في سورية، وهم يعارضون النظام. ومع الأسد في سُدة السلطة، ونظراً إلى انتشار الفوضى والدمار، تبدو آفاق عودة اللاجئين الطوعية بالغة الضآلة، كما أن عودة عدد كبير منهم مستبعدة نظراً إلى مساعي النظام المتواصلة لنقل السكان قسراً وإعادة توطينهم.28 فالنسيج الاجتماعي في العديد من المناطق يتغيّر رأساً على عقب بحيث يتعذّر التعرف إليه، وهذه حال يبدي إزاءها اللاجئون قلقهم العميق.

كذلك، تخشى أقليات سورية الدينية والإثنية، التي هي نظرياً تحت حماية النظام، العودة. فهي تشعر بالقلق من الدمار الذي نزل بسورية والذي لن يُصلَح أبداً. ولم تؤدِّ ثقتهم في النظام ورضاهم عن الانتصارات العسكرية إلى التفاؤل حيال مستقبل سورية. فكثيرون منهم يشكون في أن يتم إرساء النظام والاستقرار بعد انتهاء الأعمال العدائية. وفي هذا السياق، ومع ذواء احتمال عودة اللاجئين إلى مسقط رأسهم، ليس مفاجئاً أن يعتبروا إعادة التوطين الحل الوحيد الممكن لضمان أمنهم وسلامتهم.

الحصول على الملكية

يرغب اللاجئون في العودة إلى منازلهم وتلقي الدعم لإعادة بناء حواتهم. لكن، في ظل انتشار الدمار الواسع في مدن سورية وبلداتها، تعقّد أوضاع المنازل آفاق عودة معظم اللاجئين. وبحسب تقديرات البنك الدولي، أصاب دمار جزئي أو كلّي 30 في المئة من مساكن سورية، وخصوصاً في حلب، ودير الزور، وإدلب وتدمر.29

وأشار نصف المشاركين في حلقات النقاش في الأردن وثلثاهم في لبنان إلى أن منازلهم دُمِّرت جزئياً أو كلياً. وقال لاجئون آخرون إن منازلهم احتلها نازحون سوريون أو أطراف مرتبطة بالنظام، مثل الميليشيات الموالية لإيران، وأكثر المعنيين بهذه المسألة هم، خصوصاً، اللاجئون من درعا وحمص وريف دمشق والزبداني والسيدة زينب، حيث وقعت بعض المناطق في قبضة الدولة الإسلامية أو ميليشيات إيرانية الولاء.30 وشرح إبراهيم من ريف دمشق أسباب رحيله، قائلاً: "كانت الميليشيات هي السبب، الميليشيات الإيرانية... الميليشيات العراقية... وبدا أن ثمة خطة مدبّرة عمداً لإجبار الناس على المغادرة".31

في هذا السياق، عبّر الناس عن قلقهم حيال السكن والأراضي وحقوق الملكية. قُبيل النزاع، كان شطر راجح من الملكية في سورية عشوائياً وغير موّثق: كانت الملكيات تُشيَّد من دون رخص مناسبة أو على أراض مشاع عامة، وتنتصب كعشوائيات سكنية. وقد دُمّر جزء كبير من هذه الممتلكات في سنوات القتال.32 وقالت لميا من ريف دمشق: "بلغني أن الجيش يحتل فوراً أي منزل صاحبه غائب، حتى لو كان ثمة مستأجر يقيم فيه... يصادرون عقد الإيجار، ويطردون المستأجر، ويأخذون البيت".33

لقد غادر نحو نصف المشاركين في حلقات النقاش سورية من دون سندات ملكية أو وثائق قانونية تثبت ملكيتهم (انظر الشكل 3). ولا يملك حوالى نصف مَن دُمِّرت منازلهم أي نوع من الوثائق، ما يجعل من استعادتها عمليةً بالغة الصعوبة.

