ألقى دولة الرئيس عمر الرزاز البيان الوزاري للحكومة يوم الاثنين الماضي، وباعتبار أن هذه الحكومة ولدت من رحم اعتصامات الدوار الرابع، فقد عقدت عليها آمال كبيرة في تقديم بيان وزاري يعبر عن خطة واضحة لتغيير النهج التقليدي في إدارة الدولة، فهل فعلت الحكومة ذلك؟ خاصة وأن كتاب التكليف الملكي أشار لعبارات مثل "مشروع نهضة جديد" و عقد اجتماعي يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وغيرها من الإشارات التي أعطت الأمل بوجود إرادة سياسية حقيقية لتغيير النهج الحالي.

لا شك أن البيان أشار إلى أمور جوهرية وجديدة، فقد اعترف بفجوة الثقة بين الدولة والمواطن، والتزم بمضامين الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك حول أسس الدولة المدنية، إضافة إلى الالتزام بحوار وطني يؤدي إلى وضع خطة لتطبيق الأوراق النقاشية السبع، وهو ما لم تقم به أي حكومة سابقة.

لكن البيان أيضا افتقر إلى أطر واضحة لمشروع النهضة ولسبل الوصول للعقد الاجتماعي، ولم يتحدث عن الإصلاح السياسي إلا في فقرة قصيرة دون الكشف عن أي تفاصيل، فمقولة الاستمرار في الإصلاح السياسي لا تقنع أحدا بعد أن أصبح واضحا أن الاستمرار في عملية الإصلاح السياسي الحالية لن تؤدي إلى تقاسم السلطات وضمان عدم تغول واحدة على أخرى كما جاء في الأوراق النقاشية. كما لم تتضمن التزامات الحكومة للمائة يوم الأولى أي إجراءات تتعلق بإصلاحات سياسية جادة. وليت البيان لم يُشرْ إلى "قائمة التمنيات والآمال الفضفاضة" فقد استعملت الحكومات السابقة مثل هذه التعابير لقتل أي طموح ليس لغاية تقديم حلول سحرية آنية، ولكن للالتزام بوضع خطة متكاملة يتناغم فيها الإصلاح السياسي والاقتصادي معا، مع الالتزام بوجود إرادة سياسية لوضع هذه الخطة موضع التنفيذ.

أزعم أنني أعرف تفكير دولة الرئيس كما معدنه، وهو شخص نقي نظيف منفتح لديه مشروع نهضوي علمي عبّر عنه في كتاباته للانتهاء من الدولة الريعية والتحول للدولة الإنتاجية. وأسمح لنفسي أن أعطيه نصيحة من تجربتي الشخصية في الأجندة الوطنية؛ سيحاول الكثيرون داخل الدولة إقناعك أن الأزمة اقتصادية بحتة، وأن معالجة الأمور الاقتصادية بمعزل عن الإصلاح السياسي الحقيقي كفيل ببقاء الاستقرار في هذا البلد الحبيب، هذا النهج لم ينجح، ونظرة سريعة على الأرقام تظهر ذلك. في العشرين عاما الماضية، زادت البطالة من 13 إلى 18 ٪، وزاد الدين من ٦ مليارات دينار إلى 27 مليارا، ووصل مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي إلى 95 ٪، أما معدل مؤشر الفساد فقد تضاعف وفقا لمنظمة الشفافية العالمية، وقد بقي الوضع يزداد سوءا حتى قبل الأزمة السورية، لأن الدولة رفضت الاعتراف بضرورة تغيير نهج الإدارة فيها.

نحن أمام وضع اليوم لا يحتمل ترف الوقت اللامتناهي لإصلاحات جذرية في كيان الدولة، لأن ذاك الوقت قد انتهى. هذه مرحلة تستدعي تلازم مساري الإصلاح السياسي والاقتصاد الجادين، ولن يقوم أي عقد اجتماعي جديد إلا على هذين الأساسيين.

عندما دخلت اليونان في أزمة اقتصادية خانقة اضطرت الدولة لأخذ إجراءات غير مسبوقة فخفضت الرواتب ثلاثين بالمائة. كان ذلك في غاية الصعوبة ولكن مع فارق أن الحكومة هناك كانت منتخبة وشعر الناس أنهم جزء من عملية اتخاذ القرار.

ربما من غير المفيد التوقف كثيرا عند البيان الوزاري دون مراقبة أفعال الحكومة، وربما تستطيع شخصية الرئيس المحبوبة والمتواضعة والنظيفة والقادرة على الاستشراف أن تقود عملية التأسيس لنهج جديد، ولكن على الحكومة أن تعي أن الناس لن ترحم إن بقيت الدولة تقدم الوعود بينما تواصل عملها بالطرق التقليدية.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.