لدى اللاجئين السوريين في لبنان والأردن رؤية واضحة حول سورية التي يتوقون إليها، لكنهم يقرّون بأن بلوغها في الظروف الحالية شبه مستحيل. ولضمان مستقبل أفضل، يجب أن تعالج مساعي التوصّل إلى تسوية سياسية مستدامة جذورَ النزاع وتبعاته على اللاجئين في الدول المضيفة. والأهم هو تمكين هذه المساعي اللاجئين من العودة عودةً آمنة وسالمة إلى منازلهم. ومع استعادة النظام السوري السيطرة على أجزاء من سورية، يُصرّ كثيرون في الدول المضيفة، تحديداً في لبنان والأردن، على عودة اللاجئين السوريين إلى مناطق "آمنة" في بلدهم. وهذه الدعوات تضطر اللاجئين إلى الاختيار بين العودة وتعريض حياتهم للخطر أو القبول بمنفى تتفاقم فيه المعاناة والمهانة بسبب تدهور الأوضاع في البلدان المضيفة.

الظروف الأمنية الراهنة في سورية مُتقلبة وتعصى على التوقّع. لذا، لا تشكّل بيئة ملائمة لعودة معظم اللاجئين. وتحتدم عمليات عسكرية في عدد من المناطق، مايترتب عليها موجات جديدة من النزوح. وعلى رغم مكاسب النظام، لاتزال سورية، إلى حد بعيد، مُتذررة إلى مناطق نفوذ مختلفة. ولذا، احتمالات اندلاع نزاع مستقبلي، كبيرة. وقد ثبت أن مناطق خفض التصعيد غير مُستقرة، بعد تسجيل انتهاكات كثيرة خلال الأشهر الماضية.1

في ضوء هذا الواقع، يواجه اللاجئون في لبنان أحوالاً تزداد صعوبةً. فالقادة السياسيون والسكان في كلا البلدين لايرغبون في استقرار اللاجئين على نحو دائم. فمن جهة، يؤيدون توفير بعض الوظائف والتعليم الأساسي والخدمات الصحية للاجئين، لكن، من جهة أخرى، تنحو السياسة فيهما إلى الحظر التدريجي. وينجم عن الحظر هذا أشكال مختلفة من التمييز القانوني والاجتماعي، وتقييد الوصول إلى القضاء والعدل. وهذا الوضع ترك اللاجئين في وضع اجتماعي- اقتصادي حرج، وجعلهم عُرضة إلى الانتهاكات والاستغلال.

تُعرِّض ثلاثة عوامل مترابطة اللاجئين إلى خطر كبير إذا أجبروا على العودة: أولها، إمكان منع اللاجئين من الدخول لدى عودتهم إلى مسقط رأسهم أو اضطهادهم، في وقت تؤدّي قوات النظام دوراً في النقل القسري للسكان، من طريق الحصار واتفاقات السلام المحلية. وثانيها، عودة اللاجئين بالغة العسر بسبب تشظي الأراضي، ودمار النواة الحضرية والمناطق الريفية، والتشريعات الأخيرة حول حقوق الملكية. وثالثاً، رحلة العودة بالغة الخطورة مع انتشار العصابات والميليشيات في مناطق النظام والمعارضة.

في هذا السياق، يفقد مبدأ العودة الطوعية، وهو الركن الرئيس للاتفاقات الدولية حول اللاجئين، مغذاه والقصد منه. ويواجه اللاجئون أكثر فأكثر خيارات غير مرضية، أو يواجهون انسداد الأفق وغياب الخيارات، مع عودة بعضهم القسرية عبر وسائل عديدة إلى سورية.2 أمامهم في الأساس، ثلاثة خيارات: العودة إلى سورية غير مُستقرة، أو مواصلة العيش في ظروف غامضة يغلب عليها المجهول في البلدان المضيفة، أو شدّ الرحال إلى أوروبا عبر رحلة بالغة الخطورة.