وتشير تقارير متنوّعة من سورية إلى أن النظام استند إلى سجلات الأراضي لتحديد الدوائر السكنية والمناطق المتحالفة مع المعارضة، ثم شنّ حملات عسكرية لاستهدافها تحديداً، والاقتصاص جماعياً من سكانها المدنيين وإحباطهم، لدفعهم إلى الانقلاب على المعارضة.34

كذلك، يشير عدد كبير من التقارير الصادرة في العام 2016 إلى أن النظام يُدمّر السجلات العقارية لمحو إثباتات الملكية،35 ويزوِّر سجلات ملكية جديدة لصالح سكان موالين له.36 ولاحظ تقرير يتناول الوضع في حمص أن "في تموز 2013، دمّر حريق مكتب السجلات العقارية الذي احتوى وثائق الملكية الرسمية. ويرى بعضهم أن هذا الحريق مفتعل، فهو المبنى الوحيد الذي اشتعلت به النيران في أكثر أجزاء المدينة أمناً".37

ويرغب معظم المشاركين في حلقات النقاش في العودة إلى مناطقهم الأصلية، حتى لو كانت منازلهم قد اندثرت، وحتى لو كانت الظروف أفضل في أنحاء أخرى من سورية. فبعض اللاجئين يريد ببساطة طيَّ صفحة النزوح. أعلنت فريدة من حمص :"تعبنا من وصمة اللاجئ"،38 كما أكّد كثيرون أنهم سيعيدون بناء منازلهم بأيديهم، إذا كانت الظروف السياسية والأمنية مناسبة، بغض النظر عن وجود فرص العمل والخدمات. غير أن العديد من اللاجئين ذكروا حاجتهم إلى دعم مالي لإعادة بناء ملكياتهم. وكانت المشاركات أكثر إصراراً على هذه المسألة، إذ يعتقدن أن من واجب الحكومة إعادة الإعمار. وأعلنت قلة من المشاركين أن سورية كلها موطنها، وأنها ستقيم في أي ناحية من البلاد إذا كان ذلك هو الخيار الوحيد.

سورية التي يتوقون إليها

الطلب من اللاجئين وصف صورة سورية التي يرغبون، حيوي للتوصّل إلى فهم أفضل لما يحفزهم على العودة. وكان لمعظم المشاركين في حلقات النقاش رؤية واضحة لأي سورية يريدون، وساهمت في تحديد سماتها حاجاتهم إلى الأمن والأمان والعدالة، فضلاً عن تصوّراتهم حول المساعي الدولية المتواصلة لإنهاء النزاع السوري.

سورية حرة

وصفت غالبية واسعة من المشاركين، وكثيرون منهم يعارضون نظام الأسد، سورية المتوخاة على أنها تلك التي تلتزم قيم الحرية والمساواة والعدالة والحكم الديمقراطي، تحت راية حكم القانون. وشدّد كثيرون على الحاجة إلى المصالحة والوحدة الوطنية والتعايش، واعتبروا أوروبا نموذجاً لأنها تحترم حكم القانون والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان. قالت أسمهان، المقيمة في بيروت: "ما معنى الحرية؟ هي أن تكون موجوداً، أن تملك حقوقاً، لا أن تأتي زوجة ضابط، أو ابن ضابط، لأخذ كل ما تملك".39

إضافةً إلى الإصرار على المصالحة والتأكيد بقوة على أن السوريين قادرون على العمل والعيش معاً كما في السابق، لم يرغب المشاركون في حلقات النقاش بتحميل طائفة أو إثنية مسؤولية النزاع، وأوضحوا أن السوريين، إذا تُرك لهم القرار، قادرون على حل خلافاتهم.

لكن الرؤى حول مستقبل سورية يقيّدها جو من الإحباط السائد في أوساط اللاجئين. فقد كانت رؤى معظم المشاركين في حلقات النقاش متشائمة حول مستقبل سورية، ولم يكونوا على يقين من أن في الإمكان إعادة إرساء الاستقرار والنظام مجدّداً. وهم يعتقدون أن العنف في سورية قد يأخذ، على الأغلب، أشكالاً أخرى، ويخشون عسكرة المجتمع وهيمنة أمراء الحرب في أي تسوية يُكتَب لها أن تُبرم بعد النزاع. عبّر مؤيّدو النظام كذلك عن آراء متضاربة ومتفاوتة حيال مستقبل سورية. وفيما التزم بعضهم سردية النظام عن قرب إرساء الأمن والاستقرار، كان آخرون منهم أكثر تشكيكاً في المسألة وحاججوا بأن تحسّن الأحوال يتطلّب قسطاً من الوقت.

