لم يعد بمجد تقرير أن الحكومة المصرية تتعامل مع المعارضة بنزعة سلطوية وقمعية صريحة. ولم تعد الشكوى من عنف الأجهزة الأمنية وقصر نظرها فيما خص إدارة ملف حقوق الإنسان والحريات العامة بقاصرة على المعارضين، بل باتت أصداؤها تتردد في أوساط سياسية وإعلامية موالية للحكومة أو قريبة منها كلما سلبت حرية المزيد من المواطنين (من الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح إلى السفير معتصم مرزوق) وكلما استطال وجود مدافعين عن الكلمة الحرة خلف أسوار السجون (من الصحافي هشام جعفر إلى الدكتور شادي الغزالي حرب).

لم يعد وضع مصر بخاف على أحد، حكومة جاءت في 2013 على أنقاض تجربة فاشلة للتحول الديمقراطي وهدفها السياسي الأول هو إبعاد المواطن عن الشأن العام وتصفية المجتمع المدني المستقل وخنق المعارضة والقضاء على الإعلام الحر وإغلاق الفضاء العام بغية استنساخ حقبة «الزعيم الأوحد رمز الأمة وقلب الدولة» التي سقطت في 1967 ولم تتعاف من أوهامها حتى اليوم الحكومات المتعاقبة في بر مصر.

لم يعد وضع مصر بخاف على أحد، حكومة يسيطر عليها العسكريون والأمنيون ويعاونهم نخبة من التكنوقراط وأساتذة الجامعات والخبراء المصريين العاملين في مؤسسات مالية دولية ممن اعتادوا حين النظر إلى الشأن العام الفصل التام بين إسهامهم في خدمة الوطن عبر إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية وبين أحوال حقوق الإنسان والحريات العامة التي لا تعنيهم كثيرا ولا تدفعهم لرفض المشاركة في حكومة تتراكم انتهاكاتها يوميا. قد يرتفع عدد النساء الممثلات في النخبة الحكومية من التكنوقراط وأساتذة الجامعات وخبراء المؤسسات الدولية وقد يهبط متوسط أعمار الوزراء والمسؤولين الحكوميين مقارنة بسنوات ما قبل 2011، إلا أن ولاء السيدات الوزيرات والوزراء متوسطي العمر للعسكريين والأمنيين لا يختلف أبدا عن ولاء الوزراء الرجال والمسؤولين فوق الستين.

لم يعد وضع مصر بخاف على أحد، حكومة تسعى منذ 2013 إلى تثبيت دعائم مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية بعد استنزاف سنوات الانتفاض والفورة الديمقراطية 2011 ـ 2013 وإلى مواجهة الإرهاب والتحديات الكبرى التي ترد على الأمن القومي من الداخل (سيناء مثالا) ومن الخارج (الحدود الغربية مع ليبيا وملف سد النهضة الإثيوبي كتحديين رئيسيين) ولا يبخل عليها الناس بالتأييد والدعم المستحقين. غير أن رغبة الحكومة المصرية في إماتة السياسة وخنق المعارضة وإغلاق الفضاء العام تدفعها إلى التجاهل الأهمية الحقيقية لإيقاف انتهاكات حقوق الإنسان وصون الحريات العامة لكي تستعيد مؤسسات الدولة منعتها التي لا تستمد سوى من الرضاء الشعبي ولكي تبتعد عنها أخطار الضعف والفشل والانهيار التي رتبتها في 1967 حقبة «الزعيم الأوحد رمز الأمة وقلب الدولة» وليس للسلطوية الراهنة إلا أن تزج بالبلاد باتجاهها.

جيد وضروري أن تستثمر الحكومة المصرية في تحديث أدوات ودولاب عمل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية، جيد وضروري أيضا أن يكثر الرسميون من الحديث عن بقاء الدولة ومنعة مؤسساتها وحماية أمنها القومي كأهداف كبرى يتوافق بشأنها المواطنون. إلا أن مساع للتحديث دون التزام بحقوق الإنسان والحريات العامة لن تمنح المواطن الثقة اللازمة في مؤسسات الدولة أو تشجعه على التيقن من شفافية أعمالها وفاعلية مكافحتها للفساد ووقوفها في وجه استغلال المنصب العام وإهدار الموارد الشحيحة للبلاد. وبالمثل ليس لخطاب «بقاء الدولة خط أحمر»، على ضرورته القصوى، أن يدفع المواطن للرضاء عن أداء الحاكم والحكومة والمؤسسات ما لم تتوقف المظالم ويشعر الناس باحترام حقوقهم وحرياتهم دون انتقاص أو تمييز.

وإذا كانت القراءة الموضوعية للواقع المصري الراهن ستعطي الحكومة درجة من التميز في إنجاز إصلاحات اقتصادية طال انتظارها (تعويم العملة الوطنية وتغيير سياسات دعم الطاقة والغذاء)، إلا أن الإسناد الاجتماعي للإصلاحات التي يقع على الفقراء ومحدودي الدخل العبء الأكبر في تحمل كلفتها يظل ضعيفا للغاية. ويظل وهما ذا خطورة بالغة على الاستقرار المجتمعي والتوافق الوطني أن تسعى الحكومة لإسكات الفقراء ومحدودي الدخل إما بالترويج السياسي والإعلامي لخطاب «علينا جميعا الصبر لبناء الأمة» أو بمحاصرتهم بعنف وقمع الأجهزة الأمنية وإعادة تشييد جدار الخوف الذي أسقطته سنوات الثورة والفورة الديمقراطية 2011 ـ 2013. فالصبر لبناء الأمة لا ينبغي أبدا أن يختص الفقراء وحدهم بضروراته ومقتضياته، ولم يعد لجدار الخوف ذات الفاعلية التي كانت له في أوساط محدودي الدخل قبل 2011 بعد أن اتضح للناس جميعا هشاشة الجدار وغياب الحصافة عن القائمين عليه تشييدا وصيانة.

لم يعد وضع مصر بخاف على أحد، حكومة لن تغادر مسارها السلطوي الراهن ولن تحد من سيطرة العسكريين والأمنيين على مفاعيلها أو تنفتح على المضامين السياسية والمجتمعية لإبعاد شبح الدولة الضعيفة عن البلاد. ولا عزاء لمن يرون أن للمصريين حقا أصيلا في صون حقوقهم وحرياتهم، وأن لبلادهم حق أصيل في تطور اقتصادي واجتماعي وسياسي متوازن لا يقارب بينها وبين الاستنساخ الكامل لحقبة «الزعيم الأوحد» ويجنبها خطر السقوط في كارثة مشابهة لكارثة 1967.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.