ثمة نقاش ممتع وثرى يتجدد اليوم فى الأوساط الفكرية والأكاديمية الغربية حول شروط التحول نحو الديمقراطية توظف فى سياقه الخبرات المعاصرة للمجتمعات العربية بصورة تستحق المتابعة.

فقد مر العديد من مجتمعات أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا فى الثلث الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادى والعشرين بتحولات سياسية متتابعة أبعدتهم عن أنماط الحكم الديكتاتورية والسلطوية، وأنتجت ترتيبات جديدة لإدارة العلاقة بين الدولة والمواطنين اتسمت بالانفتاح السياسى والتنافسية. منذ سبعينيات القرن الماضى، شرع مفكرون وأكاديميون غربيون فى طرح تساؤلات حول ما إذا كان يتعين على حكوماتهم تشجيع تلك التحولات ودعمها كى تؤسس لنظم حكم مستقرة ذات طبيعة ديمقراطية ليبرالية. تصاعد اهتمام الغرب بدعم التحول نحو الديمقراطية الليبرالية خارجه ليصل إلى حدوده القصوى فى بداية التسعينيات بعد انهيار حكم الأحزاب الشيوعية فى مجتمعات أوروبا الوسطى والشرقية وتبنيها ليافطات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان واقتصاد السوق، واستحال من ثم إلى قناعة بالحتمية التاريخية لانتصار الديمقراطية الليبرالية عالميا. غير أن أمورا كاستمرار الاستعصاء الديمقراطى فى بعض الدول الكبرى كروسيا الاتحادية والصين على الرغم من تبنى الدولتين لاقتصاد السوق وكذلك تعثر التحول نحو الديمقراطية فى بعض أقاليم العالم الحيوية كالشرق الأوسط وآسيا الوسطى على الرغم من انتفاضات العرب الشعبية فى ٢٠١١ وتنظيم انتخابات دورية وتنافسية فى بعض بلدان آسيا الوسطى، مثل هذه الأمور رتبت تدريجيا كبح جماح التفاؤل الغربى بانتصار الديمقراطية الليبرالية ودفع الإدارات الأمريكية المتعاقبة والحكومات الأوروبية إلى اختزال الاهتمام بدعم الديمقراطية فى الخارج إلى مجموعة بسيطة من الأدوات والممارسات هدفت لحماية حقوق الإنسان والحريات المدنية وتفاوتت حظوظها من الفاعلية من إقليم إلى آخر ومن دولة إلى أخرى.

تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
عمرو حمزاوي

باحث غير مقيم
برنامج كارنيغي للشرق الأوسط

المزيد من إصدارات الباحث

ذلك المد والجذر فى الغرب بشأن فرص التحول نحو الديمقراطية خارجه يشكل الإطار الفكرى والأكاديمى للنقاش الدائر حول شروط التحول نحو الديمقراطية وما يندرج تحته من إحالات إلى خبرات المجتمعات العربية المعاصرة. والفكرة الجوهرية هنا هى أن نجاح التحول نحو الديمقراطية يستلزم تحقق مجموعة من الشروط المجتمعية والسياسية المسبقة، أهمها سيادة حكم القانون واستقرار مؤسسات الدولة الوطنية وحياديتها التى بدونها تتحول آليات وظواهر كالانتخابات الدورية وتداول السلطة والتعددية الحزبية وتنوع كيانات المجتمع المدنى إلى واجهات خالية من المضامين والنتائج الديمقراطية. فى هذا السياق تستدعى حالات مجتمعات عربية كالعراق ولبنان والمغرب للتدليل على أن تنظيم الانتخابات التشريعية الدورية كآلية لإدارة التنافس السياسى فى مجتمعات لم يستقر بها بعد حكم القانون وتعانى إما من غياب الحيادية والفاعلية عن مؤسسات الدولة أو من هيمنة التشكيلات الطائفية والعرقية ليس له إلا أن يؤدى إلى تعميق التوترات المجتمعية والسماح للصراعات بين النخب السياسية والاقتصادية بأن تغزو كامل الفضاء العام وتضعف إلى حد الإلغاء الدولة الوطنية. لا تداعيات إيجابية إذا لتنظيم الانتخابات فى العراق ولبنان والمغرب طالما استمرت الظروف الراهنة، والأجدر بالنخب السياسية والاقتصادية فى البلدان الثلاثة أن تعكف على التأسيس لحكم القانون ولبناء الدولة الوطنية القادرة ذات المؤسسات المستقرة والحيادية عوضا عن إضاعة عوائد المجتمع ووقت المواطنين فى انتخابات تشريعية لا طائل من ورائها.

