في العام 2017، تصدّرت حركة حماس اهتمامات الإعلام، عبر اتّخاذها ثلاث خطوات أساسية لم تتخلّلها طلقة نارية واحدة: أصدرت ميثاقاً جديداً؛ وانتخبت قيادة جديدة؛ وسمحت للإدارة في قطاع غزة الذي تحكمه،  بالتعاون مع وزارات السلطة الفلسطينية التي تتخذ من الضفة الغربية مقراً لها، بعدما كانت هذه العلاقة قد انقطعت قبل عقد من الزمن.

لقد اعتبر المراقبون أن قيوداً سياسية خارجية هي التي دفعت حماس إلى اتخاد مثل هذه الإجراءات، وهم قد امتلكوا أسباباً وجيهة للوصول إلى مثل هذا الاستنتاج. فحماس كانت، ولاتزال إلى درجة معينة، مطوَّقة من مختلف الجهات. لكن مع ذلك، يُغفِل التركيز حصراً على الاعتبارات الخارجية معطيات كثيرة، ولايكفي لتفسير لماذا وكيف تتصرّف حماس على هذا النحو. فقد تجلّت قدرة هذه الحركة على مفاجأة المراقبين بوضوح في نيسان/أبريل 2018، من خلال سلسلة المظاهرات التي جرت عند السياج الحدودي لقطاع غزة.

عماد الصوص
باحث فلسطيني متخصّص في الحركات الاجتماعية والإسلامية

بدلاً من ذلك، يجب وضع ثلاثة عوامل إضافية في الاعتبار. أولاً، لاتستجيب قيادة حماس بشكل عشوائي للظروف الخارجية، بل تعمد إلى تقييمها بفعالية من أجل إدارة ردودها على النحو الأمثل. ثانياً، لاتمارس الضغوط الدولية تأثيراً مباشراً كبيراً على حسابات حماس، بقدر ماتنعكس على الرأي العام الداخلي الذي يطبع بدوره نظرة الحركة إلى الفرص والمعوّقات. وثالثاً، تتمايز حماس على الساحة الفلسطينية في أنها طوّرت منظمة ممأسسة لا مشخصنة، مزوّدة بآليات تربط قيادتها بالقاعدة الشعبية.

يساعد إدراك ديناميكيات حماس الداخلية هذه على تبيان كيف أن أفعالها تعكس خياراتها الاستراتيجية، ما يُتيح فهماً أفضل لطريقة تفاعل هذه الحركة مع الوقائع السياسية، وتقديمها للتنازلات واستثمارها من أجل زيادة مكاسبها إلى أقصى حد. وهذا بدوره يُتيح للمراقبين إدراك كيف تُحقّق حماس أهدافها، وتدير التحديات، وتحافظ على بقائها، على رغم العوائق الهائلة التي اعترضتها في الأعوام الأخيرة. لهذه المرونة الديناميكية وقع خاص في وقتٍ تُظهر فيه حركة فتح، وهي خصم حماس الأساسي، مؤشرات على الانحلال وغياب التماسك، وفي حين يمرّ عدد كبير من البنى السياسية الفلسطينية في أزمة، وتواجه الحركة الوطنية الفلسطينية مأزقاً غامضاً.

صداع الحكم

أنشئت حماس عشية الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993) باعتبارها "حركة مقاومة إسلامية". ولطالما سعت الحركة إلى الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، لكن ذلك لم يرَ النور البتة. ففتح تسيطر على منظمة التحرير منذ العام 1969، وليست على استعداد لتسليم حماس أي جزء من سلطتها. لقد رفضت حماس اتفاقات أوسلو للعام 1993 وما أعقبها من مفاوضات مع إسرائيل. وعندما أفضت هذه العملية إلى انتخاب رئيس فلسطيني ومجلس نواب فلسطيني في العام 1996، في إطار ما كان يُفترَض أنها سلطة فلسطينية مؤقّتة في الضفة الغربية وغزة، رفضت حماس الانضمام إلى هذا المسار.