ركّزت المحاولات التي بذلها المجتمع الدولي لمعالجة الأزمة، في المقام الأول، على التوصّل إلى اتفاق سياسي من خلال مفاوضات جنيف والحؤول دون وصول اللاجئين إلى شواطئ أوروبا.3 وتفترض هذه المقاربة غير الواقعية، أن في إمكان اللاجئين الإقامة إلى ما لا نهاية في الدول المضيفة على الحدود مع سورية، في أثناء السعي إلى صوغ تفاصيل التسوية السياسية. وعلى رغم أن الاتحاد الأوروبي وغيره من الجهات المانحة وفّر للبنان والأردن مساعدات إنسانية كبيرة، إلا أنها كانت غير كافية، نظراً إلى طول مدّة النزاع. ولايقتصر التحدّي على معالجة ثغرات التمويل، وهي ثغرات جوهرية، أو على إنهاء الشلل الذي نزل بالمفاوضات السياسية. فإرساء الاستقرار في سورية يقتضي وقتاً طويلاً. لذا، على المجتمع الدولي السعي مع حكومات الدول المضيفة إلى تعديل أطر السياسات الخاصة باللاجئين، والاستثمار في الاقتصاديات المحلية.

على اللاعبين الدوليين الاستماع إلى مايفكّر به ملايين اللاجئين والنازحين في الداخل. وعلى الرغم من أن ربع السوريين يقيم اليوم في المنفى، وحوالى ثلثهم نازح في الداخل، تغيب مشاغلهم وأولوياتهم عن مفاوضات التسوية السياسية لمابعد الحرب. وبالتوازي مع مسار جنيف، ركّزت المفاوضات المُستمرة في الأستانة على مساعي إرساء الاستقرار وخفض التصعيد، وتجاهلت مصاعب اللاجئين والنازحين داخلياً، وتركتهم لمصيرهم. ومن وجهة نظر اللاجئين، ونظراً إلى الظروف الحالية في سورية، تنحو مسألة العودة إلى أن تصبح أكثر تعقيداً وتتعلق بقضايا خارج نطاق سيطرتهم.

من مصلحة المجتمع الدولي على المدى الطويل، بما في ذلك لبنان والأردن، الاستثمار في تسوية سياسية مُستدامة في سورية. وقد تولِّد أي تسوية تتجاهل جذور أسباب الحرب، نزاعات جديدة وتفاقم زعزعة استقرار المنطقة، وتسفر عن المزيد من نزوح السكان، وعن موجات هجرة جديدة. ولاتقيض الحياة لتسوية مستدامة ما لم تعالج مسائل العودة الطوعية، والتمثيل السياسي، وإعادة الدمج أو الاندماج، وتوفّر العدالة، كجزء من اتفاق سلام شامل. وعليه، يقضي جزء أساسي من هذا المسعى إرساء إطار جديد للاجئين وتنفيذ إجراءات سياسية مُجزية.

إرساء إطار عمل نواته شؤون اللاجئين

لاتقتصر عودة اللاجئين على حركة انتقالهم المادي عبر الحدود، بل هي تقتضي أولاً ضمانات أمن وسلامة، وبنى تحتية ملائمة، وتوفير الخدمات الأساسية والعدل. من دون هذه المقتضيات، قد تكون عودة اللاجئين الطوعية والجماعية إلى سورية محفوفة بالمخاطر.

بات واضحاً، حين استمعنا إلى المشاركين في مجموعة النقاش، أن ثمة حاجة إلى إطار جديد نواته شؤون اللاجئين، أي إطار يُسهّل العودة المُستدامة للاجئين وتمكّنهم من انتقاء الخيارات الملاءمة بشكل أفضل لظروفهم.4 ويتعيّن إرساء هذا الإطار على ثلاثة مبادئ مترابطة: الاعتراف بالجذور السياسية لأزمة اللاجئين؛ والتركيز على دور العدالة في تحقيق تسوية مستدامة؛ ودعم حق اللاجئين بالعودة إلى منازلهم ومناطقهم الأصلية.