ينبع شعور اللاجئين بالإحباط من اعتقادهم العميق بأن المجتمع الدولي تخلّى عنهم، وبأن الأطراف الخارجية في النزاع السوري قادرة على فرض السلام والاستقرار، إذا ما شاءت ذلك، ناهيك عن أنهم فقدوا ثقتهم عموماً بمسارَي أستانة وجنيف. فقد قالت سميرة من ريف دمشق: "نسمع كثيراً من الكلام، ولكن في الواقع، لا نرى إلا القليل على الأرض".40 كذلك، معظم اللاجئين على قناعة بان عمليات السلام ترمي إلى ترجيح مصالح الأطراف المشاركة فيها، خصوصاً روسيا والولايات المتحدة وإيران، غير آبهةٍ بسورية أو بالسوريين.

سورية موحّدة جغرافياً

تناول المشاركون في حلقات النقاش مقاربات مختلفة لأشكال الحكم في سورية، تحديداً الفيديرالية، واللامركزية، وتقاسم السلطة، وغير أنهم أجمعوا على رفض أي مقاربة تؤدي إلى تفكّك سورية وتذرّرها رفضاً قاطعاً.

وحين طُلب من المشاركين التفكير في الفيديرالية، تفاوتت ردود فعلهم. ففيما حبّذت قلة من اللاجئين فكرة القدرة على حكم أنفسهم على مستوى الأقاليم، لفظت الأغلبية الفكرة فوراً، وأعربت عن اعتقادها بأن سورية الفيديرالية ستتفكّك إلى أجزاء عدة. فكرة اللاجئين عن الفيديرالية مُخطئة، وتردّدت في أقوال كثر منهم أصداء مشاعر ابتسام من ريف دمشق حين قالت: "لا نرغب في العودة إلى سورية نحتاج فيها إلى تأشيرة للعبور من منطقة إلى أخرى". وأضافت: "سينتهي بنا الأمر إلى ضرورة وجود جواز سفر للانتقال من حلب إلى حمص".41

بدا اللاجئون أكثر انفتاحاً على اللامركزية الإدارية. ومع أن غالبيتهم كانت تجهل ما يترتب عليها، بدت لهم فكرة التمثيل المباشر ونفوذهم على ممثّليهم المحليين جذّابة. قلة صغيرة فقط من المشاركين كانت مُطّلعة على المرسوم الحكومي الصادر في العام 2011 حول اللامركزية (المرسوم 107)،42 والذي يمنح صلاحيات سياسية ومالية أوسع، تشمل المشاريع التنموية المحلية، للمجالس المحلية المُنتخبة ومجالس المحافظات وحكامها.43 لكن أغلبية اللاجئين لم تكن تدرك ببساطة نتائجها ومعناها بالنسبة إليهم.

فيما أصرّت أغلبية المشاركين على أن الطائفية لم تكن موجودة قبل النزاع، أبدى مؤيّدو النظام ومعارضوه، على حد سواء، استعدادهم للقبول بتقاسم السلطة بناءً على الهوية الإثنية والدينية، ورأوا في مثل هذا التقاسم مسار عملي وواقعي يحل النزاع السوري ويحمي الأقليات. ويرى شطر راجح من أغلبية اللاجئين، وهم من المسلمين السنّة، أن طبيعة النزاع سياسية أكثر مما هي طائفية، حتى أن بعضهم أشار إلى دعم كثير من السنّة للنظام لحماية مصالحهم الاقتصادية. وعلى رغم أن أقلية من اللاجئين أعربت عن قلقها إزاء تراجع حصة السنّة في السلطة قياساً على حجمها السكاني، في ظل نظام لتقاسم السلطة على أساس طائفي أو إثني، أكّد الجميع على الحاجة إلى آلية حكم شاملة للجميع يشارك فيها كل السوريين، مهما كانت هوياتهم الإثنية والطائفية. وقد أعرب عدد قليل من اللاجئين عن قلقه جهاراً من أن يحكم علوي البلاد، وأن وجود رئيس سنّي في سدة السلطة من شأنه أن يُشعرهم بالأمان.

