اللغط الذي تناول الاعتراض على الجائزة التي حصلت عليها في "كان" المخرجة اللبنانية المبدعة نادين لبكي عن فيلمها الأخير "كفر ناحوم"، والهجوم الذي تعرضت له من قبل النائب اللبناني عن حزب الله نواف الموسوي، يخرج الى السطح مرة أخرى النقاش الدائر في محيطنا العربي حول طبيعة المجتمعات التي نريد. النائب الموسوي ربط، وبطريقة تبدو غير مفهومة، بين الجائزة وثقافة المقاومة معتبرا أنهما لا تجتمعان. "بلا لبكي بلا وجع راس. وقت الجد ما في غير سلاحك بيحميك"، هكذا صرح النائب، ضمن منظومة ثقافية يبدو أنها تعتبر الفن والإبداع إما ضد المقاومة أو لا يتقاطعان معها.

ثلاث قضايا أطرحها للنقاش لمحاولة تفسير ردة فعل النائب الموسوي، وجميعها تصب في القضية نفسها، ألا وهي رؤيتنا لطبيعة مجتمعاتنا داخليا ومن حيث تعاملنا مع المجتمع الدولي.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

السؤال الأول يتعلق بنظرتنا للحياة بشكل عام. هل نعتبر أن الحياة يجب أن تتوقف حتى يحل النزاع العربي الإسرائيلي؟ وهل المعاناة الهائلة للشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال الإسرائيلي تعني بالضرورة تغييب الفن أو تحريمه وعدم الاحتفاء بالإبداع والسينما وغيرها من الفنون ريثما تزول هذه المعاناة؟ بل هل تغييب الفن في صالح المجتمع والمقاومة؟ هل المطلوب أن نعود لثقافة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، الثقافة التي أدت بنا لأن نستفيق يوما لنكتشف أننا لم نخسر الأرض فحسب، بل خسرنا أيضا التنمية والديمقراطية التي أغفلنا العمل عليهما أملا في تحقيق الهدف الأسمى وهو التحرير، وإذ بنا نغدو من دون التحرير ومن دون الخبز ومن دون الحرية.

السؤال الثاني يتعلق بنظرتنا للعالم الخارجي. هل نريد مجتمعات تتعامل مع هذا العالم، تعطيه كما تأخذ منه، وتنظر إليه كشريك في الإنسانية، أم أننا نفضل التقوقع ونشكك في كل شيء يأتي من هذا الخارج؟ هل نحن ضد التكريم العالمي لمبدعينا من مبدأ أن التفاعل مع الحضارات الأخرى مرفوض وأن العالم الخارجي لا يكمن لنا إلا الشر ودوافعه ومبادراته كافة تجاهنا مشبوهة، أم أننا مع هذا التفاعل الذي من شأنه نقل إبداعنا للخارج والاشتباك الإيجابي مع الحضارات الأخرى؟

أطرح السؤال الثالث ليس من باب اليقين ولكن لاعتقادي بمشروعية الاستفسار. هل للهجوم علاقة بكون المحتفى بها امرأة؟ هل يتحرج البعض منا إذا كان المبدع أو الفنان امرأة، وهل تكون حدة الهجوم حينئذ أقسى مما لو كان الحاصل على الجائزة رجلا؟ ألم نحتف بنجيب محفوظ وأحمد زويل لنيلهما جائزة نوبل في الآداب والكيمياء؟ هل نخاف من نجاح المرأة في مجتمعنا الذكوري؟

الموضوع، في رأيي، أكبر من فوز مخرجة لبنانية بجائزة دولية. هناك صراع يجري على طبيعة مجتمعاتنا لا أعتقد أنه سيحسم لصالح جهة على حساب الأخرى، ولكنه أساس في مجال قبول التعددية ومختلف الآراء والتطلعات. ألا يستطيع الإنسان أن يكون مع المقاومة ومع تحقيق آمال الشعب الفلسطيني في تحريره من نير الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك مع الإبداع والابتكار والحقوق الكاملة للمرأة والتعامل مع العالم الخارجي وإعلاء القيم الإنسانية والديمقراطية والتعددية؟ حاول البعض في الماضي بيعنا هدفا أوحد متجاهلا الحاجة أيضا لمعالجة القضايا الأخرى، فلا تحقق هذا الهدف ولا ذاك. لا نريد أن ننتهي جميعا بمجتمعات أكثر فقرا وأقل حرية وأقل إنسانية أيضا، مجتمعات متقوقعة على حالها تحاول أن تخنق كل إبداع وكل تجديد وكل احتفاء بالحياة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.