‭ ‬ستظل‭ ‬بلاد‭ ‬العرب‭ ‬أسيرة‭ ‬لحكام‭ ‬مستبدين‭ ‬ولحكومات‭ ‬سلطوية،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تنتصر‭ ‬قيم‭ ‬العقل‭ ‬والعلم‭ ‬والإنسانية‭ ‬بين‭ ‬ظهرانينا‭ ‬وتتجاوز‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬كارثة‭ ‬انجذاب‭ ‬قطاعات‭ ‬شعبية‭ ‬واسعة‭ ‬لأصحاب‭ ‬الطروحات‭ ‬الرجعية‭ ‬من‭ ‬أمراء‭ ‬وقادة‭ ‬عسكريين‭ ‬وأمنيين‭ ‬ورجال‭ ‬دين‭.‬

تكالب‭ ‬الرجعيون‭ ‬على‭ ‬الثورات‭ ‬والانتفاضات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬بلاد‭ ‬العرب‭ ‬بين‭ ‬2010‭ ‬و2013،‭ ‬تكالبوا‭ ‬عليها‭ ‬رفضا‭ ‬للتنازل‭ ‬إن‭ ‬عن‭ ‬احتكارهم‭ ‬لشؤون‭ ‬الحكم‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬سيطرتهم‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬والثروة‭ ‬والنفوذ‭. ‬تكالب‭ ‬الرجعيون‭ ‬على‭ ‬ربيع‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬طالبوا‭ ‬بالتداول‭ ‬السلمي‭ ‬للسلطة‭ ‬وبتأسيس‭ ‬حكم‭ ‬القانون‭ ‬الضامن‭ ‬للحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬وللمساواة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬دون‭ ‬تمييز،‭ ‬ربيع‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬أرادوا‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الفساد‭ ‬ومحاسبة‭ ‬المفسدين‭. ‬تكالب‭ ‬الرجعيون‭ ‬من‭ ‬أمراء‭ ‬وعسكريين‭ ‬وأمنيين‭ ‬ورجال‭ ‬دين‭ ‬معممين‭ ‬وغير‭ ‬معممين‭ ‬على‭ ‬ربيع‭ ‬العرب‭ ‬لتصفيته‭ ‬وإبعاد‭ ‬المواطنين‭ ‬عن‭ ‬شؤون‭ ‬الحكم‭ ‬وإعادة‭ ‬التأسيس‭ ‬لممالك‭ ‬وجمهوريات‭ ‬الخوف‭ ‬والظلم‭ ‬التي‭ ‬تسطو‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬على‭ ‬حاضرنا‭ ‬ومستقبلنا‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬رجعيي‭ ‬العرب‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬تصفية‭ ‬الربيع‭ ‬وإعادة‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬لولا‭ ‬حضور‭ ‬صنوف‭ ‬من‭ ‬الوهن‭ ‬بين‭ ‬صفوف‭ ‬المطالبين‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬والتداول‭ ‬السلمي‭ ‬للسلطة‭ ‬وحكم‭ ‬القانون‭. ‬لم‭ ‬يقو‭ ‬أحد،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬اللتين‭ ‬شهدتا‭ ‬ثورات‭ ‬شعبية‭ ‬حقيقية‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬وليبيا‭ ‬وسوريا‭ ‬والبحرين‭ ‬وهي‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬رتبت‭ ‬بها‭ ‬انتفاضات‭ ‬المواطنين‭ ‬إما‭ ‬مواجهات‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬اقتتال‭ ‬أهلي،‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬رؤية‭ ‬متماسكة‭ ‬لبناء‭ ‬مجتمعات‭ ‬متقدمة‭ ‬العلم‭ ‬دليلها‭ ‬والتفكير‭ ‬العقلاني‭ ‬منهجها‭ ‬وقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬بوصلتها‭ ‬والأمل‭ ‬في‭ ‬التقدم‭ ‬والأمن‭ ‬والرخاء‭ ‬خيط‭ ‬يومياتها‭ ‬الناظم‭. ‬لم‭ ‬تقو‭ ‬لا‭ ‬الحركات‭ ‬الشبابية‭ ‬ولا‭ ‬الحركات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬المنتسبة‭ ‬لليسار‭ ‬الديمقراطي‭ ‬ولليبرالية‭ ‬المدافعة‭ ‬عن‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬على‭ ‬المطالبة‭ ‬بإلحاق‭ ‬الثورات‭ ‬والانتفاضات‭ ‬الشعبية‭ ‬بثورات‭ ‬علمية‭ ‬تقضي‭ ‬على‭ ‬الجهل‭ ‬وتنشر‭ ‬قيم‭ ‬التفكير‭ ‬العقلاني‭ ‬وتباعد‭ ‬بين‭ ‬أنماط‭ ‬التفكير‭ ‬الأخرى‭ (‬كمنظومات‭ ‬الأفكار‭ ‬الدينية‭ ‬والقيم‭ ‬التقليدية‭) ‬وبين‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬وقضايا‭ ‬الحكم‭ ‬والسياسة‭. ‬لم‭ ‬يقو‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬انتسبوا‭ ‬لليسار‭ ‬ولا‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬الحركات‭ ‬الليبرالية‭ ‬التي‭ ‬تكونت‭ ‬بين‭ ‬2010‭ ‬و2012‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬بصدق‭ ‬وجدية‭ ‬مع‭ ‬شعارات‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬والمساواة‭ ‬والعدل‭ ‬التي‭ ‬رفعها‭ ‬المواطنون‭ ‬في‭ ‬الميادين‭ ‬والشوارع‭ ‬وكانت‭ ‬تلزم‭ ‬بالدعوة‭ ‬الصريحة‭ ‬لتحرير‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬استبداد‭ ‬الأمراء‭ ‬والقادة‭ ‬العسكريين‭ ‬والأمنيين‭ ‬وأيضا‭ ‬من‭ ‬استبداد‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬عبر‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭ ‬وبين‭ ‬الدين‭ ‬والسياسة‭ ‬فيما‭ ‬خص‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬وبتحرير‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬العبودية‭ ‬لمنظومات‭ ‬الأفكار‭ ‬الدينية‭ ‬والقيم‭ ‬التقليدية‭ ‬وإطلاق‭ ‬حريتهم‭ ‬في‭ ‬الاختيار‭.‬

