بات التعامل الهادئ مع تصريحات بعض المسؤولين السياسيين غربا وشرقا من الأمور العسيرة.

حين يصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهجرة إلى أوروبا بالعار الذي يتعين على الأوروبيين التخلص منه وحين يحتفل وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر (الحزب المسيحي الاجتماعي، شريك الحزبين المسيحي الديمقراطي والاشتراكي الديمقراطي في الحكومة الائتلافية الراهنة) بعيد ميلاده التاسع والستين بترحيل 69 من طالبي اللجوء الأفغان عائدين إلى بلادهم (بعد أن رفضت السلطات الألمانية منحهم وضعية اللاجئين)، فإننا نكون أمام غزو صريح للمقولات العنصرية والشعبوية للفضاء السياسي في بلدان الغرب الديمقراطية. ليس ترامب وزيهوفر باللاعبين المتفردين في هذا السياق، بل يتشابه معهما رئيس الجمهورية في بولندا الذي أعلن أن بلاده لن تستقبل لاجئين بغض النظر عن التوافقات الأوروبية بشأن «التوزيع العادل للاجئين» ويتشابه معهما أيضا وزراء في الحكومة الإيطالية اقترحوا إجراء تعداد سكاني للمقيمين من أصول غجرية تمهيدا لطردهم.

تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
عمرو حمزاوي

باحث غير مقيم
برنامج كارنيغي للشرق الأوسط

المزيد من إصدارات الباحث

حين يخرج ترامب على هامش الاجتماع الأخير لحكومات دول حلف الناتو بتصريحات للرأي العام العالمي ليس بها سوى سيل من الاتهامات الزائفة باتجاه حلفاء الولايات المتحدة، من محدودية إنفاقهم العسكري واعتمادهم الدائم على مظلة الحماية الأمريكية إلى تبعية دول كألمانيا لروسيا بسبب الاعتماد على استيراد الغاز الطبيعي الروسي (علما بأن الألمان يستوردون الغاز الطبيعي الروسي منذ سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية)، فإننا نكون في معية سلوك مارق ومنقلب على أسس التحالف الأمريكي ـ الأوروبي لرئيس الدولة الديمقراطية الأقوى. يروج ترامب للأكاذيب ويسفه من مضامين السياسة والعلاقات الدولية، ويتحدث هنا متهما لميركل بتحويل ألمانيا إلى مستعمرة روسية ثم يأتي هناك ليكيل المديح للحكومة الألمانية ويعلن تأييده لسياستها، وهو في السياقات جميعا يبدو كمن يقامر بالكلمات علها ترضي قاعدته الشعبية من أنصار اليمين الشعبوي والعنصري في الولايات المتحدة.

حين تصير تصريحات مسؤولين منتخبين في بلدان الغرب الديمقراطية مجردة من القيم الأخلاقية ومنقلبة على الأعراف السياسية وحين يصبح الترويج للمقولات العنصرية والأكاذيب مدعاة للتأييد بين قطاعات واسعة من الناخبين الأمريكيين والأوروبيين، فلا عجب في أن يواصل حكام الديكتاتوريات والنظم السلطوية الاستهانة بقيم الحق والحرية والعدل ويتبارون في ضرب عرض الحائط بالتقارير الدولية التي تثبت تورطهم في انتهاكات مفزعة لحقوق الانسان. لا تلتفت قيادة الحزب الشيوعي الحاكم في الصين إلى أوضاع حقوق الإنسان في البلد عظيم الكثافة السكانية، ولا يعنيهم القضاء على حرية التعبير عن الرأي وقمع من يتشبث بها بصنوف مختلفة من العقاب، ولا تزعجهم البتة لا وفاة في السجن أو تحت الإقامة الجبرية لمدافعين عن حقوق الإنسان ولا تظاهرات في عواصم عالمية للمتعاطفين مع حقوق أهل التبت المهدرة أو ضد التعقب المستمر للأقلية المسلمة. وفي روسيا، وكما دللت هوامش تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2018، تمتلك حكومة فلاديمير بوتين أدوات عديدة لإنكار انتهاكات حقوق الإنسان وفرض الصمت بشأنها كالسياسة الوحيدة المقبولة داخل البلد مترامي الأطراف والتي ينبغي على منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الالتزام بها وإلا تعرضت للتعقب والقمع. أثناء المباراة النهائية لكأس العالم لكرة القدم حين اقتحم أعضاء مجموعة موسيقية خبزها هو السخرية من الأوضاع السياسية في جمهورية بوتين ملعب المباراة، أدرك المتابعون للشأن الروسي أن مآل هؤلاء هو التوقيف الفوري وسلب الحرية. وهذا تحديدا هو ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية بعد سويعات من الحادثة.

وفي بلاد العرب، يرتكب نظام بشار الأسد جرائم قتل جماعي ويستخدم الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا في سوريا. يرتكب الأسد جرائمه، ويدعي عبر أبواقه السياسية وإعلامه المزيف أن سياسته تتسم بالرشادة والعقلانية وأن هدفه هو القضاء على الاٍرهاب، يفعل ذلك دون أن يخشى تعقبا دوليا في عالم لا يعرف غير لغة القوة. وتنسحب ذات المقاربة بدرجة أقل على حكومتي السعودية والإمارات الضالعتين في قتل المدنيين العزل في اليمن وفرض الجوع وسوء التغذية والأوبئة المميتة على الشعب الفقير، بينما تزعم وسائل الإعلام المسيطر عليها إما من قبل الحكومتين أو من قبل المال المتحالف معهما جانبهما أن الأمر في اليمن ليس سوى مواجهة للنفوذ الإيراني والمد الشيعي للحوثيين المتحالفين مع إيران وعمل جاد للقضاء على الاٍرهاب. ثم تأتي السلطات الرسمية في مصر والمغرب بإهدارها المتراكم لحقوق الإنسان والحريات في البلدين دون تغيير في السياسات أو توقف عن إنكار الانتهاكات. في البلدين، على اختلاف أوضاعهما السياسية والاجتماعية، يواجه الحراك الشعبي المعارض لسياسات الحكومات على الرغم من سلميته باليد الباطشة للدولة ويبرر البطش زيفا بدواعي صوت الاستقرار وحماية الأمن والحفاظ على السلم الاجتماعي. هكذا تتعامل الحكومة المصرية المنتخبة بديمقراطية شكلية لا مضمون بها مع حراك التنظيمات الشبابية وهكذا تتعامل الحكومة المغربية المنتخبة بديمقراطية غير شكلية ذات مضمون مع حراك الريف. والحال في أغلبية البلدان العربية الأخرى، باستثناء تونس، لا يختلف عن سياسات الانتهاك والإنكار المصرية والمغربية.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.