سورية شاملة للجميع

على رغم أن اللاجئين المؤيدين للنظام ومعارضيه أجمعوا، من جهة، على الحاجة إلى تقاسم شامل للجميع للسلطة، غاب، من جهة أخرى، الإجماع حول الخيارات السياسية في سورية أو حول الشكل المُحتمل للحكم. ففيما يستسيغ اللاجئون المعارضون للنظام تشكيل حكومة وحدة وطنية، على رغم شكوكهم في قدرتها على إرساء الاستقرار في سورية، يرفض اللاجئون المؤيدون للنظام مثل هذه الحكومة رفضاً مطلقاً. فهم يطعنون في صدقية كل المجموعات المعارضة والبدائل المُحتملة عن نظام الأسد.

يقر اللاجئون المعارضون للنظام بأنه من غير المُحتمل حدوث تغيّر كامل في الحكم، بسبب تدعيم النظام قوته تدريجاً والدعم الروسي والإيراني له، وهم مستعدّون لأن يأخذوا في عين الاعتبار حكومة انتقالية تجمع شخصيات النظام ومعارضيه على حد سواء. لكن على خلافهم، يبدو اللاجئون المؤيّدون للنظام أقل استعداداً للتسوية والمساومة، في وقت يعتقدون أنهم يربحون الحرب ويعربون عن ازدرائهم لأعضاء المعارضة، ويصفونهم بالخونة. كما أنهم يرفضون احتمال الإشراف الدولي على النظام وعلى أي عملية سياسية مستقبلية. هذه الآراء تعكس مواقف النظام ومفادها أنه سيرفض أي تسوية سياسية تنقل كامل صلاحيات الرئيس بشار الأسد إلى حكومة انتقالية. وبرفضه هذا الاقتراح، وهو جزء من عملية السلام في جنيف، سيكون في مقدور النظام التملّص من الإشراف الدولي على وضع سورية في حقبة ما بعد النزاع.

وإذا نحينا هذه الخلافات جانباً، سنرى أن مؤيّدي النظام ومناوئيه يُجمِعون على معارضة الاقتراحات لتجميد خطوط الحبهات بين الفصائل. فهم يخشون من أن يؤدي إرساء مناطق خفض التصعيد إلى تقسيم سورية. وقد قال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، إن هذه المناطق- التي اقتُرحت خلال مفاوضات السلام في أستانة- قد تؤدي إلى "تقسيم ناعم" لسورية.44 كذلك، لفظ اللاجئون كلهم فكرة إنشاء "مناطق آمنة" لهم داخل سورية، إذ نبّه عدد كبير منهم إلى أن مثل هذه المناطق قد تكون آمنة اليوم، لكنها لن تبقى على هذا المنوال غداً.

سورية أكثر تمثيلاً

بدا أن معظم اللاجئين السوريين متأكدون بأن وسطاء غير سوريين هم وحدهم القادرين على إنهاء النزاع، وبأن لا كلمة وازنة للسوريين في هذه العملية. غير أنهم فقدوا الثقة في عملية السلام السياسية الدائرة اليوم، وفي اللاعبين الحاليين الضالعين في النزاع، المحليون والدوليون على حد سواء، ومنهم روسيا وإيران والولايات المتحدة وتركيا والسعودية، ودول خليجية أخرى. وهم يزعمون أن اللاعبين الدوليين كلهم يضحّون بسورية ومواطنيها لتحقيق أهدافهم الخاصة. وعبّر اللاجئون المؤيدون للنظام والمعارضون له عن شعورهم بالتعب والقرف من السياسة والسياسيين.

يحاجج معظم اللاجئين ألا جهة تمثّلهم. وعلى رغم أن مؤيدي النظام أعلنوا دعمهم الكبير له، بدا أنهم عموماً يطرحون السياسة جانباً. وغالبيتهم قالت إن السياسة بالغة التعقيد، ومصدر متاعب وحسب، وأنهم لا يرغبون بأي صلة بها. جلّ ما يصبون إليه هو حياة طبيعية.