الإقرار بالجذور السياسية لأزمة اللاجئين

غالباً ماتنزع مساعي المجتمع الدولي لمعالجة أزمة اللاجئين هذه الأزمة من إطارها السياسي، وتقاربها من منطلق إنساني وحسب. وعليه، يتمّ تجاهل الواقع بأن ملايين السوريين حملتهم دواع سياسية وأمنية على الرحيل قسراً عن بلدهم. فاللاجئون في لبنان والأردن غادروا وطنهم هرباً من البراميل المتفجّرة والحصار، والتجنيد الإلزامي، والترحيل القسري، والقتل السياسي والطائفي. ومعظمهم في كل من البلدين، يعارضون نظام الأسد، ولايعتقدون أنهم بأمان في المناطق التي يمسك بمقاليدها. ويعجز كثيرون عن العودة إلى مسقط رأسهم من دون ضمانات تكفل قدرتهم على العودة لأنهم طردوا من بلداتهم وقراهم لأسباب سياسية وطائفية.5

مسألة العودة في أوساط اللاجئين إلى لبنان والأردن، وثيقة الارتباط بنموذج الحكم المستقبلي في سورية وبطبيعة القيادة السياسية في مرحلة مابعد النزاع. ويحتاج اللاجئون إلى ضمانات بأن توزيع مكاسب السلام، وهي تشمل البنى التحتية الأساسية، لن يكون بناء على اعتبارات سياسية أو إثنية أو طائفية، ولن يكون أداة يتوسلها النظام لتعزيز سطوته.

جعل العدالة حجر زاوية تسوية السلام

لن يؤدي إرساء مناطق خفض التصعيد إلى استقرار راسخ، ولن يرسي أسس سلام مستدام. حالياً، تملك كل من روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا والأردن وإلى درجة أقل مصر، دوائر نفوذ ومصالح في سورية- وهذا واقع ساهمت في بروزه جزئياً مفاوضات الأستانة. ولذا، على رغم أن حدة النزاع قد تهدأ في المستقبل القريب، لن يُرسى الاستقرار على الأرض لبعض الوقت. وتساهم أجندات الأطراف المتضاربة في إثارة القلق من تعثّر عودة اللاجئين والنازحين داخلياً بتعقيدات واعتبارات سياسية وطائفية وإثنية.6

لا مفر من اندلاع نزاع مستقبلي في سورية بسبب الإنصراف إلى إنهاء العمليات العسكرية من دون معالجة جذور الأزمة وتغيير بنية السلطة في سورية. ولن تسمح عملية سياسية انتقالية تمنح العفو إلى أفراد متّهمين بالتطهير الإثني، وبارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، بالتنافس السياسي العادل، ولن تصون الحريات الفردية والكرامة الإنسانية. وتقوّض مثل هذه العملية مبادئ العدالة والمحاسبة الدولية. ثمّ أن إقامة بُنى سياسية وقضائية وأمنية جديدة الكرامة الإنسانية، وهي ضرورة لاغنى عنها لتجنّب انبعاث العنف.

دعم حق اللاجئين في العودة إلى مناطقهم الأصلية

على المجتمع الدولي أن يسعى إلى دعم حق اللاجئين والنازحين في العودة إلى مناطقهم الأصلية في سورية. ولم تكن أغلبية المشاركين في حلقات النقاش مع كارنيغي مستعدّة للمساومة على حق العودة هذا. لكن الحكومة السورية تسنّ إطاراً تشريعياً جديداً يفاقم صعوبة عودة اللاجئين إلى منازلهم، بينها آليات لتدقيق وتنظيم حقوق الملكية، وتعديل قوانين الخدمة العسكرية.

وبالتالي، حريّ باللاعبين الدوليين الإصرار على إلغاء إجراءات التدقيق السياسية (ووراؤها دوافع إثنية أو طائفية في بعض الأحيان) التي فرضها النظام والمجموعات المُسلحة في المناطق المُستعادة. وعليهم تحديداً الاهتمام بالإجراءات التي تنتهك حق السوريين في العودة إلى مسقط رأسهم ومنازلهم، خصوصاً حق النازحين في الداخل السوري أو الذين أجبروا على اللجوء إلى خارج البلاد نتيجة الحصار أو التطهير الإثني أو الهجمات الطائفية. كما يجب توفير ضمانات وإجراءات بناء ثقة للمساهمة في إعادة دمج العائدين والحؤول دون أعمال انتقام.

