يفترض في الدولة العصرية، وبغض النظر عن الرؤى الإيديولوجية والأولويات السياسية الموجهة لدورها، أن تلتزم في اقترابها من المجتمع وشرائحه قاعدتين رئيسيتين: الحياد والتوافق. فمن جهة أولى، لا تنظر الدولة حين تصيغ الأطر الدستورية واللوائح القانونية المنظمة لحركة الأفراد في المجال العام إلى انتماءاتهم الطبقية أو العرقية أو الدينية أو غيرها من الولاءات الأولية التي يفترض في فضاء المواطنة الرحب تخطي حدودها الضيقة.

فقط فيما يخص إدارة ترابطات المواطنين في المجال الخاص، تحديداً مجال العلاقات الأسرية والشخصية بقضاياه الشائكة مثل نظم المواريث وأعراف الزواج وخلافها، يتعين على سلطات الدولة احترام الخصوصيات وأخذها قانونياً وإجرائياً بعين الاعتبار. من جهة ثانية، تعتمد الدولة في تحديدها لمعنى الصالح العام وصنعها للقرارات المعبرة عنه وعلى الرغم من حقيقة احتكارها للاستخدام المشروع للقوة القسرية، تعتمد آليات توافقية تمكن إن بصيغ ديمقراطية تمثيلية أو غيرها من إشراك جموع المواطنين. فتحديد الصالح العام يمثل الجوهر الخالص للعملية السياسية، ويندر من غير مشاركة المواطنين وجود حالة متماسكة من الرضاء الشعبي لا يتسنى حتى للديكتاتوريات الحكم بدونها.

لا أرغب هنا في رسم صورة خيالية للدولة العصرية تجافي حقائق التاريخ، فالدولة تخلت بالقطع في أرجاء المعمورة المختلفة وفي لحظات متنوعة عن التزام قاعدتي الحياد وصناعة التوافق تجاه المجتمع وما تزال.

إلا أن ذلك لا يعني على الإطلاق فساد القاعدتين اللتين تشكلان قلب الفكرة العقدية في النظر إلى علاقة بين الدولة والمواطنين المنشئين لها (من خلال التنازل عن جزء من حقوقهم الفردية باعتبارها رابطة التزام متبادل).

وفي التحليل الأخير، تقدم قاعدة الحياد وصناعة التوافق المعايير الأخلاقية والقيمية والسياسية للحكم على مدى رقي أو تدني حركة الدولة ومؤسساتها في الواقع الفعلي.

بهذا المعنى، ربما كان من المفيد خاصة في ظل تجاذبات اللحظة الراهنة حول مضامين الأوضاع السياسية في مصر التأمل في المواقع التي تشغلها الدولة على محوري الحياد والتوافق.

وقناعتي بإيجاز هي أن الدولة المصرية، وبعد أن فقدت قدرتها على صناعة التوافق، في سبيلها إلى التخلي التام عن حيادها تجاه تشكيلات المجتمع الطبقية بتبنيها حزمة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تتجاهل مصالح القطاعات الشعبية العريضة بل وتهمش تحت يافطة «الإصلاحات الاقتصادية» ما تبقى من الشرائح الوسطى صاحبة الدور المركزي في ضمان استقرار البلاد على مدار القرنين الماضيين.

بعبارة أخرى، من يبحث الآن عن طبيعة ومكونات التحالف المجتمعي للدولة لن يجد فضلاً عن مؤسساتها العسكرية والأمنية والبيروقراطية المدنية غير النخبة الرأسمالية في مجتمع الأعمال والشرائح العليا من التكنوقراط وتلك نخبة وشرائح شديدة المحدودية والاهتزاز في دولة ليست بالغنية كمصر.

وعلى خلاف أولئك الذين يحلمون بنموذج اشتراكي تدير في إطاره مؤسسات الدولة كل شيء كما في العهود السالفة، تظل قناعتي هي أن البديل الوحيد لمثل هذا التوجه غير المسؤول إنما يتمثل في آليات الضبط الاجتماعي لعملية التحول إلى اقتصاديات السوق وممارسة الدولة لدورها في إعادة توزيع الموارد على نحو يحمي بفاعلية حق الضعفاء والفقراء ومحدودي الدخل في الحياة الكريمة. ولا ينبغي تأويل ذلك على أنه دعوة إلى دولة منحازة تعاقب الأغنياء على كدهم وتشجع الفقير على تكاسله وتزيد في نهاية الأمر من تعاسته، وتلك واحدة من المقولات مدعية الليبرالية والعصرية الرائجة بين ظهرانينا. فالأمر يتعلق هنا وفي سياق ليبرالي حقيقي بمسؤولية السلطة العامة، والدولة قلبها، عن تحقيق وصيانة عدالة الحد الأدنى في المجتمع والامتناع عن إنكار حضور شرائح الضعفاء والفقراء ومحدودي الدخل (مثلما أنكر مسؤول حكومي مؤخرا وجود فقراء في مصر). أما في باب غياب التوافق فحدث ولا حرج. مازالت الدولة المصرية تفرض اختياراتها قسراً على المواطنين وتحتكر حق التحدث باسمهم على الرغم من هشاشة إطاراتها التمثيلية (البرلمان نموذجا) والتفاوضية (اللجان الحكومية لفض المنازعات مع النقابات العمالية والمهنية). بالرغم من تشديد الخطاب الرسمي على قيم المشاركة الشعبية والشفافية وعلى رعاية الدولة لحقوق المواطنين،تظل الفاعلية المجتمعية لذلك الخطاب غائبة بحكم تواصل الفعل السلطوي للدولة وهيمنة مؤسساتها العسكرية والأمنية على السياسة. مصر اليوم تحتاج إلى إطلاق حوار حقيقي بين قوى المجتمع حول دور الدولة ومعنى السياسة، حوار يبحث في سبل استعادة حياد مؤسسات الدولة وصياغة توافق وطني حول هوية مصر التي نريد.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.