في العام 2000، اندلعت الانتفاضة الثانية، غداة فشل عملية أوسلو في إنشاء دولة فلسطينية، وأدّت حماس دوراً نشطاً في الاحتجاجات، مرسِّخةً مكانتها في المجتمع الفلسطيني. وبعد تحديد موعد لإجراء انتخابات نيابية جديدة في كانون الثاني/يناير 2006، قررت حماس المشاركة، على الرغم من مواصلتها رفض عملية أوسلو. وسرعان ما أظهرت قدرة لافتة على التعبئة ضدّ السلطة الفلسطينية، ماساهم في قذفها إلى تحقيق انتصار انتخابي كاسح.

قوبِل ذلك الانتصار، الذي أسفر عن انضمام حماس إلى الحكومة لأول مرة، بردّ دولي قاسٍ. فقد سعت اللجنة الرباعية حول الشرق الأوسط – وهي هيئة مؤقتة أنشئت للتوسّط في محادثات السلام الشرق أوسطية مؤلَّفة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة – إلى فرض شروط على حماس مقابل مواصلة المفاوضات. اشتملت هذه الشروط على الاعتراف بإسرائيل، والقبول بالاتفاقات السابقة معها، ونبذ العنف. وعندما رفضت حماس الامتثال لهذه الشروط، اتّخذت إسرائيل والولايات المتحدة خطوات الهدف منها توليد استياء شعبي ضد حكومة حماس في غزة والضفة الغربية. فقد توقّفت إسرائيل عن تحويل الإيرادات الضريبية إلى الحكومة الفلسطينية الجديدة بقيادة حماس، في حين توقّف الداعمون الغربيون عن دعم الموازنة. حتى المصارف الخاصة أنهت تعاملها مع الحكومة الجديدة، خوفاً من العقوبات. وتحت تأثير هذه الضغوط، اتّفقت حماس مبدئياً مع فتح على تشكيل حكومة وحدة وطنية في العام 2007، بيد أن الجهود الهادفة إلى الإطاحة بها استمرت. مع ذلك، باءت هذه الجهود، التي قادتها قوى الأمن الفلسطينية الموالية لفتح، بالفشل، ما أظهر قدرة حماس الكبيرة على المناورة داخلياً.

تصاعدت حدّة الصراع على السلطة بين فتح وحماس للسيطرة على مؤسسات السلطة الفلسطينية خلال تلك المرحلة، إلى حين اندلاع موجة عنف واسعة النطاق في حزيران/يونيو 2007، عندما خاضت الحركتان مواجهة عسكرية في غزة. وقد خرجت حماس مظفّرة من المواجهة، ما أتاح لها السيطرة على مؤسسات السلطة الفلسطينية في القطاع. أحدث ذلك انقساماً في المناطق الفلسطينية، حيث تولّت حماس حكم غزة، وحركة فتح حكم الضفة الغربية، محتفظةً، انطلاقاً من ذلك، بالسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية. وفي حين أدّى رفض حماس الإذعان إلى الشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية الدولية إلى زيادة مؤقتة في الدعم الشعبي لها، إلا أن ذلك لم يساعدها على تخطّي التململ الشعبي المتنامي من الحصار المشدّد الذي فُرِض على غزة جراء فوز حماس، والذي بدأ ينتقص من شعبيتها.

برّر قادة حماس سيطرتهم العسكرية في العام 2007 بالقول إنها جاءت كرد فعل على انقلاب تُخطط له فتح، غير أن خطواتهم أقحمتهم في موقف صعب. فقد تجاوزت الحركة الخطوط الحمراء التي وضعتها بنفسها، والتي تلتزم بموجبها الإحجام تماماً عن قتل الفلسطينيين أو مهاجمة مجموعات فلسطينية أخرى، وأحكمت قبضتها بقوّة على السلطة في غزة، لكنها خسرت أيضاً سمعتها في عيون عدد كبير من السكان الذين كانوا ينظرون إليها على أنها حركة أكثر تمسّكاً بالمبادئ.