وأبدى اللاجئون المعارضون للنظام خيبة أملهم من كل اللاعبين السياسيين في سورية، وفقدوا ثقتهم في قيادات المجموعات المعارضة داخل سورية وخارجها. معظمهم يعتقدون أن اللاعبين وهذه المجموعات يعملون لخدمة مصالحهم الخاصة وأن انقساماتهم كثيرة، أو أنهم خانوا الشعب السوري ومبادئ الثورة. غير أن عدداً يعتدّ به منهم ميّز بين المقاتلين في سورية- وهو يرى أن مشروعية هؤلاء أكثر تمثيلية للسوريين لأنهم موجودون في الميدان- وبين المعارضة في المنفى التي يصفونها بـ"معارضة الفنادق". وقال منصور من الزبداني: "لم نعد نعرف الفرق بين الصالح والطالح. لا نثق إلا بالله. وعلى كل مَن يمثّلني أن يتعاطف معي، ومع ألمي، والمأساة التي أعيش".45

وعبّر اللاجئون المعارضون للنظام عن مشاعر تعاطف مع الجيش السوري الحر وبعض الحنين إليه. فهم يعتقدون أنه مثّل بصدق قيم الثورة السورية وأهدافها- فهو خاض صراعاً غير طائفي ورَكّز على قتال النظام. وعلى رغم هذا التعاطف، وجهوا نقداً قاسياً ومريراً إلى ما آل إليه الجيش السوري الحر، وعابوا عليه الفساد والأجندات الشخصية، ما أدّى إلى فقدانه أهميته ووزنه.

الملفت هنا أن آراء عدد من اللاجئين في الأردن في الشخصيات المعارضة كانت أكثر إيجابية. فهم أعلنوا أنهم، على رغم إخفاقات المعارضة، يشعرون بأن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أي أولئك الناطقون باسم المعارضة في جنيف، لايزال يمثّلهم.

سورية عادلة

رأى بعض المشاركين في حلقات النقاش أن العدالة مرتبطة بشكلٍ أساسي بمفاهيم دولة القانون والمساءلة والمحاسبة، وهي قيم تُعتبر مركزية لمسألتي الحوكمة ووظائف الدولة. قال محمود من الزبداني: "العدالة... هي تغيير الحكومة، وأن يكون هناك وزارة عدل. إذا ارتكب أحدهم جريمة قتل، يجب أن يُحاسب. وإذا رفع المرء شكوى، ينبغي أن تجد شكواه آذاناً صاغية. وإذا قلتَ لهم إن منزلك مدمّر، يجب أن يساعدوك أو يعطوك قرضاً. بعبارة أخرى، نريد دولة. أما الآن، فلا نملك سمات الدولة في سورية".46

عند مناقشة سبل إرساء العدالة في سورية ما بعد الحرب، احتدم النقاش بين المشاركين في حلقات النقاش حول فكرة العفو. وبرزت طريقتان في فهم العفو: فقد ربطها بعض المشاركين بعفو رئاسي لكل من فرّ من التجنيد أو شارك في أعمال مناهضة للنظام، فيما ألحقها بعض آخر بحصانة كاملة من الجرائم المرتبكة في خضم النزاع.

كان موقف اللاجئين المؤيدين للنظام بالغ العدائية لفكرة العفو الرئاسي، بينما انقسم معارضو النظام انقساماً بائناً. رأى معظم مؤيدي النظام أن الحاجة ماسّة إلى ملاحقة أولئك الذين تآمروا على سورية، وفق تعبيرهم. وفي المقابل، أعلن بعض اللاجئين المعارضين للنظام أنهم يرفضون العودة إلى سورية بناءً على عفو رئاسي، لأنهم لايثقون بمثل هذا العفو. بيد أن شطراً آخر رأى أنه شرط مسبق لاغنى عنه للعودة، في وقت تنتشر بين اللاجئين مشاعر الخوف من الاعتقال بتهمة المشاركة في الاحتجاجات أو تجنّب الخدمة العسكرية. وكذلك، أثّرت الانتماءات السياسية في المواقف إزاء إطلاق سراح المعتقلين. ففيما أصرّ اللاجئون المعارضون للنظام على الحاجة إلى الإفراج عن كل المعتقلين، يعتقد اللاجئون المؤيدون للنظام أنهم مجرمون ويجب محاسبتهم.

واضح أن اللاجئين الذين يربطون العفو بحصانة واسعة من العقاب، يقصدون به- وفق انتماءاتهم السياسية- العفو عن الجرائم التي ارتكبها مسؤولو النظام، وقواته، وحلفاؤهم، أو مسامحة المجموعات المعارضة. وفي وقت يعارض كل مؤيدي النظام قطعياً فكرة العفو العام، تنقسم آراء اللاجئين المعارضين. فمعظمهم، وخصوصاً النساء والشباب، ينظر نظرة سلبية إلى العفو العام، ويرى أن السلام المُستدام مستحيل من دون العدالة والمحاسبة، وأن محاسبة الأسد على جرائمه، واجبة. وبعضهم يشعر بأن مثل هذا العفو يعبّد الطريق أمام تفاقم النزاع ويشجّع الأفراد الذين يسعون إلى العدالة على إنفاذها بأيديهم. من يؤيدون العفو العام يرون أنه شرّ لا بدّ منه. والذريعة السائدة، خصوصاً في أوساط الرجال الأكبر سناً، هي: "لايسعنا محاكمة الشعب برمته".