إرساء إجراءات سياسية مُيسِّرة

يترتب على إلتزام المبادئ التي تقدّم ذكرها، إرساء إجراءات أساسية لضمان سلامة وأمن وحماية وإعادة اندماج السكان العائدين. وتقتضي بعض هذه الإجراءات مساعٍ مؤسسية طويلة الأمد. لكن يمكن المبادرة إلى خطوات فورية تعالج ظروف اللاجئين وقلقهم إزاء مسائل مرتبطة بالحوكمة وإعادة الإعمار والحق في الحماية وعيش حياة كريمة.

خطة الانتقال السياسي

شدّدت غالبية المشاركين في حلقات نقاش الدراسة هذه على أن الأمن والأمان يتصدران أولوياتهم، وأنهما متعذّران في غياب نظام حوكمة مختلف وقيادة سياسية جديدة. لكن حظوظ مثل هذه التغييرات ضعيفة الآن، في وقت تتواصل التدخلات الأجنبية، وعسكرة المجتمع السوري، ويتعاظم عدد المجموعات المحلية المسلحة، وتغيّب المحاسبة أو تنسدّ آفاق العدالة والقضاء. قد يكون إصلاح الحكم عملية طويلة وشاقة، خاصةً في ظروف النزاع تحديداً. وهذه هي الحال الآن في سورية حيث التفاعل بين السياسات المحلية والدولية هو تحدّ كبير أمام بلوغ تسوية سياسية مستدامة وعودة الاستقرار.

ويقتضي ضمان أمن وسلامة السوريين جميعاً، بمن فيهم اللاجئون، جهوداً منظّمة ومنهجية للعودة عن عسكرة المجتمع السوري؛ ومعالجة مشكلة انتشار المجموعات المسلحة عن طريق نزع السلاح وبرامج تسريح القوى العسكرية، وإعادة الدمج، فضلاً عن إصلاح المؤسسات الأمنية الوطنية، بما فيها الجيش. ويتطلّب العمل بهذه الإجراءات وقتاً. وإذا أبرمت تسوية سياسية،

وبدأت عملية تسريح الميليشيات المحلية، سيكون في الإمكان نشر قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة، على الفور، للمساهمة في معالجة المشاغل الأمنية للاجئين وتعزيز ثقتهم وطمأنينتهم في حال اختاروا العودة. ومثل هذا الانتشار في محله نظراً إلى الشروط الكبيرة التي يضعها اللاجئون للعودة قياساً بشروط النازحين داخلياً، وغياب ثقتهم بأطراف النزاع المحليين والدوليين، على حد سواء.

لن يدوم أي اتفاق سياسي من دون إيلاء أولوية للعدالة في المفاوضات الجارية. وتعرّض إجراءات التدقيق التي يُعمل بها في أجزاء كثيرة من سورية- وخصوصاً في معاقل المعارضة السابقة في حلب وحمص وريف دمشق- لاجئين كثيرين ممن شاركوا في الاحتجاجات السلمية أو أعلنوا عن مواقف مناوئة للنظام، إلى خطر منعهم من العودة إلى مسقط رأسهم. ولذا، يجب إلغاء هذه الإجراءات وإرساء آلية لتدارك آثارها. ومن الحيوي أيضاً إرساء آليات لإلغاء مفهوم الإفلات من العقاب، ومحاسبة من ارتكب جرائم كبيرة خلال النزاع السوري، وكبح جماح الفوضى. ويُرجّح أن يكون دور المؤسسات القضائية الدولية أساسياً في هذا الصدد، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي تمارسها الحكومة والأجهزة الأمنية على القضاء في سورية.