حتى لو مسّ هذا الوضع مكانة حماس، إلا أنه كان ممكناً التحكّم به. لقد أقدمت السلطة الفلسطينية على إقالة الحكومة بقيادة حماس بعد سيطرة الأخيرة على غزة. ترافق ذلك مع قرار بالاستمرار في تمويل رواتب موظّفي السلطة الفلسطينية في القطاع، ما أتاح لحماس الاحتفاظ بقاعدة من الموالين هناك. وقد ردّت حماس بإنشاء إدارة موازية، فاستخدمت آلاف الموظفين الذين رفضت السلطة الفلسطينية تسديد رواتبهم. وبغية التصدّي إلى القبضة الخانقة التي فرضتها إسرائيل ومصر على غزة، راحت حماس تشجّع على نمو "اقتصاد الأنفاق"، حيث كان النشاط الاقتصادي يتم عن طريق مئات الأنفاق التي حُفِرت تحت الحدود بين غزة ومصر. فساهم ذلك في تأمين وظائف لأبناء غزة، وفي حصولهم على السلع بأسعار زهيدة، فتجدّد شعورهم بالرضى.

نتيجة للنشاط عبر الأنفاق، ارتفعت إيرادات حماس، وتراوحت بحلول العام 2009، بين 150 و200 مليون دولار سنوياً، وارتفع هذا الرقم إلى نحو 375 مليون دولار في العام 2011، عند سقوط نظام الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك. خلال المرحلة نفسها، تراجعت نسبة البطالة في غزة من 45 إلى 32 في المئة. فأسفر ذلك عن تعزيز استقرار حكم حماس، وعن اضطلاعها بدور إقليمي أكبر بعد انتخاب محمد مرسي رئيساً لمصر في العام 2012. بدا أن كل هذه المعطيات تحمل وعوداً بإنهاء عزلة حماس.

كانت القيادات الفلسطينية المتنافسة تطلق، دورياً، تعهّدات بالمصالحة، وفي بعض الأحيان، اتُّخِذت خطوات محدّدة لتحقيق ذلك، مثل المفاوضات الموسّعة في العام 2011. عموماً، ضُعف هذا الطرف أو ذاك في مرحلة معيّنة، وأحياناً ضعف الطرفَين معاً، هو الذي كان يؤدّي في بعض الأحيان إلى انطلاق جهود للعمل من أجل الوحدة. إلا أنه لم يكن أيٌّ من الطرفَين مستعدّاً للتخلّي عن السلطة في منطقة نفوذه، وتعاطى الأفرقاء الدوليون مع المسألة بحذر، حتى إن بعضهم كان مناوئاً لهذه المحاولات.

تبدّلت الأمور نحو الأسوأ بالنسبة إلى حماس بعد تموز/يوليو 2013، عندما أطاح الجيش المصري بمرسي والمنظومة السياسية بقيادة جماعة الإخوان المسلمين، التنظيم الشقيق لحركة حماس. وقد وضع النظام الخاضع لسيطرة الجيش في القاهرة حداً لاقتصاد الأنفاق، ما أدّى إلى تفاقم تأثير الحصار على غزة. فنتجت عن ذلك ضغوطٌ اقتصادية أرغمت حماس على القبول باتفاق الشاطئ المُبرم في 23 نيسان/أبريل 2014، في تطوّر غير مسبوق في تاريخ العلاقة بين فتح وحماس كان الهدف منه السماح للسلطة الفلسطينية بقيادة فتح ببسط حكمها على غزة من جديد. انهار الاتفاق غداة الحرب بين حماس وإسرائيل في صيف 2014، نظراً إلى تركيز الحركتين الفلسطينيتين على التمترس خلف مواقفهما بدل المصالحة. بيد أن الانفراج الوجيز كشف النقاب عن أن حماس تبحث عن سبيل للخروج من المأزق في غزة بطريقة من شأنها تعزيز شعبيتها في الداخل.

حماس تختار التجدّد

في مطلع العام 2017، وفي خضم التأزّم المستمر في العلاقات بين حماس وفتح، واجهت حماس أزمة من جديد. ففي محاولة لزيادة الضغوط على الحركة، عمدت السلطة الفلسطينية إلى قطع الرواتب عن بعض الموظفين التابعين لها في غزة، فضلاً عن وقف أشكال أخرى من الدعم للقطاع، لأن هذه الإيرادات كانت تساهم في تسهيل استمرار حماس في فرض حكمها في غزة عبر الحد من الاستياء. لقد استنتجت الحركة أنه على الرغم من التململ الواسع من السلطة الفلسطينية، "من شأن الغضب الشعبي أن ينصبّ على حكم [حماس]"، على حدّ تعبير أحد الناشطين.1 ومع انهيار اقتصاد الأنفاق وقيام السلطة الفلسطينية بفرض إجراءات عقابية، طفح الكيل بالغزاويين، نظراً إلى البؤس الذي كانوا يعيشون فيه. كان أمام حماس خياران لا ثالث لهما، إما "المصالحة مهما كان الثمن" وتسليم إدارة غزة إلى فتح، وإما القبول بـ"كارثة محتّمة".