خلصت النقاشات حول من يُمنح العفو، إذا كان هذا ممكناً، إلى اتفاق عام حول وجوب محاسبة من أعطى الأوامر بالقتل، في حين أن الجرائم الأصغر، مثل السرقة، تُسامح ويُعفى عنها. لكن حين جوبه اللاجئون بإمكان مصادفتهم ذات يوم الرجل الذي ارتكب الجريمة، وتحديداً ذلك الذي قتل من هو أثير على القلب، قال لاجئون كثيرون أنهم قد يحاولون الأخذ بالثأر، لكنهم قالوا أيضاً إن المحاكم ضرورية للحؤول دون إنفاذ الناس العدالة بأنفسهم.

قال عصام من ريف دمشق: "أن أرى من قتل شقيقي أو قريبي يعيش حياةً طبيعية، ويتجوّل، ويتمتّع، فهذا أمر لايُطاق! لا، لن أعود. فحرب أهلية ستندلع. وسيقول الناس: "سأرتكب جريمة اليوم ويُعفى عني غداً"".47

أعلنت أغلبية اللاجئين المعارضين للنظام أن ثقتهم ضعيفة بالنظام القانوني الحالي في سورية، ويرون أنه أداة النظام ويفتقر إلى الاستقلالية والصدقية. غير أنهم أجابوا عفوياً، حين سئلوا عن كيفية محاكمة الملاحقين بارتكاب جرائم الحرب: "سيحكم الشعب عليهم". والجواب هذا يعني ضمنياً أن المجرمين سيُحاكمون في سورية على يد سوريين. لكن كثير من اللاجئين المعارضين أشاروا إلى أن المحكمة الجنائية الدولية هي الوحيدة القادرة على القيام بمثل هذه الملاحقات القضائية- على رغم أنهم سلّطوا الضوء على الحاجة إلى التعاون بين الهيئات القضائية الدولية والكيانات التشريعية السورية. إلا أنهم لم يوضحوا مايقصدون بهذه الهيئات نظراً إلى غياب ثقتهم بالقضاء السوري.

هوامش

1 حلقة النقاش الرقم 8 في سعدنايل في سهل البقاع، لبنان، 19 شباط/فبراير 2017.

2 Médecins sans Frontières, “Fleeing the Violence in Syria: Syrian Refugees in Lebanon,” Médecins sans Frontières, August 2012, http://www.msf.or.jp/library/pressreport/pdf/MS1221_LebanonReport_Final_LoRes_v2.pdf.

3 حلقة النقاش الرقم 8 في سعدنايل، سهل البقاع، لبنان، 19 شباط/فبراير 2017.

4 حلقة النقاش الرقم 2 في بيروت، لبنان، 1 شباط/فبراير 2017. مسقط رأس فادي لم يسجّل.

5 Internal Displacement Monitoring Centre, “Syria IDP Figures Analysis,” Internal Displacement Monitoring Centre, No date, http://www.internal-displacement.org/middle-east-and-north-africa/syria/figures-analysis.

6 حلقة النقاش الرقم 21 في طرابلس، لبنان، 6 حزيران/يونيو 2017.

7 حلقة النقاش الرقم 24 في صيدا، لبنان، 29 تموز/يوليو 2017.

8 حلقة النقاش الرقم 39 في إربد، الأردن، 15 آب/أغسطس 2017.

9 حلقة النقاش الرقم 23 في غزة، سهل البقاع، لبنان، 17 تموز/يوليو 2017.

10 حلقة النقاش الرقم 20 في طرابلس، لبنان، 6 حزيران/يونيو 2017.

11 هيومن رايتس ووتش، "لا أعرف لماذا أعادونا".

