تتسم حصيلة النقاش العام بعالمنا العربي حول شؤون السياسة والمجتمع بالمحدودية الشديدة. فالأصل في حركة الفضاء العام هو صياغة التوافق حول أولويات المجتمع الأساسية (الصالح العام) في لحظة زمنية بعينها وتطوير تصورات محددة لطرق وبرامج تنفيذها يفترض أن تقبلها الأغلبية.

وعلى الرغم من أن إنجاز هذه الوظيفة يرتبط مثالياً من جهة بالإدارة الليبرالية لترابطات الدولة والمجتمع والمواطن ومن جهة أخرى بعلاقات قوة متوازنة نسبياً بين القطاعات الشعبية تسمح لها جميعاً بالتأثير في عملية صنع القرار العام، إلا أنها ليست حكراً على الديمقراطيات وفضائها التعددي. بل أن النظم الشمولية والسلطوية عادةً ما تلجأ بصورة دورية إلى إثارة حوارات حول القضايا الخلافية في وسائل الإعلام والمنتديات الفكرية تدار على نطاق واسع بواسطة النخب الحكومية وتخلق لدى أفراد المجتمع المعني قناعة، هي في التحليل الأخير متوهمة، بإمكانية المشاركة في النقاش وتحديد مضامين الصالح العام بغض النظر عن محدودية اختيارات الفعل المطروحة واقعياً.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

أما في عالمنا، فترتب الطبيعة شبه الليبرالية لمعظم النظم السياسية وجود فضاء عام شديد التشوه. لدينا ولا ريب في العديد من المجتمعات العربية صحافة حرة وإعلام متنوع ومنتديات للحوار تختلف توجهاتها الأيديولوجية ومواقفها السياسية تثير مجتمعة نقاشات مستمرة حول قضايا السياسة المركزية، إلا أنها وبحكم عاملين رئيسيين لا تنتج توافقاً حول مضامينها: من جهة منطق «النفخ في أرب مقطوعة» أو «دعهم يتكلمون وينتقدون ونحن لنا أذن من طين وأخرى من عجين» المهيمن على تعامل النخب الحاكمة مع الفضاء العام ومن جهة أخرى عدم قدرة الفاعلين غير الحكوميين من أحزاب وجمعيات ومنظمات أهلية ومثقفين على التحديد الموضوعي للمشترك بينهم بل وافتقادهم في بعض الأحيان إلى لغة حوار بناءة تتراجع بها مساحة المحرمات والاتهامات المسبقة.

تقل حصيلة نقاشاتنا حول السياسة ثانياً لغياب الشفافية عن مجمل الفاعلين الجمعيين من جهات حكومية وغير حكومية وانعدام مصداقيتهم لدى المواطن بالتبعية. ودعونا اليوم ننحي الطائفة الأولى جانباً، فجميعنا يعلم ما بالدولة ومؤسساتها من فساد ولاعقلانية، ونمعن النظر في الثانية. لا ينبئ مشهد المنظمات غير الحكومية في العالم العربي بالكثير من الإيجابيات. فعلى الرغم من أن بعضها يضطلع بأدوار هامة في قطاعات حيوية مثل حقوق الإنسان ووضع المرأة وإصلاح النظام التعليمي وجهود محو الأمية وغيرها، إلا أنها في مجملها تفتقد الشفافية والديمقراطية الداخلية وتغيب عنها بالتالي ذات المعايير الموضوعية الضرورية لنشر ثقافة توافق ديمقراطية. وفي حين تتميز المنظمات غير الحكومية في المجتمعات الأوروبية على سبيل المثال ببحثها الدؤوب عن آليات غير سلطوية لصنع القرار كما هو الحال في الحركات المناهضة للعولمة التي تخول مؤتمرات أعضائها المنتظمة معظم الصلاحيات التنفيذية في ظل غياب جهاز بيروقراطي بالمعنى الكلاسيكي، تتسم المنظمات العربية، بما فيها الحركات النسوية، بهيمنة النمط الأبوي السلطوي المستند إلى مركزية المدير أو بالقطع المديرة وهي أو هو لا يتغيران في الأغلب الأعم إلا وفقاً لمقتضيات البيولوجيا أو في الحالات الاستثنائية النادرة التي تكتشف بها فضائح فساد من العيار الثقيل. تزداد الصورة الراهنة قتامة عندما نأخذ في الاعتبار الطابع النخبوي الواضح للمشهد غير الحكومي والضعف البنيوي للعلاقات الترابطية بين فاعليه والقواعد الشعبية أو بعبارة أخرى الهامشية الاجتماعية لدورهم. باختصار أدعي أن الجزء الأكبر من الانتقادات التي توجه إلى الدول ونخبها الحاكمة على صعيد غياب المعايير الحداثية في إدارة دورها العام وصياغة أنماط تعاملاتها مع المجتمع والمواطنين ينطبق أيضاً على المنظمات غير الحكومية. ويصبح من الطبيعي في مثل هذا السياق أن يفقد المواطن ثقته في الفضاء العام وفاعليه.

ترتبط حيوية الفضاء العام ثالثاً بهيمنة ثقافة سياسية تقبل التعددية. ولا أعني هنا مجرد الاعتراف أو التسليم بوجود الرأي الآخر بمنطق «الأمر الواقع»، بل الإيمان بأهمية التنوع في الرؤى والأطروحات والبرامج بهدف تحقيق الصالح العام. فثقافة التعددية الحقة إنما تستند من جهة إلى رفض الادعاء بقدرة أي طرف من أطراف اللعبة المجتمعية على الاحتكار المطلق والدائم للإجابة الأفضل (بغض النظر عن معايير الأفضلية هذه) على التحديات الراهنة ومن جهة أخرى إلى قناعة مؤداها أن ماهية الصالح العام ذاته إنما تتحدد في ظل حوار متواصل بين قوى المجتمع بمواقفها المختلفة. على النقيض من ذلك تظهر الأوضاع العربية الراهنة غلبة توجهات مضادة. فالنخب الحاكمة راغبة بالأساس في مناقشة أجندة وضعت هي بنودها بمفردها واستبعدت منها ما لا يناسبها، والقوى الأخرى من أحزاب معارضة وهيئات ومنظمات غير حكومية تعيد إنتاج جوهر الاستبعاد هذا فيما بينها إن على أرضية خلافاتها الإيديولوجية أو بالنظر إلى مدى قربها أو بعدها عن الطرح الرسمي.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.