هذا الواقع الجديد أرغم حماس وناخبيها على التحلّي بالبراغماتية في التعاطي مع التحدّيات الداخلية والخارجية التي كانت الحركة تواجهها. وهكذا، أوصلت انتخابات حماس في شباط/فبراير وتشرين الأول/أكتوبر 2017، صالح العاروري إلى منصب نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ويحيى السنوار إلى رئاسة الحركة في غزة. وفي حين صُنِّف الاثنان في خانة المتشدّدين، إلا أنهما تحرّكا باتجاه التوصّل إلى اتفاق مصالحة مع السلطة الفلسطينية. بدت الصعوبات المحيطة بهذه المسألة عصيّة على الحل، بيد أن مكانة القياديَّين كسجينَين سابقين لدى إسرائيل، وكونهما وجهَين جديدين، منحتهما هامشاً للتحرك ودَفْع حماس في اتجاه جديد. ووفق ما ذكر السنوار في اجتماع مع النقابات المهنية في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2017، كانت المصالحة قراراً جماعياً من الحركة في الداخل والخارج.

بموجب اتفاق المصالحة الذي تمّ التوصل إليه، يُفترَض بوزراء السلطة الفلسطينية في رام الله السيطرة رسمياً على البنى السياسية في غزة، مع إنهاء حماس أيّ دورٍ لها في الحكم هناك. بيد أن التنفيذ التام يبدو مستبعداً في الوقت الراهن. تتولّى حكومة موحّدة في رام الله حكم غزة اسمياً،فسيطرتها الفعلية على البيروقراطية هناك متزعزعة وغير مختبَرة. وغالب الظن أن العديد من المسائل العالقة، مثل إصرار حماس على الاحتفاظ بجناح مسلّح، ستظلّ من دون حل. لكن حتى لو بقيت أجزاء من الاتفاق مجمّدة، فقد أتاح لحماس تسليم مسؤولية الحكم من دون خسارة تأثيرها على جزء كبير مما يجري في غزة. فعلى الرغم من أن الهجوم بعبوة ناسفة الذي استهدف، في آذار/مارس 2018، رئيس وزراء السلطة الفلسطينية رامي الحمد الله، أثناء زيارته قطاع غزة، أدّى إلى تفاقم التوترات، إلا أنه فشل في التسبّب بانهيار التفاهم بين فتح وحماس.

لماذا كانت حماس على استعداد للتوقف عن حكم غزّة؟ وكيف أدّى انتخاب مايبدو أنها شخصيات متشددة إلى إضعاف قبضتها على السلطة وإلى إيديولوجيا أكثر مرونة؟ أفرزت القيود الخارجية، التي تستغل الاستياء العام في غزّة، ضغطاً هائلاً على حماس، ما جعل قادتها يدركون أنّه لم يعد بإمكانهم الاستمرار بالحكم، ناهيك عن إمكان انتظار فكّ الحصار. مع ذلك، كانت لدى حماس أيضاً خيارات، إذ أظهرت في العام 2017 أنّه لايمكنها الردّ من خلال تقبّل الهزيمة بشكل سلبي، بل بتحويل الأزمة إلى فرصة.