كي يعود اللاجئون، يحتاجون إلى طمأنتهم إلى أن إجراءات العدالة والمحاسبة ستكون في متناولهم لمعالجة مواضع قلقهم. قد تكون تلبية حاجاتهم كلها على الفور عسيرة، خصوصاً في المناطق التي يسيطر عليها النظام. لكن في وسع المجتمع الدولي إعدادهم للتعامل مع مسارات قضائية قد توضع لاحقاً.

في الإمكان تقديم المشورة القانونية للاجئين وإطلاعهم على حقوقهم في المنظومة القانونية السورية، خصوصاً في ضوء الأعداد الكبيرة من النزاعات القانونية- كخلافات حقوق السكن وملكية الأرض والممتلكات- التي يرجّح أن تتزامن مع الانتقال التدريجي إلى مرحلة ما بعد النزاع. وفي الواقع، قد يكون لإعداد أصحاب الكفاءة، من محامين سوريين أو مدرّبين في الشؤون القانونية من الذين يألفون الأطر القانونية في البلاد والحقوق التي تكفلها الاتفاقات الدولية، شأواً كبيراً في تمكين السوريين من الدفاع عن أنفسهم. وفي وسع هذه الكفاءات إطلاع اللاجئين على حقوقهم وواجباتهم، وعلى التغيرات القانونية المرتبطة بالملكية الخاصة، وتعزيز ثقتهم. كما في إمكان مثل هذه الكوادر المساهمة في سدّ النقص في عدد المحامين والقضاة القادرين على التعامل مع الخلافات المتوقّعة.

كذلك، يساهم تطوير شبكة وسطاء محليين من اللاجئين أصحاب الكفاءة والثقة في مساعدة غيرهم اللاجئين العائدين على تسوية الخلافات المحلية المحتملة، في ضوء طبيعة النزوح السوري الإثنية والطائفية والسياسية. وفي إمكانهم مساعدة المجتمع الدولي على تحديد شركاء محتملين في عملية إعادة الإعمار، والإضاءة على الحاجات المحلية.

على المجتمع الدولي، كذلك، التزام إجراءات تضمن إدراج القوانين السورية الحالية في مسائل التجنيد الإلزامي، والمعتقلين السياسيين، والمفقودين، في نواة مناقشات جنيف والأستانة. كما ينبغي على المفاوضات السياسية المتواصلة التدقيق في القوانين الجديدة المتعلقة بحقوق الملكية والتطوير المُدني ونتائجها على اللاجئين، خصوصاً في مسألة مصادرة الأصول. كما تتمتّع حقوق ملكية النساء بأهمية بالغة، في وقت زاد فيه عدد الأسر التي ترأسها النساء. ودرجت العادة والتقاليد في سورية على تسجيل الملكية تحت خانة الرجل، وحتى حين تُسجل تحت خانة المرأة، لا تُسلّم عادة السند أو الوثيقة. وهذا الوضع يفتح المجال أكثر أمام السلطات المحلية لرفض تسليم الملكية، خصوصاً في مناطق يتلاعب فيها النظام بحقوق اللاجئين.

نحو إعادة إعمار لا تعزّز النظام

يرى المجتمع الدولي أن عملية إعادة الإعمار تعزّز الاستقرار وتوفّر فرص العمل وتحفّز، بالتالي، اللاجئين على العودة. وفي ما خلا بعض اللاجئين، معظم المشاركين في حلقات النقاش أعلنوا أنهم لن يعودوا مالم تترافق الفرص الاقتصادية مع ضمانات أمنية وتغييرات سياسية.

ويُرجح أن يعزّز أي دعم مالي واسع النطاق يُقدّم عبر الحكومة المركزية كفّة النظام، حتى ولو مُنحت المساعدات على المستوى المحلي. وهذا يعود، جزئياً، إلى أن النظام استغلّ النزاع، والأزمة الإنسانية التي ترتبت عليه، لينشئ شبكات من الوسطاء المحليين يتولاها أشخاص يثق بهم، وكثر منهم صاروا أمراء حرب بارزين.7 وفي مناطق سيطرته، سيستخدم النظام على الأغلب أموال إعادة الإعمار لبناء ما دمّره، وتقديم نفسه على أنه مفاوض لابديل عنه في شؤون إعادة الإعمار. وهذا يعزّز مشروعيته وكلمته في أولويات التمويل، ويمنحه مصدر قوة هائلة. ويرسّخ أكثر نُظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتمحور حول أمراء الحرب والنقل القسري للسكان.

