بداية، رحمة الله على شهدائنا الأبرار وتحية لأجهزتنا الأمنية، ولوطننا الحبيب العصي على كل المؤامرات.

ما يزال موعد الإعلان عن صفقة القرن سيئة الذكر غامضا، وهناك من يقول إن الإدارة الأميركية أجلت هذا الإعلان لما بعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة؛ أي بعد شهر تشرين الثاني المقبل. كما لم تعلن تفاصيل الصفقة رسميا، ولو أن الولايات المتحدة بدأت باتخاذ خطوات خطيرة لتنفيذ الصفقة عبر محاولة سحب ملفات رئيسية من أي اتفاق مستقبلي، وهي القدس واللاجئون وقطاع غزة، والتفاوض فقط على الباقي.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

تحاول الولايات المتحدة أن تمرر صفقة لا تتضمن الحد الأدنى من المطالب العربية والفلسطينية، ولا يمكن لأي زعيم فلسطيني أو عربي القبول بها، بل ليس هناك من مواطن عربي عاقل يمكن له أن يقبل بمثل هذا "الحل" الذي هو بمثابة تصفية للقضية الفلسطينية ورضوخ كامل لإسرائيل.

الكل متفق على ذلك أردنيا، رسميا وشعبيا، وبعيدا عن مزايدات المنافقين والمتملقين والمتاجرين بالقضية. القضية التي أمامنا لا تتعلق باختلاف الآراء حول الصفقة، فليس هناك من اختلاف حول مدى إضرارها بالقضية. السؤال الذي يجب أن يطرح رسميا وشعبيا اليوم هو ماذا نحن فاعلون تجاهها. هل نكتفي بالإدانة والشجب وتوجيه الاتهامات ونشعر أننا أدينا دورنا، بينما تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على تغيير الحقائق على الأرض يوميا؟

حان الوقت لوقفة جادة لمنع قيام هذه الصفقة. بيت القصيد أن أي إجراء أميركي أو إسرائيلي لن يكتب له النجاح على المدى الطويل ما دام الشعب الفلسطيني صامدا على أرضه، لأن مثل هذا الصمود سيؤدي في العقود القليلة المقبلة الى أغلبية واضحة للفلسطينيين داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل اليوم، ويعلمنا التاريخ أن ما من قوة استطاعت أن تفرض حكم الأقلية على الأغلبية الى أبد الآبدين.

صمود الفلسطينيين على أرضهم مصلحة أردنية عليا إذن، إضافة الى أنها بالطبع مصلحة فلسطينية، ويحتاج الى استراتيجية أردنية وعربية واضحة لدعمه. المقاربة الأردنية والدولية الحالية مع إسرائيل حاولت ولم تنجح في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. حان الوقت لمقاربة جديدة اليوم لدعم الشعب الفلسطيني على أرضه، ودعم جهود جلالة الملك الرافضة لصفقة القرن، ومنع فرض حل على حساب الأردن، قوامها:

1. وقف أشكال التطبيع كافة مع إسرائيل والتعاون الأمني معها، فلا يعقل أن تعمل إسرائيل ضد المصلحة الأردنية العليا بينما نستمر بوجود أي علاقات تطبيعية معها.

2. إلغاء اتفاقية الغاز مع إسرائيل؛ إذ من غير الطبيعي أن تحاول إسرائيل تنفيذ صفقة القرن والاستيلاء على القدس بينما نشتري الغاز منها، بغض النظر عن أي اعتبارات اقتصادية، فهذا موضوع وجودي وليس اقتصاديا.

3. اتخاذ قرار حكومي ونيابي بعدم تجديد اتفاقية تأجير أراضي الباقورة، ولا يوجد دوليا من يستطيع أن يقول إن في ذلك خرقا لاتفاقية السلام التي تعطي الأردن الحق الكامل في عدم تجديد هذه الاتفاقية.

4. التنسيق مع الدول العربية لدعم صمود الفلسطينيين على أرضهم ماديا ومعنويا، وليس صعبا إيجاد صندوق عربي   يقدم دعما سنويا جادا للسنوات العشرين المقبلة لمنع تهويد الأراضي العربية وإيجاد فرص عمل للفلسطينيين على أرضهم.

هذه مسؤولية وطنية نتحملها جميعا، حكومة ومجلسي نواب وأعيان ومسؤولين سابقين ومنظمات مجتمع مدني، نقف من ورائها خلف جلالة الملك ونقوم بدورنا كمجتمع متكامل، فنكون قد قدمنا خدمة جلية للوطن وللقضية الفلسطينية، ولمستقبلنا كأمة عربية على هذه البقعة من الأرض.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.