تمكّنت حماس من القيام بذلك لأنّ مداولاتها الداخلية تجري بطريقة تسمح ببروز وفاق واسع. والواقع أن هذه الحركة لطالما سعت إلى وضع آليات تسمح لها بالحفاظ على نفسها، وصون الروابط بين القيادة والقاعدة، والتأكد من أنّ أعضاءها متحدّون حول بناها والاستراتيجية المشتركة. لذا، عندما واجهت حماس تحديات خارجية، وعزلة جغرافية، ونقصاً في الحلفاء، واستياءً شعبياً متزايداً في العام 2017، ردّت من خلال انتخاب قيادة جديدة. وخلال هذه الفترة، غيّرت أيضاً ميثاقها في عملية طويلة الأمد وواسعة النطاق، ما أوحى بوجود رغبة في التوصّل إلى تسوية، من دون التنكّر رسمياً لمواقف الماضي. وجاءت هذه التحرّكات التي تهدف إلى إعطاء زخم جديد للحركة، كجزء من استعداد حماس للانسحاب من دورها الحاكم في غزة.

في حين أنّ لدى حماس مؤسسات لصنع القرار، إلا أنّها تحقق مكاسب من خلال قدرتها على ترسيخ خياراتها في التفاعلات بين هذه المؤسسات والناشطين المحليين من جهة، وبين الحركة والجمهور الأوسع من جهة أخرى. ويشدّد نشطاء حماس على أنّ جميع الأعضاء كانوا منخرطين في اتخاذ القرار بشأن عدد من الخيارات الاستراتيجية في السنوات الأخيرة، من خلال المنتديات التي تكفل مناقشات مكثفة - بما في ذلك المشاركة في الانتخابات المحلية أو التشريعية، للموافقة على هدنة مع إسرائيل أو على محادثات مصالحة مع حركة فتح.2

إنّ الآلية التي تستخدمها حماس للحوار الداخلي، هي التجمّعات الشهرية التي تطلق عليها اسم "ليلة كتيبة"، حيث يتشاطر قادتها أفكار الحركة مع جميع الأعضاء في كل منطقة.3 كما أنّها تعتمد على الهيئات المحلية لإنشاء شبكات غير رسمية تقوم على علاقات القرابة والصداقة والجيرة. إضافةً إلى ذلك، تبني هذه الهيئات المحلية لائحة معلومات عن أوضاع السكان عن طريق إجراء الدراسات الاستقصائية وتسجيل الأشخاص في قاعدة بيانات خاصة بالحركة.4 هذا ما يمكّنها من استشعار المزاج العام بشأن القضايا، ولاسيّما موقفه وسلوكياته العامّة تجاه تصرّفاتها وخياراتها السياسية.

ماذا يخبّئ الغد لحماس؟

هل كانت الإجراءات التي اتخذتها حماس في العام 2017 أكثر من مجرّد ترتيب سريع؟ ستعتمد قدرة حماس على إعادة ترسيخ موقعها، على استعادة الدعم الشعبي الذي كانت تتمتّع به في غزة، فضلاً عن نجاحها في إعادة بناء التحالفات الإقليمية للتخفيف من عزلتها السياسية والجغرافية. ويستند تحقيق اختراقات على هذه الجبهات على إمكانات الحركة التنظيمية وعلى خياراتها الاستراتيجية.

لقد انخفض بشدّة الدعم الذي تحظى به حماس نتيجة سيطرتها العسكرية على غزة والمحافظة على النظام من خلال وطأة وسطوة قوّاتها الأمنية. وهي أدركت أنّها مضطرة إلى السعي إلى تسوية إذ أسفر العنف عن مقتل العشرات، ما أدّى إلى خلق مرارة لدى العائلات  المحلية المؤثّرة. هذا علاوةً على أن التفاعل الاجتماعي والسياسي بين حماس والجمهور بدّل مقاربتها الأولية، من القدرة على التواصل المباشر وغير المقيّد إلى حدٍّ كبير مع الجمهور، إلى تماسٍ أكثر محدودية يناسب سلطة حكم استبدادية. لذا، سعت حماس إلى عكس مسارها مرّة أخرى، لتقديم نفسها كحامية للسكان، بدلاً من أن تكون قوّة تراقب المجتمع وتقمع المعارضة السياسية.