بجانب حكم القانون واستقرار مؤسسات الدولة، ثمة عوامل قانونية وسياسية ومؤسسية أخرى يشار إليها أيضا كشروط مسبقة للتحول نحو الديمقراطية مثل التسليم العام بشرعية الدولة المعنية فى حدودها المتعارف عليها وبرباط مواطنيتها المحدد فى إطارها الدستورى والقانونى وتنوع النخب السياسية والاقتصادية الممارسة للسلطة على المستويات الوطنية والمحلية على النحو الذى يضمن عدم تركز السلطة فى قبضة القلة ويؤدى إلى شىء من الفصل والرقابة المتبادلة بين ممارسى السلطة ويخدم من ثم الصالح العام. ففى العراق ولبنان والسودان واليمن على سبيل المثال ما زال التنازع حول طبيعة وهوية الدولة حاضرا بقوة، وعلاقة رابطة المواطنة بالولاءات الأولية للجماعات العرقية والمذهبية لم تحسم مؤسسيا بعد. تقارن خبرات البلدان العربية الأربعة بحالة مجتمعات أوروبا الغربية التى استقرت بها الدول الوطنية وقبلت شرعيتها شعبيا قبل قرون من تحولها نحو الديمقراطية. كذلك يقارن تركز السلطة فى بلدان كالمغرب والجزائر ومصر والأردن ودول الخليج فى يد القلة وتتعاقب على حكمها إما نخب تقليدية أو نخب أمنية، وما ينتجه تركز السلطة من طغيان للأجهزة التنفيذية وضعف بين فى أدوار واختصاصات المؤسسات التشريعية وفى استقلالية المؤسسات القضائية، تقارن جميع هذه الأمور بتعددية شبكات النفوذ والسلطة السياسية والاقتصادية فى مجتمعات أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية قبل إنجاز التحول نحو الديمقراطية.

ثم هناك شرط مسبق إضافى آخر يتجاوز حدود القانونى والسياسى والمؤسسى باتجاه المجتمعى العام، ويتعلق بحتمية توفر درجة من النمو الاقتصادى ومن تماسك الطبقة الوسطى كأمر لا غنى عنه لإنجاز التحول نحو الديمقراطية ولاستقرار الحكم الديمقراطى. واللافت هنا هو أن نفرا غير قليل من علماء السياسة المساهمين فى النقاش حول شروط التحول نحو الديمقراطية يجزم، وبعض الخبرات التاريخية والمعاصرة يعضد مثل هذا الطرح، بأن نظم الحكم السلطوية أقدر من النظم المتحولة حديثا نحو الديمقراطية على ضمان النمو الاقتصادى وتطوير المرافق الرئيسية كالتعليم والصحة والخدمات المدنية التى تحتاجها الطبقة الوسطى للازدهار. كثيرة هى المقارنات التى يوظفها ذلك النفر من علماء السياسة، بين سنغافورة المدارة سلطويا والناجحة بامتياز على مختلف الأصعدة المعيشية وبين جنوب إفريقيا التى تحولت ديمقراطيا لتتعمق إخفاقاتها الاقتصادية والاجتماعية، بين فنزويلا بديمقراطية حياتها السياسية منذ الخمسينيات وتوتراتها المجتمعية وانقلاباتها العسكرية التى لا تتوقف وشيلى التى مرت بفترة ديكتاتورية قاسية فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى إلا أنها تمتعت بمعدلات نمو اقتصادى عالية مكنتها من التحول لاحقا بنجاح نحو الديمقراطية. وفى العالم العربى، يقابل الثمن الاقتصادى والاجتماعى الباهظ الذى تحملته الجزائر فى التسعينيات حين أدخلت بعض الإصلاحات الديمقراطية «المتعجلة» بأوضاع الجزائر فى السبعينيات والثمانينيات، والمؤشرات المعيشية فى تونس قبل الإطاحة بزين العابدين بن على بالأحوال الاقتصادية والاجتماعية منذ ٢٠١١، وأيضا مصر قبل ٢٠١١ وبعد ٢٠١٣ على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية ومصر بين ٢٠١١ و٢٠١٣ حيث تعثر التحول الديمقراطى بفعل مقاومة مؤسسات الدولة القوية وخطايا القوى السياسية وانهارت مرافق مجتمعية حيوية.

بأفكار متنوعة، إذا، توظف الخبرات العربية للتحذير من اختزال البناء الديمقراطى فى تنظيم لانتخابات دورية وتداول للسلطة دون اعتبار لمجمل العوامل القانونية والسياسية والمؤسسية والاقتصادية والاجتماعية التى يتعين حضورها كشروط مسبقة لضمان نجاح واستقرار التحول الديمقراطى. غير أن المسكوت عنه يتمثل، من جهة، فى تجاهل تحولات ديمقراطية ناجحة حدثت واستقرت دون أن يتحقق جميع أو بعض الشروط سالفة الذكر، إن كان فى الهند الفقيرة أو فى سويسرا وكندا بالتنازع الذى استمر إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بين الجماعات العرقية المكونة لهما على طبيعة وهوية الدولة أو فى اليابان التى لم يحضر بها التنوع فى مراكز السلطة السياسية وشبكات النفوذ الاقتصادية قبل أن تفرض عليها المؤسسات الديمقراطية بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الثانية. من جهة أخرى، يصمت المحذرون من اختزال البناء الديمقراطى فى انتخابات دورية وتداول للسلطة، يصمتون عن حقيقة ضعف حكم القانون ومؤسسات الدولة الوطنية فى الكثير من المجتمعات المستبدة والسلطوية. يصمتون أيضا عن انتفاء مصلحة نخب الحكم فى دعم نشوء حكم قانون قوى ومؤسسات دولة فعالة ومحايدة خوفا من الانتقاص مستقبلا من امتيازات النخب وتداعيات ذلك الأمر بالغة السلبية لجهة شيوع الفساد وغياب عدالة الحد الأدنى الاجتماعية. يصمتون، أخيرا، عن كون ضعف حكم القانون وشيوع الفساد يقللان من فرص النمو الاقتصادى المتوازن ويهددان التوافق المجتمعى مما يلزم بتفضيل التحول التدريجى والمنظم نحو الديمقراطية على الرغم من ارتفاع التكلفة وعظم المخاطر.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.