جيد أن تلتفت بعض نخب الحكم العربية إلى فجوة المعرفة الفاصلة بيننا وبين عوالم الغرب الأمريكي والأوروبي وآسيا الناهضة، جيد أيضا توجه بعض الدول العربية لرفع معدلات الإنفاق الحكومي في مجالي التعليم والبحث العلمي. إلا أن اللافت للنظر هو الغياب شبه الكامل للنقاش العربي حول مفهوم مجتمع المعرفة والتحديات الكبرى التي يطرحها علينا.

ثلاثة عناصر رئيسية تصيغ حقيقة مجتمع المعرفة بكونه أضحى يفرض نفسه في اللحظة الراهنة ظرفاً موضوعياً لتحديد حظوظ الجماعات البشرية من النجاح أو الفشل، عناصر ثلاثة هي 1) تحول المعرفة بمكوناتها العلم والتكنولوجيا وتطبيقاتهما الفعلية إلى الخيط الناظم الرئيسي للحياة المعاصرة، 2) تجاوز وضعية الإنسان الفرد للسياق الحداثي وبه اقتصر تلقي المعرفة في الأغلب الأعم على الشكل المؤسسي المتمثل في مراحل التعليم المتعاقبة نحو نمط جديد يصبح معه تحصيل المعرفة ضرورة حياتية متجددة باستمرار، 3) تواكب إمكانات التقدم والتنمية المستدامة التي يطرحها الانتقال إلى مجتمع المعرفة مع تبلور أعباء اجتماعية واقتصادية وسياسية ترتب سرعة تكاثفها تغيراً جذرياً في مضامين قيمتي الحرية والعدالة وتستدعي بالتبعية مقاربات مجتمعية جديدة ومبتكرة.

التدبر في معاني هذه العناصر الثلاثة يظهر بجلاء أن التحديات التي يطرحها مجتمع المعرفة على العرب لا ينبغي اختزالها في مجرد السعي نحو تحديث مجالي التعليم والبحث العلمي، بل تتخطاها إلى إعادة تنظيم حياة الأفراد وقطاعات المجتمع ككل لتعبر عن مركزية العلم والتكنولوجيا وتطبيقاتهما الفعلية في الحياة المعاصرة بما يعنيه ذلك من ربط مؤسسي بين مبادئ حرية تداول المعلومات والشفافية والمسؤولية والمحاسبة والنقد الذاتي وبين أولوية التطوير المستمر لقطاعات المجتمع الحيوية. جوهر الأمر، إذاً، هو البحث في تدابير فعالة لدفع المجتمعات العربية تدريجياً نحو عصرنة شاملة تتعامل مع مجتمع المعرفة كمنظومة كاملة لا تقتصر على الجامعات ومراكز الأبحاث، بل تطال الاقتصاد والسياسة والثقافة والخدمة العامة وغيرها.

على صعيد آخر، من الخطأ النظر إلى مجتمع المعرفة بكونه بشارة سعادة كليانية تحمل في ثناياها الخير لكل البشرية. فلإمكانات التقدم والتنمية التي نراها اليوم ماثلة في حواضر الشمال وبعض حواضر الشرق وتبهرنا إلى حد الرغبة في التماهي التام معها، لتلك الإمكانات أوجه أخرى تعكس تسارع وتيرة أزمات خطيرة ترتبط بقيمتي الحرية والعدالة وطرائق تنظيمهما مجتمعياً. تتيح أدوات وتقنيات العلم الحديث والتكنولوجيا مساحات مطردة الاتساع لحرية الأفراد في الاختيار وإدارة شؤون حياتهم بكفاءة، غير أنها في ذات الوقت تحد كثيراً من مصداقية الأنساق الأخلاقية والقيمية (دينية ووضعية) التي أنيط بها دوماً صياغة ضوابط وحدود جمعية لممارسة الحرية الفردية. تصبح المجتمعات البشرية من ثم أمام اختيار صعب بين عصرنة الأنساق القيمية الراهنة وبين التطوير التدرجي لأنساق بديلة، وكلاهما بالغ الصعوبة ويصل مداه إلى قضايا وجودية كالحق في الحياة والموت.

وفي حين يبدو مجتمع المعرفة وكأنه قوة دفع مستمرة باتجاه معدلات أفضل للعدالة والمساواة بين البشر من خلال الوعد بنشر فوائد العلم والتكنولوجيا في كل أرجاء المعمورة وتخطي الفوارق الطبقية وحواجز النوع المميزة للرجال على حساب النساء، يدلل الواقع الفعلي على نقيض مثل هذه القراءة السطحية المتجاهلة لشمولية حقائق النظام الرأسمالي العالمي وتداعياتها المختلفة على المجتمعات الغنية والفقيرة. فكما أثبت عدد غير قليل من الدراسات المقارنة التي أجريت خلال السنوات الأخيرة، تتسع وتتعمق باطراد الهوة الفاصلة بين حظوظ الأغنياء والفقراء من المعرفة أفقياً على مستوى العالم ورأسياً داخل كل مجتمع، ومن ثم تتجسد وتتكرس اليوم في عالمين منفصلين للرابحين والخاسرين يعيدان إنتاج ذواتهما بصورة دائمة. هنا أيضاً تثير لحظة الانتقال إلى مجتمع المعرفة بكونها مرادفة لتعقد أزمة غياب العدالة تساؤلات كبرى تتعلق بكيفية ضبط التفاوتات والاختلالات الاجتماعية في سياق يضمن حد أدنى من الحقوق والفرص لخاسري اليوم من أهل الجنوب والفقراء في كل مكان، وفي موقع القلب من ذلك تجديد أنماط ومضامين التضامن للبشرية المعاصرة.

ومع أن بلاد العرب ليست ببعيدة عن تحديات قضايا الحرية والعدالة شأننا في ذلك شأن غيرنا، فإننا مازلنا نراوح بين تجاهل النقاش حول تحديات مجتمع المعرفة وبين التعامل معه على نحو تسطيحي كفردوس نهائي سبقنا إليه البعض ونسعى نحن له أملاً في التقدم السريع. نفعل ذلك دون إدراك لحقيقة العلاقة الجدلية بين الفرص والأزمات التي يطرحها مجتمع المعرفة، وكذلك دون تفكير منظم في سبل التعاطي معها. فماذا نحن فاعلون عندما يطرح العلم الحديث على مجتمعاتنا بتراثها الديني والقيمي تساؤلات من شاكلة حق المرضى الميؤوس من شفائهم في ممارسة حريتهم في الاختيار لإنهاء حياتهم؟ وما هو موقفنا من الهندسة الوراثية وتخليق الخلايا والكائنات الحية وصولاً ربما إلى تخليق الإنسان؟ وماذا نحن فاعلون عملياً إزاء ازدياد التفاوت بين حظوظ أغنياء وفقراء العرب من المعرفة والاختلاف الحاد في حظوظهم من فوائد العلم والتكنولوجيا وتبدى ذلك إقليمياً في هوة تتسع بين خليج يتقدم ومشرق ومغرب في تراجع؟ ليست إثارة مثل هذه القضايا بمثابة إفراط في التشاؤم، بل هي محاولة للتحفيز على إعمال العقل والنقاش الموضوعي.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.