لدى حماس سجلّ حافل في مجال تجديد نفسها. فخلال الانتفاضة الثانية بين العامين 2000 و2005، وبعد سنوات من القمع من جانب السلطة الفلسطينية في وقت كانت تتواصل فيه المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، تمكّنت الحركة من إقناع الكثير من الفلسطينيين  بأنّ اعتقال كوادرها وتعذيب بعض كبار قادتها كان بسبب دفاعهم عن المصالح الوطنية.5

لكن، وفي حين سمحت فترة ما بعد العام 2007 للحركة بالانتظام بحرية على المستوى المحلّي في جميع أنحاء غزة، فإنّ مطالبتها الحالية باستعادة الدعم الشعبي قد تكون أكثر صعوبة. وقد يسهّل قرارها التخلّي عن الحكم في القطاع والعمل لصالح المصالحة الفلسطينية، خصوصاً المصالحة المجتمعية في غزة، هذه المهمة، إلا أنّ أعداء الحركة لن يسهّلوا عملية استعادة مكانتها السابقة.

على المستوى الإقليمي، تحاول حماس إحياء علاقاتها السابقة في بيئة شديدة التناقض. فالشرق الأوسط منقسم بين تحالفَيْن، الأوّل تقوده السعودية ويضم مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، والثاني تقوده إيران ويضم سورية وحزب الله، فيما حماس عالقة بين هذين القطبين. في سبيل سدّ الفجوة مع المعسكر الذي تقوده السعودية، قبلت حماس بعض الغموض حيال حلّ الدولتين في ميثاقها المعدّل، كما أسقطت أي إشارة إلى صلتها بجماعة الإخوان المسلمين التي تعتبرها مصر والسعودية تنظيماً إرهابياً، وذلك على النقيض من الطريقة التي قدّمت من خلالها نفسها في الماضي. ومع ذلك، مثل هذه الجهود ستكون معقّدة لأنّ يحيى السنوار وصالح العاروري يأتيان من الجناح العسكري للحركة الذي لطالما كانت إيران على رأس داعميه.

من غير المرجّح أن تتمكّن حماس من الإبحار في خضم الانقسام الإقليمي لفترة طويلة، إذ أنّه قوي ومرير للغاية بحيث سيكون من الصعب على الحركة الاحتفاظ بموطئ قدم في كلا المعسكرين. واليوم، تُعدّ مصر وإيران المنافستان الرئيستان على حصد ولاء حماس، وتتمتع كلّ منهما بأهمية في ما يتعلّق بأولوياتها السياسية المحدّدة، والتي تُعتبر في حدّ ذاتها انعكاساً لهويتها متعدّدة الأوجه.

تدهورت علاقات حماس مع مصر بعد عزل الرئيس محمد مرسي من السلطة. وعلى الرغم من ذلك، لايمكن للحركة أن تكون على علاقة سيئة مع أكبر دولة عربية والجار الذي يسيطر على شريان الحياة الرئيسي في غزة، أي الحدود التي يبلغ طولها 12 كيلومتراً جنوب غرب البلاد. كما أنّ مصر هي الجهة الوحيدة التي تستطيع إقناع السلطة الفلسطينية بتنفيذ اتفاق مصالحة مع حماس، ودفع إسرائيل إلى الموافقة. من جانبها، تحتاج مصر إلى تعاون حماس في محاربة الدولة الإسلامية، وهو عدو مشترك تم احتواؤه فعلياً في غزة، لكن ليس في شبه جزيرة سيناء حيث يستمر التمرّد.

وفي الوقت نفسه، هناك قوى قوية تجتذب حماس إلى المعسكر الإيراني، حتى إن ساءت العلاقة في العام 2012، حيث كان خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للحركة، يدعم علناً الانتفاضة ضد النظام السوري، الحليف الإقليمي الرئيس لإيران. غير أنّ حماس في حاجة إلى دعم إيران المالي الذي تم تعليقه بعد هذا الانشقاق، لمواصلة أنشطتها الاجتماعية والسياسية. قد تسمح إعادة بناء التحالف لحماس باستئناف تقديم الخدمات للسكان وتساعدها في استعادة مكانتها الإقليمية كمعارض رئيس لإسرائيل. بدورها، تعتقد إيران أنّ تجديد العلاقات مع حماس سيسمح للجمهورية الإسلامية باستعادة سمعتها كقائدة "محور المقاومة" الإقليمي، وليس فقط كراعية ائتلاف شيعي طائفي.

