من الخطأ اختزال الحراك الاحتجاجي الذي تشهده المدن الإيرانية إلى المكون السياسي فقط.

المواطنون الإيرانيون الذين يقدمون على التظاهر في الساحات العامة وفي الجامعات ويحتجون على شبكات التواصل الاجتماعي لا تحركهم فقط دوافع الاعتراض على السياسة وأوضاع الحكم، بل يتواكب مع السياسة نزوع قطاعات شبابية ونسائية للتمرد على إجراءات الضبط الاجتماعي القاسية التي تمارسها الجمهورية الإسلامية بحقهم منذ 1979 ورغبتهم في انتزاع حرياتهم العامة والمدنية والحد من القيود الواردة عليها في الفضاء العام. الشباب والنساء يتحدون القيادة المحافظة ممثلة في المرشد الأعلى علي خامنئي وعرائسه الحاضرين في الحياة السياسية الرسمية ويرفعون مجددا (بعد تظاهرات 2009) شعارات شديدة الحدية مثل «يسقط الديكتاتور» و»الموت للديكتاتور» وغيرها. البعض الآخر يخرج إلى الشارع مدفوعا بسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إيران، ويحمل القيادة المحافظة مسؤولية ارتفاع معدلات البطالة والفقر والتضخم (في 2017 12٪ و9٪ و14٪ على التوالي). فريق ثالث يتظاهر ويحتج ضد استمرار التورط الإيراني في صراعات الشرق الأوسط على نحو يستنزف موارد بلادهم ويرتب فرض عقوبات دولية تزيد من تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

لهذه القطاعات والفرق المختلفة يمثل الخروج إلى الشارع والتعبير عن تبلور طاقة احتجاجية في الفضاء العام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي لحظة طال انتظارها (منذ 2009) لإيصال أصواتهم إلى القيادة المحافظة للجمهورية الإسلامية. وعلى الرغم من أن السلطات الرسمية وأجهزتها الأمنية تمكنت بعنف شديد من قمع العديد من المظاهرات والاحتجاجات وأعادت تذكير المواطنين باستعدادها لانتهاك حقوق الإنسان دون خوف من بيانات تنديد دولية أو من اعتراضات منظمات حقوق الإنسان العالمية، يظل توقع الاحتواء التام للحراك الاحتجاجي الراهن غير واقعي ويضع الجمهورية الإسلامية وللمرة الأولى بعد تظاهرات 2009 أمام معضلة السيطرة على شارع تتمرد بعض قطاعاته على القيادة المحافظة ومرجعيتها الدينية بقوة وتظهر رفضها لاختياراتها السياسية في الداخل والخارج وتحديها لشرعيتها وعدم ثقتها في إدارتها للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

من جهة ثانية، يتباين تعاطي الدول الغربية مع المشهد الإيراني بين حذر أوروبي واندفاع أمريكي تمارسه إدارة دونالد ترامب. أوروبيا، تتسم بمزيج من التجاهل والهدوء وتيرة النقد الرسمي للسلطات الإيرانية على خلفية قمع الاحتجاجات وعنف الأجهزة الأمنية ضد المحتجين. تبدو الحكومات الأوروبية الكبرى أكثر انشغالا بالإبقاء على الاتفاق النووي والحفاظ على الالتزام الإيراني ببنود الاتفاق بعد الانسحاب الأمريكي والعقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية الجديدة التي تؤثر أيضا على كبريات الشركات والبنوك الأوروبية المتعاملة مع الجمهورية الإسلامية. أما أمور حقوق الإنسان والحريات، فلا تريد الحكومات البريطانية والفرنسية والألمانية أن تعطيها اهتماما حقيقيا ولسان حالها أن الأمل في التغيير بات معدوما. في المقابل، تبدو إدارة ترامب بعد إعلانها انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي وفرضها لعقوبات اقتصادية وتجارية ومالية جديدة على إيران، وبعيدا عن دعوة ترامب القادة الإيرانيين للقاء مباشر لبحث خلافات البلدين، في موقع العداء الصريح. توظف إدارة ترامب الاحتجاجات الراهنة لتوجيه سهام النقد لأوضاع حقوق الإنسان والحريات في إيران وللمطالبة بالتغيير السياسي، بينما تصمت عن عنف رسمي مشابه وانتهاكات مماثلة ترتكبها في الشرق الأوسط الحكومات المتحالفة مع الولايات المتحدة. يستند عداء إدارة ترامب للجمهورية الإسلامية إلى التحالف الوثيق مع حكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل والتعاون الإقليمي المتنامي بين إسرائيل وعديد الحكومات العربية المعادية لإيران وسياساتها في الشرق الأوسط، وتستهدف من عقوباتها الاقتصادية والتجارية والمالية إما دفع الأوضاع في الداخل الإيراني إلى نقطة انفجار مجتمعي أو رفع كلفة السياسات الإقليمية للجمهورية الإسلامية على نحو قد يجبرها على إعادة النظر في توجهاتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومناطق أخرى.

من جهة ثالثة، ينقسم العرب بين فريق موالي لإيران الرسمية يمثله أطراف كنظام بشار الأسد وحزب الله وحركة الحوثيين في اليمن وفريق صريح العداء لها في مقدمته الحكومات السعودية والإماراتية والبحرينية وفريق أخير يتأرجح متحفظا به الحكومة العراقية والحكومة المصرية. غير أن التباين في المواقف إزاء الجمهورية الإسلامية لا يترجم إلى رفض أو تأييد للاحتجاجات الراهنة في الداخل الإيراني، فالحكومات العربية يجمعها الصمت بشأن احتجاجات تطلب الديمقراطية أو تنشد التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولسان حال المسؤولين العرب هو أقرب ما يكون إلى كفانا ما قمعناه نحن من انتفاضات ديمقراطية واحتجاجات مجتمعية!

أما الرأي العام العربي، فتظهر تعليقات المشاركين على شبكات التواصل الاجتماعي أن نظرته للمشهد الإيراني تتحدد معالمها إما بمقاربة انبهارية ترى في الجمهورية الإسلامية خيرا خالصا أو تدفعها مخاوف متراكمة من نوايا حكام إيران الإقليمية تحول دون فهم الواقع. ينبري العديد من الكتاب والمحللين العرب القريبين من النظام السوري ومن حزب الله في لبنان للدفاع عن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية وتبرير قمع الأجهزة الأمنية للمحتجين المتهمين بالعمالة للغرب، بل ويكيل بعضهم المديح «للديمقراطية الإيرانية» متجاهلين علامات الاستفهام الكبرى التي ترد على نظام سياسي مرجعيته النهائية مرشد ديني لا ينتخبه الشعب وتجرى به انتخابات تديرها هيئات وأجهزة ترفض من لا تراه مناسبا من المرشحين وتسيطر على فضائه العام أجهزة أمنية قمعية وعنيفة. 

أما المتخوفون من نوايا الجمهورية الإسلامية، فيختزلون الاحتجاجات الراهنة إلى المكون السياسي معرفا كتوجهات إيران في الشرق الأوسط وينسون الرفض الصريح بين الشباب والنساء في إيران لغياب الديمقراطية في الداخل وللقمع المجتمعي باسم الدين.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.