الناظر إلى النقاشات العربية الراهنة حول التغيير السياسي والاجتماعي سرعان ما يكتشف محورية حديث «الخصوصية العربية» وتعدد السياقات التي توظف بها النخب الحاكمة مقولات «تفرد المجتمعات العربية» لكي تبرر غياب التداول السلمي للسلطة وتراجع حكم القانون والإخفاق الديمقراطي المستمر. على صعيد أول، تمثل الخصوصية العربية بل وخصوصية كل مجتمع عربي السهم الجاهز دوما للرمى الذي تواجه به النخب الحاكمة تدخلات الخارج الأمريكي والأوروبي الذي يوصم بالمركزية الغربية ويرمي بعدم فهم حقائق الواقع العربي. يوظف حديث الخصوصية من قبل النخب الحاكمة، ثانيا، في محاولة للتحكم الأحادي في إيقاع التغيير إزاء مطالبة بعض القوى الاجتماعية والسياسية في بلاد العرب بإصلاحات شاملة. هنا تدعى النخب اختلاف كل حالة عربية عن الأخرى بمنطق «ما يصلح في تونس قد لا يصلح لمصر أو للمغرب»، وتسفه من مطالب الإصلاح الشامل التى تصورها كمطالب يرفعها مثاليون وحالمون لا يدركون ما آلت إليه الأوضاع بعد الانتفاضات الديمقراطية ٢٠١١. ثالثا، تستخدم بعض القوى الاجتماعية والسياسية، تحديدا الحركات الدينية، يافطتى الخصوصية والأصالة لإضفاء هالة من القداسة واحتكار الحقيقة المطلقة على رؤاها هي حول الدولة والمجتمع واستبعاد تصورات الأحزاب والحركات العلمانية بادعاء غربتها وعدم ملاءمتها للواقع العربي. 

العقدة الماثلة أمامنا هنا هي إطلاقية حديث الخصوصية ونتائجه السياسية شديدة المحافظة. فهناك من جهة في معرض تناول قضية النموذج الأمثل للتحول الديمقراطي الدفع بعدم عالمية الخبرة الغربية وما أفرزته من صياغة ليبرالية لعلاقة الدولة والمجتمع والفرد المواطن. تشير المقولات المتواترة في النقاشات العربية إما إلى خصوصية الغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين بحكم الظاهرة الاستعمارية والثورة الصناعية، أو إلى اختلاف المسارات السياسية للمجتمعات الأوروبية إذا ما قورنت على سبيل المثال حالة بريطانيا بألمانيا، أو إلى أوجه قصور متوهمة في ديموقراطيات العالم المتقدم من شاكلة الفردية والمادية وتهميش الدين وهيمنة أصحاب الأموال والتكنوقراط والتي تحد في نهاية المطاف من مصداقية الديمقراطية الغربية داخل وخارج مواطنها.

وواقع الأمر أن فساد مثل هذه النظرة لا يرتبط بالأساس بعدم دقة بعض جزئياتها، وإنما بتجاهلها المشترك العالمي في الخبرات التاريخية المتنوعة ومعايير التقييم الموضوعي للأخيرة فضلا عن تناسيها مغزى ظرف العولمة. لا يمكن إدراك سعى البشرية الدءوب نحو المزيد من الحرية والمساواة والعدالة واحترام حقوق الإنسان إلا باعتباره قيمة عامة تعارفنا وتوافقنا عليها جميعا بعد تجارب مريرة في شتى بقاع الأرض. هنا تبدو عبقرية التجربة الغربية الحديثة بشقيها الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الرأسمالية (تحديدا اقتصاد السوق ذا البعد الاجتماعي الذي يطبقه الكثير من الخبرات الأوروبية المعاصرة) والتي أنجزت أكثر نماذج البشرية رقيا وقربا من الحرية والمساواة والعدالة على نحو يجعل من التساؤل حول إمكانيات استلهامها الشامل أو الجزئي خارج أوروبا وأمريكا الشمالية أمرا مشروعا بل وشديد المنطقية.

وحين يضاف إلى هذه الحقيقة زمانية العولمة، ليس بالمعنى القدري الرائج في نقاشات المثقفين العرب في سياق رمزية تذكر بطوفان نوح وإنما على أنها تعني تسارع معدلات التواصل والتفاعل والحراك بين اقتصاديات وسياسات وثقافات ومواطني أقاليم العالم المختلفة، يصير واضحا أن هناك نزعة طاغية نحو التوحد الكوني تتقارب معها تدريجيا توقعات ورؤى إنسان القرن الحادي والعشرين للمستقبل ومعاييره في الحكم على الأمور بصورة تتخطى حدود الدول القومية والإطارات الحضارية. تتهاوى، إذا، المنطلقات الفكرية والسياسية والاجتماعية لخطابات الخصوصية العربية ومقولات تفرد المجتمعات العربية ويصير بإنكار النخب الحاكمة لحق العرب في الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وحكم القانون وكذلك بنزوع تلك النخب نحو تصوير الديمقراطية كأمر غير ملائم للواقع العربي الدليل الأكبر على رغبة الحكام في احتكار السلطة وفرض الطاعة على المواطنين وتهديدهم بالقمع والعقاب حال عدم الامتثال.