وعلى رغم بواعث القلق هذه وحماسة بعض الدول لبدء إعادة الإعمار، في مقدور المجتمع الدولي بدء العمل في المناطق المدمّرة والتي لاتزال خارج سيطرة النظام. وعلى رغم التوترات السياسية بين اللاعبين الدوليين في سورية، يساهم دعم إعادة الإعمار في هذه المناطق، في تشجيع النازحين على العودة إلى منازلهم، وفي إنشاء نموذج تشاركي في إعادة الإعمار يشمل خبرات المحليين في التخطيط والتصميم وعملية التنفيذ، ويراعي الحساسيات الاجتماعية في مرحلة مابعد النزاع.

إذا رجحت كفّة الواقعية السياسية وضُخّ التمويل في مناطق سيطرة النظام، وجب الإقدام على عدد من الإجراءات، منها إرساء آلية تدقيق في الكيانات المحلية التي ستتلقى التمويل الدولي، وربط الأموال المنفقة في سورية بقدرة الناس على العودة إلى مناطقهم واستعادة ملكياتهم. والشرط الأخير حيوي في ضوء مساعي النظام الكثيفة، مراراً وتكراراً، لإعادة هندسة أو تصميم خريطة سورية الديموغرافية والسياسية عن طريق النقل القسري للسكان وآليات تدقيق وإقصاء جديدة.8

في هذا السياق، حري بأي تسوية سياسية أن توفّر بدائل للاجئين العاجزين عن العودة إلى مسقط رأسهم، خصوصاً إلى تلك المناطق التي حدث فيها تطهير إثني وطائفي أو حيث السكان حوصروا وارتُكبت جرائم كبرى في حقهم. والبدائل قد تشمل تعويضات عن الممتلكات الضائعة وإيجاد مواقع بديلة لإعادة التوطين إذا شاء اللاجئون.

احترام حق اللاجئ في العودة الطوعية

في وقت يتوالى النزاع السوري فصولاً ويطول أمده، حري بالمجتمع الدولي أن يجدّد مساعيه الرامية إلى احترام حق اللاجئين في العودة الطوعية، من جهة، وحقّه في عدم الإعادة القسرية، من جهة أخرى. وهذا حيوي في ضوء تنامي مطالبات الدول المضيفة بإعادة توطين اللاجئين قسرياً. ولاتقتضي المساعي هذه عدم الترحيل القسري وحسب بل تقليص العوامل في البلدان المضيفة التي تحمل اللاجئين على العودة قبل الأوان إلى منازلهم، ومعالجة العوامل في سورية التي تحول دون عودتهم. ويترتّب على ذلك تقليص الظروف المقيّدة في الدول المضيفة التي تنكر على اللاجئين الحق في عيش حياة كريمة، ومعالجة الإجراءات القانونية والأمنية في سورية التي تحرم اللاجئين من العودة إلى منازلهم.

إضافةً إلى توفير المساعدات الإنسانية، يتعيّن على المجتمع الدولي دعم إجراءات تحفزّ الاقتصاد في البلدان المضيفة، لبنان والأردن على وجه الخصوص، وبناء قدراتهم لتحسين الخدمات. ومن شأن هذا الدعم أن يعزّز قدرة هذه الدول على التعافي من المصاعب، ويساهم في صون كرامة وحقوق اللاجئين والمحليين، على حدّ سواء. في المقابل، حري بلبنان والأردن العودة عن تشديد إجراءات الإقامة وسياسات العمالة. وهذا يصبّ في مصلحتهما، في وقت يُفاقم وضع اللاجئين غير القانوني انكشافهم على الاستغلال، ويوسِّع نطاق الاقتصاد الموازي. ويشرّع توسيع الاقتصاد هذا الأبواب أمام أعمال غير قانونية ويفسح المجال أمام المُفسدين للاستفادة من استياء اللاجئين والمحليين على حد سواء.