12 “Refugees Return to Daraa After Recent Rebel Gains,” Syria Direct, April 21, 2015, http://syriadirect.org/news/refugees-return-to-daraa-after-recent-rebel-gains/.

13 حلقة النقاش الرقم 17 في مخيم الزعتري للاجئين، الأردن، 23 نيسان/أبريل 2017.

14 منظمة العفو الدولية، "الحدود السورية- الأردنية".

15 حلقة النقاش الرقم 22، في غزة، سهل البقاع، لبنان، 17 تموز/يوليو 2017.

16 Stephanie Nebehay, “UN warns of new Syrian refugee wave to Europe if aid dries up,” Reuters, December 12, 2017, https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-syria-un-refugees/u-n-warns-of-new-syrian-refugee-wave-to-europe-if-aid-dries-up-idUSKBN1E629V?il=0 انظر أيضاً: Aron Lund, “For Syria, There’s Money for Missiles, but No Funding for Food,” The Century Foundation, April 11, 2017, https://tcf.org/content/commentary/syria-theres-money-missiles-no-funding-food/ وأيضاً: Najia Houssari, “UNHCR Stops Cash Aid to 20,000 Syrian Families in Lebanon,” Arab News, September 15, 2017, http://www.arabnews.com/node/1161436/middle-east .

17 حلقة النقاش الرقم 23 في غزة في سهل البقاع، لبنان، 17 تموز/يوليو 2017.

18 International Organization for Migration, “Nearly 715,000 Syrian Displaced Returned Home Between January and October 2017,” press release, International Organization for Migration, November 21, 2017, https://www.iom.int/news/nearly-715000-syrian-displaced-returned-home-between-january-and-october-2017.

19 مهى يحيَ، "سلام متصدّع"، ديوان، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 31 آذار/مارس 2017، http://carnegie-mec.org/diwan/68486 انظر أيضاً: مهى يحيَ، "لوم الضحايا"، ديوان، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 31 تموز/يوليو 2017، http://carnegie-mec.org/diwan/72696

20 حلقة النقاش الرقم 35 في الزرقا، الأردن، 14 آب/أغسطس 2017.

21 حلقة النقاش الرقم 7 في سعدنايل، سهل البقاع، لبنان، 18 شباط/ فبراير 2017.

22 برلمان الجمهورية العربية السورية، "المرسوم التشريعي 30 لعام 2007 ،قانون خدمة العلم"، (دمشق: سورية، 2007)، http://parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=201&nid=4921&

23 حلقة النقاش الرقم 33 في عمّان، الأردن، 13 آب/أغسطس 2017.

24 "مجلس الشعب يقر مشروع قانون يتعلق بمن تجاوز سن التكليف للخدمة الإلزامية وآخر حول ربط السجل العام للعاملين في الدولة بوزارة التنمية الإدارية"، سانا، 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، https://www.sana.sy/?p=656572/

25 حلقة النقاش الرقم 19 في طرابلس، لبنان، 19 أيار/ مايو 2017.

26 داليا نعمة، "تحقيق: أحياء حمص ما زالت مدمرة بعد مرور سنوات على انتصار الأسد"، رويترز، 18 آب/أغسطس 2017، https://ara.reuters.com/article/ME_TOPNEWS_MORE/idARAKCN1AY22A

27 Bogdan Ivanisevic, “Legacy of War: Minority Returns in the Balkans,” cited in Human Rights Watch World Report: Human Rights and Armed Conflicts (Human Rights Watch, 2004), 351–75, https://www.hrw.org/legacy/wr2k4/download/wr2k4.pdf; and Joseph Sassoon, The Iraqi Refugees: The New Crisis in the Middle East (London, New York: I.B. Tauris, 2009), 153–64.

28 منظمة العفو الدولية، "إما أن نرحل أو نموت: التهجير القسري بموجب اتفاقات "المصالحة" في سوريا" (نسخة موجَزة)، منظمة العفو الدولية، تشرين الثاني/نوفمبر 2017، https://www.amnesty.org/download/Documents/MDE2473092017ARABIC.PDF النسخة الكاملة باللغة الإنكليزية متوفّرة على الرابط التالي: https://www.amnesty.org/download/Documents/MDE2473092017ENGLISH.pdf انظر أيضاً: فابريس بالاونش، "التطهير العرقي يهدّد وحدة سوريا"، معهد واشنطن، 3 كانون الأول/ ديسمبر 2015، http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/ethnic-cleansing-threatens-syrias-unity

29 البنك الدولي، "خسائر الحرب".

