لم يعد لحديث الحكومات الغربية عن الالتزام بالقيم العالمية للديمقراطية الكثير من المضمون. فمن جهة أولى، ورطت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ما إن أطلقت «الحرب العالمية على الإرهاب»، الولايات المتحدة وبلدانا أوروبية عديدة في انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان أوقعت ضحاياها في أفغانستان وباكستان وفي العراق وفي بلدان عربية وإسلامية أخرى، وكذلك بين جاليات ذات أصول عربية وإسلامية تقيم في الغرب.

وانتقلت مسارح جرائم القتل والتعذيب وجرائم الاختفاء القسري وجرائم تدوير المختفين والمحتجزين عبر أجهزة الاستخبارات من قاعدة باجرام (أفغانستان) إلى سجن أبو غريب (العراق) ومنهما إلى سجن غوانتانامو (كوبا) وفيما بينها الكثير من سجون الاستخبارات السرية التي تواجدت أيضا على الأرض العربية. وإلى اليوم لم تتخلص «زعيمة العالم الحر» من تلك التركة الكارثية التي تراكمت منذ 2001، ولم يسفر لا اعتذار إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عن الانتهاكات ولا اضطلاع لجان بالكونغرس بمهمة توثيق الانتهاكات من خلال تقارير أعلنت بعض مقاطعها على الرأي العام الأمريكي والعالمي سوى من استعادة الولايات المتحدة لنزر قليل من المصداقية الديمقراطية.

من جهة ثانية، تواصل اندفاع الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا، لتوظيف الأدوات العسكرية على نحو يتناقض مع قيم الديمقراطية:

1) في سياق الحرب المستمرة على الإرهاب التي لم يعتبر بها الغربيون لضرورة المزج بين ضربات «الطائرات دون طيار» والضربات الصاروخية وبين مساعدة البلدان التي تنتشر فيها البيئات القابلة للإرهاب وللعنف في العالم العربي ـ الإسلامي وفي بعض مناطق غرب افريقيا على لملمة أشلاء دولها الوطنية وعلى التأسيس لسيادة القانون وعلى مواجهة الفقر والتخلف والتطرف بجهود تنموية جادة.

2) في سياق العصف بسيادة بعض البلدان وتفتيت دولها الوطنية غزوا واحتلالا كما حدث في أفغانستان والعراق أو تدخلا عسكريا مباشرا في الحروب الأهلية كحالة الصومال في تسعينيات القرن الماضي أو دورا عسكريا محدودا يقتصر على الضربات الجوية وعلى تسليح بعض المجموعات المحلية لحسم صراع على السلطة ثم ترك الأمور لحروب الكل ضد الكل العبثية كما في ليبيا وسوريا الآن.

3) في سياق استخدام القواعد العسكرية لحماية حكومات مستبدة وسلطوية والحفاظ على بقائها لكونها تضمن مصالح الغرب الحيوية، ولتذهب الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات إلى الجحيم.

من جهة ثالثة، وفي مقابل الاندفاع لتوظيف الأدوات العسكرية في سياقات الحرب على الإرهاب وحماية المصالح الحيوية دون اعتبار للقيم الديمقراطية، يتلكأ الغرب في تحريك جيوشه وأساطيله وحاملات طائراته لمنع أو لإيقاف مذابح وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية والتصفية العرقية والحروب الدينية حين تدور رحاها في مناطق لا أهمية استراتيجية كبرى لها وتفرض خرائط دمائها على بلدان لا مصالح حيوية للولايات المتحدة وللأوروبيين فيها أو حولها. وبذلك يتنصل الغرب، كما دلل تعاطيه مع مذابح التصفية العرقية لمسلمي الروهينجا في بورما وقبلها فيما خص الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك والإبادة في رواندا في التسعينيات والكثير من الحروب والمذابح التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، من بقية التزاماته الأخلاقية والإنسانية التي أعلنها حين انتهت الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945 ) بهزيمة الحكومات النازية والفاشية وتحررت البشرية من جرائمها المروعة وتضمنت صون حق الأمم والشعوب في الحياة وتقرير المصير والسلم العالمي وعدم السماح أبدا بتكرر فظائع الإبادة والحرق والقتل والدمار والجرائم ضد الإنسانية.

من جهة رابعة، لم تتنازل الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلفاؤها في أوروبا عن النزوع المستمر للهيمنة على العالم عبر فرض التبعية العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والتجارية على البلدان غير الغربية، وعبر مواصلة تطوير وإنتاج العتاد العسكري التقليدي وأسلحة الدمار الشامل واستتباع الكثير من البلدان بسباقات التسلح وبصادرات السلاح وبعروض «الحماية نظير القواعد والتسهيلات العسكرية»، وعبر الترويج الدائم لخطاب التفوق الغربي. والحصيلة هي أن البشرية لم يسبق لها أن عانت من مثل ذلك الكم المرعب من الحروب الأهلية والمذابح وجرائم الإبادة وأعمال الإرهاب والعنف التي تعصف اليوم بوجودنا الإنساني، ولم تقترب أبدا من الدرجة الراهنة من التدجيج بالسلاح التقليدي وبأسلحة الدمار الشامل.

من جهة خامسة، ولأن الغرب يغلب الهيمنة على العالم واستتباع بلدانه على التقدم الجماعي لبشرية تتوازن وتحقق أممها وشعوبها تنمية مستدامة تقضي على الفقر والتخلف والجهل وتتخلص من شرور الحروب والإرهاب والعنف وفظائع الإبادة وغيرها وتتضامن علميا وتكنولوجيا وإنسانيا في مواجهة الأخطار البيئية والكوارث الطبيعية والتحديات الصحية المتجاوزة لحدود الدول الوطنية، لم تسفر سياسات دعم التنمية الأمريكية والأوروبية وبرامج نقل المعرفة العلمية والتكنولوجية والصناعية باتجاه البلدان غير الغربية والتي دوما ما يروج لها باعتبارها ترجمة مباشرة للقيم العالمية للديمقراطية سوى عن القليل من النتائج الإيجابية. لم تخرج أغلبية البلدان غير الغربية من وضعية التبعية للولايات المتحدة ولأوروبا، ولم تبتعد عن هوية المستهلكين الأبديين لإنتاج الغرب، ولم تتحول سوى باستثناءات قليلة (في آسيا كاليابان وكوريا الجنوبية والصين وفي أمريكا اللاتينية كالبرازيل) إلى المشاركة والمنافسة في التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.