وتزداد الحاجة إلى حوار مستدام بين اللاعبين الدوليين والقادة في لبنان والأردن، يولي الأولوية للحق في العودة الطوعية. وحري بهذين الطرفين توضيح متطلبات توفير الحياة الكريمة للاجئين، والسياسات المنوطة بها تحقيق ذلك. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار جوانب عميقة، غالباً ماتكون وجودية، وثيقة الصلة بالقلق على هوية البلدان المضيفة، وهو قلق يظهر في النقاشات حول اللاجئين في هذه البلدان. وإلا خسر مبدأ العودة الطوعية الغاية منه ومغذاه، وبدأ اللاجئون يفكّرون في العودة إلى منازلهم في ظروف بالغة الخطورة.

يجب أن يُعزّز دعم البلدان المضيفة، ويشمل تمويل مشاريع بنى تحتية. فمثل هذه المشاريع تخوّل هذه البلدان تقديم خدمات أفضل وتحسين سبل العيش والفرص المتاحة أمام المحليين واللاجئين، على حد سواء، خصوصاً في أكثر المناطق فقراً في لبنان والأردن. إضافةً إلى ذلك، يجب معالجة بعض مصادر التوتر بين المحليين واللاجئيين، وتعزيز آفاق الاستقرار.

والحق أن عودة اللاجئين هي عملية مُثقلة بالمخاطر. وفي حالة اللاجئين السوريين، تفاقم محنة رحيلهم وبقاء النظام المتهم بجرائم ضد الإنسانية، صعوبة العودة وتحدياتها. ولن تقيّض الاستدامة لأي تسوية سياسية وعودة طوعية ما لم تأخذ حاجات اللاجئين وظروفهم في الاعتبار. فأصواتهم يجب أن تكون مسموعة، كما ينبغي على المجتمع الدولي ضمان عيشهم الكريم وتوفير شروط عودتهم إلى سورية. وإذا لم يفعل، قد تتمدّد تبعات النزاع في سورية إلى دول الجوار، لا بل إلى خارج حدود الشرق الأوسط. وهذه ستكون الخطوة الأولى في مسار الألف ميل الرامي إلى تحقيق الاستقرار في سورية والمنطقة.

هوامش

1 Nada Homsi and Anne Barnard, “Marked for ‘De-Escalation,’ Syrian Towns Endure Surge of Attacks,” New York Times, November 18, 2017, https://www.nytimes.com/2017/11/18/world/middleeast/syria-de-escalation-zones-atarib.html.

2 مهى يحيَ، "لوم الضحايا"، ديوان، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 31 تموز/يوليو 2017، http://carnegie-mec.org/diwan/72696
انظر أيضاً:  هيومن رايتس ووتش، "لا أعرف لماذا أعادونا".

3 Human Rights Watch, “EU Policies Put Refugees At Risk,” Human Rights Watch, December 6, 2016, www.hrw.org/news/2016/11/23/eu-policies-put-refugees-risk.

4 مهى يحيَ وجان قصير، "متى العودة؟ اللاجئون أولوية أي تسوية أو حلّ سياسي في سورية"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 30 آذار/مارس 2017، http://carnegie-mec.org/2017/03/30/ar-pub-68691

5 "35 مليار ليرة لتأهيل داريا الشمالية.. العودة تحكمها اعتبارات أمنية"، عنب بلدي، 1 كانون الثاني/يناير 2018، https://www.enabbaladi.net/archives/196338#ixzz57Fx0sDFy

6 مهى يحيَ وجان قصير، "متى العودة؟".

7 خضر خضّور، "أنا، الأعظم"، ديوان، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 22 آذار/مارس 2017، http://carnegie-mec.org/diwan/68359

8 فابريس بالاونش، "التطهير العرقي يهدّد وحدة سوريا".