يشير السياق الإقليمي إلى أنّ قوّة الجذب الإيرانية قد تكون أقوى، لأنّها تستند إلى توافق آراء استراتيجي وطويل الأمد، وقد وصف العاروري العلاقة بأنّها مبنية على "أرضية صلبة". وفي المقابل، يبدو أنّ الروابط مع التحالف بقيادة السعودية هو وفاق أكثر منه تحالف قوي. لكن الدرس الذي استخلصته حماس من فشل تحالفها مع جماعة الإخوان المسلمين بعد الانتفاضات العربية في العام 2011، هو أنّه من الأفضل عدم الارتباط بإطار إيديولوجي، بل تحقيق مصالحها وفقاً للظروف. وقد شدّد محمود الزهار، أحد قادة حماس، على هذا الأمر قائلاً: "لسنا في مرحلة رفاهية ... لندخل في لعبة المحاور الأقليمية ".

لكن السعي الهادئ لتحقيق مصالح حماس قد يكون صعباً اليوم. إذ إنّ الاستقطاب الإقليمي بين المعسكرين اللذين تقودهما السعودية وإيران لايترك مجالاً كافياً للحركة للمناورة كما يحلو لها. كما أنّ حماس في أضعف حالاتها داخلياً وإقليمياً منذ تأسيسها في العام 1987، ما يعني أنّها ليست في وضع يمكّنها من تأليب طرف ضدّ الآخر. فأي محاولة من قبلها لاستغلال أحد المعسكرَيْن، ستثير مشاكل مع المعسكر المنافس.

السير على خطى فتح؟

برزت حماس بين الجماعات الفلسطينية من حيث قدرتها على الحفاظ على قوّتها وفعاليتها مع الزمن، فيما حافظت على وحدتها وتماسكها. لكن إذا كانت الحركة قوية، فإنّ استراتيجيتها كانت أكثر إشكالية. فقد سلّطت سيطرة حماس على غزة الضوء على التناقض بين دور المقاومة في الحركة، الذي يهدف إلى الدفاع عن الفلسطينيين، وبين مهامها في الحكم، ما كان يعني في كثير من الأحيان فرض سيطرة صارمة وغير شعبية على السكان.

لذا، تفاعلت حماس مع جمهور الناخبين في العام 2017 من خلال استقدام قيادة جديدة، وإدخال تلميحات إلى التسوية في ميثاقها، وإظهار استعداد أكبر للتكيّف مع الوقائع السياسية الفلسطينية والداخلية والإقليمية. في مقارنة قد يجدها قادة حماس مقيتة، كان على الحركة أن تدير التوترات نفسها التي واجهتها فتح في وقت سابق في الفترة التي تلت كل انتفاضة فلسطينية، عندما سعت إلى إعطاء الأولوية لاستراتيجية سياسية حول المقاومة المسلحة. وأدّى أداء فتح غير المقنع آنذاك مباشرة إلى هزائمها الانتخابية في الانتخابات المحلية في العام 2004 والانتخابات التشريعية في العام 2006.

قد تكون حماس كتنظيم  أقوى من فتح، لأنّ لديها قدرة أكبر على التأنّي واتخاذ قرارات جماعية وحتى ممارسة عملية التصويت داخلياً. لكن في حين أنّه من المرجّح أن تبقى الحركة وتجدّد نفسها، إلا أنّها تواجه مشكلة حقيقية على هذا الدرب. فليس لدى القيادة الجديدة لحماس حلّ واضح للفراغ الاستراتيجي الذي يكمن في قلب الحركة الوطنية الفلسطينية التي تسعى إلى قيادتها.

هوامش

1 مقابلة أجراها المؤلّف مع ناشط في حركة حماس، غزة، تشرين الثاني/نوفمبر 2017.

2 مقابلة أجراها المؤلّف مع ناشط في حركة حماس، غزة، 30 نيسان/أبريل 2012.

3 مقابلة أجراها المؤلّف مع ناشط في حركة حماس، غزة، 9 نيسان/أبريل 2012.

4 مقابلة أجراها المؤلّف مع ناشط في حركة حماس، غزة، 15 آذار/مارس 2013.

5 مقابلتان أجراهما المؤلّف مع ناشطين في حركة حماس، غزة، 12 آذار/مارس و18 آذار/مارس 2012.