من ذات النافذة، جدلية الداخل والخارج، يطل علينا أيضا وهم مسئولية الغرب عن الأزمات السياسية والاجتماعية المتتالية للمجتمعات العربية. يتوارى في العديد من الأحيان التعامل النقدي مع مشكلات السياسة والمجتمع في عالمنا خلف ستار سميك تنسجه أحاديث متواترة عن سياسات القوى الكبرى وانعكاسات صراعاتها منذ القرن التاسع عشر على قضايا المنطقة التي تبدو وكأنها ساحة مفرغة من الفاعلين المحليين وقابلة فقط لفعل أطراف خارجية معادية لا ترغب في تقدم العرب وتحيك لهم المؤامرات بانتظام. وبعيدا عن سلامة بعض الاستشهادات التاريخية الموظفة هنا والمرتبطة عادة بحقبة الاستعمار الأوروبي (معاهدة سايكس ــ بيكو) مرورا بتأسيس إسرائيل (١٩٤٨) وانتهاء بالهيمنة الأمريكية منذ تسعينيات القرن العشرين في مقابل الخلل التاريخي والموضوعي الكامل للنظريات المتداولة بشأن التآمر الغربي على العرب قبيل وأثناء الانتفاضات الديمقراطية ٢٠١١ وهي تلك النظريات روجت لها النخب الحاكمة الخائفة من التغيير في بلاد العرب، يظل الهدف الأبرز لتحميل الغرب مسئولية أزماتنا السياسية والاجتماعية هو إعفاء الذات الجمعية العربية من مسئوليتها هي الفعلية عن غياب الديمقراطية وعن تدنى معدلات النمو الاقتصادي والاجتماعي وعن تراجعنا الكارثي في مجالات المعرفة العلمية والتقدم التكنولوجي. وفي المقام الثاني، يمكن تحميل الغرب مسئولية أزماتنا من إضفاء رمزية الضحية علينا كعرب حيث يصبح الآخر الغربي هو المسئول عن إخفاقاتنا وعذاباتنا وأيضا المالك الوحيد لقدرة خلاصنا النهائى منها.

من ذات النافذة، جدلية الداخل والخارج، تطل أيضا مقولات الخصوصية الدينية والثقافية التي تطلقها الحركات الدينية في معرض سعيها لادعاء احتكار الحقيقة المطلقة (ولسان حالهم نحن العالمين أكثر من غيرنا بأحوال مجتمعاتنا وبلداننا) ومحاربتها للأحزاب والحركات العلمانية بسلاح نزع المصداقية. غير أن مقولات الخصوصية الدينية والثقافية التي ترسم صورة وهمية للعرب كراغبين في الحكم الديني وصورة غير موضوعية للعلمانيين العرب كدعاة تغريب واغتراب، مثل هذه المقولات لا ترتكز إلى شواهد موضوعية وتنبنى على رؤية معكوسة لترابطات الدين والثقافة والمجتمع تجعل من الأول والثانية مهيمنين على الأخير فى حين أن وقائع التاريخ لا تعرف إلا متغيرات دينية وثقافية تتغير معانيها ووظائفها بتبدل أحوال المجتمع وتطلعات المواطنين.

إزاء حديث «الخصوصية العربية» ومقولات «التفرد العربي» التي توظفها النخب الحاكمة غير الراغبة في التداول السلمي للسلطة أو الحركات الدينية التي تريد أن تفرض رؤاها كحقائق مطلقة، تصبح مهمة القوى الديمقراطية والتحديثية صياغة فهم للسياسة والمجتمع والتغيير المنشود يتخطى الخصوصيات ويكتشف مساحات الفعل العالمي ويدرك منطق التطور التاريخي والمتراكم من قيم إنسانية مشتركة تدفعنا جميعا إلى طلب الحق والحرية والعدل والتقدم ورفض الحقائق المطلقة. ولا سبيل لذلك سوى بالتداول السلمي للسلطة وحكم القانون وإن طال انتظار مجتمعاتنا لانتصار دعاة الأمرين، ولا سبيل لذلك سوى بالفصل بين الدين وبين شئون الحكم وإن طال انتظار العرب لصعود قوى علمانية لا تساوم على الديمقراطية بتحالفات مشبوهة مع النخب الحاكمة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.