30 Martin Chulov, “Iran Repopulates Syria With Shia Muslims to Help Tighten Regime’s Control,” Guardian, January 13, 2017, https://www.theguardian.com/world/2017/jan/13/irans-syria-project-pushing-population-shifts-to-increase-influence.

31 حلقة النقاش الرقم 39 في إربد، الأردن، 15 آب/أغسطس 2017.

32 Valérie Clerc, “Informal Settlements in the Syrian Conflict: Urban Planning as a Weapon,” Built Environment, 40, No. 1 (2014), 34–51.

33 حلقة النقاش الرقم 32 في عمّان، الأردن، 13 آب/أغسطس 2017.

34 Jon Unruh, “Weaponization of the Land and Property Rights System in the Syrian Civil War: Facilitating Restitution?,” Journal of Intervention and Statebuilding, March 2016, https://www.researchgate.net/publication/298728439_Weaponization_of_the_Land_and_Property_Rights_system_in_the_Syrian_civil_war_facilitating_restitution.

35 Jihad Yazigi, “Destruct to Reconstruct: How the Syrian Regime Capitalises on Property Destruction and Land Legislation,” Friedrich-Ebert-Stiftung Study, July 2017, http://library.fes.de/pdf-files/iez/13562.pdf.

36 "رغم تهجير نصف سكانها.. ديموغرافيا حمص تحافظ على ثباتها حتى الآن"، عنب بلدي، 31 كانون الثاني/يناير 2016 ،https://www.enabbaladi.net/archives/62787 انظر أيضاً: "مشروع استيطاني... إيران تغزو سوق العقارات في دمشق وحمص" ،هافيغتون بوست عربي، 26 آذار/مارس 2016، http://www.huffpostarabi.com/2016/03/26/story_n_9549892.html وأيضاً: "سوريا: "استملاك" منزل في منطقة مُهجّرة؟"، صحيفة المدن الإلكترونية، 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، www.almodon.com/arabworld/2016/11/17/موال-للنظام-وتريد-استملاك-منزل-في-منطقة-سنية-مهجرة

37 Syria Institute and PAX, No Return to Homs: A Case Study on Demographic Engineering in Syria (Washington, DC: Syria Institute and PAX, 2017), 43.

38 حلقة النقاش الرقم 29، في عمّان، الأردن، 10 آب/أغسطس 2017.

39 حلقة النقاش الرقم 3 في بيروت، لبنان، 6 شباط/فبراير 2017.

40 حلقة النقاش الرقم 35، في الزرقا، الأردن، 14 آب/أغسطس 2017.

41 حلقة النقاش الرقم 32، في عمّان، الأردن، 13 آب/أغسطس 2017.

42 سامر عرابي، "خريطة الطريق نحو اللامركزية في سورية"، صدى، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 23 آذار/مارس 2017 ،https://carnegieendowment.org/sada/68374?lang=ar انظر أيضاً: الجمهورية العربية السورية- مجلس الشعب : "المرسوم التشريعي 107 لعام 2011 قانون الإدارة المحلية"(دمشق: سورية، 2011)، http://parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5575&cat=4390 ينصّ هذا القانون على إنشاء مجالس محلية منتخبة تملك صلاحيات متعلّقة بشؤون التخطيط وإعداد الموازنة.

43 سامر عرابي، "خريطة الطريق نحو اللامركزية في سورية"، صدى، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 23 آذار/مارس 2017، http://carnegieendowment.org/sada/68374?lang=ar

44 Associated Press, “The Latest: UN Envoy Cautions Against Soft Syria Partition,” Business Insider, May 11, 2017, http://www.businessinsider.com/ap-the-latest-un-envoy-cautions-against-soft-syria-partition-2017-5.

45 مقابلة أجراها المؤلّفون مع منصور في سعدنايل، سهل البقاع، لبنان، 24 شباط/فبراير 2017.

46 مقابلة أجراها المؤلّفون مع محمود من الزبداني في غزة، سهل البقاع، لبنان، 17 تموز/يوليو 2017.

47 حلقة النقاش الرقم 23 في غزة، سهل البقاع، لبنان، 17 تموز/يوليو 2017.