كان‭ ‬شرط‭ ‬تحرير‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬استبداد‭ ‬الأمراء‭ ‬والعسكريين‭ ‬والأمنيين‭ ‬هو‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬التأسيس‭ ‬لديمقراطية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬تداول‭ ‬السلطة‭ ‬وحكم‭ ‬القانون‭ ‬ولا‭ ‬تخلط‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭ ‬وتضمن‭ ‬مشاركة‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صناديق‭ ‬الانتخابات‭ ‬الدورية‭ ‬والنزيهة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬شرط‭ ‬تحرير‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬هو‭ ‬تمكينهم‭ ‬من‭ ‬الاختيار‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬بتمرير‭ ‬قوانين‭ ‬حديثة‭ ‬تسمح‭ ‬لمن‭ ‬يرغب‭ ‬طوعا‭ ‬في‭ ‬الالتزام‭ ‬بالأفكار‭ ‬الدينية‭ ‬والقيم‭ ‬التقليدية‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬ولا‭ ‬تنزع‭ ‬الأهلية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬أو‭ ‬الصلاحية‭ ‬المجتمعية‭ ‬عمن‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬وفقا‭ ‬لرؤى‭ ‬وتصورات‭ ‬مغايرة‭.‬

كان‭ ‬شرط‭ ‬تحرير‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬استبداد‭ ‬الأمراء‭ ‬والعسكريين‭ ‬والأمنيين‭ ‬هو‭ ‬احترام‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬صناديق‭ ‬الانتخابات‭ ‬والامتناع‭ ‬عن‭ ‬الانقلاب‭ ‬عليها‭ ‬مهما‭ ‬جاءت‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬تشتهي‭ ‬سفن‭ ‬اليسار‭ ‬والليبراليين‭ ‬والابتعاد‭ ‬الكامل‭ ‬عن‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الرجعيات‭ ‬الملكية‭ ‬والعسكرية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الإجراءات‭ ‬الديمقراطية‭. ‬وقد‭ ‬أخفق‭ ‬اليسار‭ ‬مثلما‭ ‬أخفق‭ ‬الليبراليون‭ ‬في‭ ‬الالتزام‭ ‬بذاك‭ ‬الشرط،‭ ‬ودفعتهم‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬النجاحات‭ ‬الانتخابية‭ ‬لقوى‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬للتحالف‭ ‬مع‭ ‬الرجعيين‭ ‬وذبح‭ ‬تداول‭ ‬السلطة‭ ‬وحكم‭ ‬القانون‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬شرط‭ ‬تحرير‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬هو‭ ‬مواجهة‭ ‬الرجعيين‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ (‬معممين‭ ‬وغير‭ ‬معممين‭ ‬ودونما‭ ‬تمييز‭ ‬بين‭ ‬المنتمين‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬الإسلامية‭ ‬ونظرائهم‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الكنسية‭) ‬ومصارحة‭ ‬الناس‭ ‬بكون‭ ‬الدين‭ ‬يمثل‭ ‬رافدا‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬روافد‭ ‬الفكر‭ ‬والقيم‭ ‬في‭ ‬دنيانا‭ ‬وبكون‭ ‬العلم‭ ‬وقيم‭ ‬التفكير‭ ‬العقلاني‭ ‬والقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬المجردة‭ ‬تمثل‭ ‬روافد‭ ‬أخرى‭ ‬نجحت‭ (‬قديما‭ ‬وحديثا‭) ‬في‭ ‬تقريب‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تبنتها‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬والأمن‭ ‬والرخاء‭. ‬وقد‭ ‬أخفق‭ ‬اليسار‭ ‬مثلما‭ ‬أخفق‭ ‬الليبراليون،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الرجعية‭ ‬الدينية‭ ‬بين‭ ‬2010‭ ‬و2012‭ ‬بجرأة‭ ‬وشفافية‭. ‬والحصيلة‭ ‬كانت‭ ‬الصمت‭ ‬المزدوج‭ ‬والمروع‭ ‬من‭ ‬اليسار‭ ‬والليبراليين‭ ‬على‭ ‬استبداد‭ ‬الأمراء‭ ‬والعسكريين‭ ‬والأمنيين‭ ‬وعلى‭ ‬الرجعية‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬استبدلوا‭ ‬مواجهتها‭ ‬بالعلم‭ ‬والعقل‭ ‬والقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬بالتآمر‭ ‬الكارثي‭ ‬على‭ ‬قوى‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬صناديق‭ ‬الانتخابات‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬آملا‭ ‬التحول‭ ‬الديمقراطي‭.‬

كان‭ ‬شرط‭ ‬تحرير‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬الاستبداد‭ ‬والمستبدين‭ ‬هو‭ ‬انفتاح‭ ‬قوى‭ ‬اليسار‭ ‬والليبرالية‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬بلاد‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬تصور‭ ‬المجتمع‭ ‬والسياسة‭ ‬وشؤون‭ ‬الحكم‭ ‬والفضاء‭ ‬العام‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬مركزية‭ ‬المواطن‭ ‬صاحب‭ ‬الحق‭ ‬والحرية‭ ‬والصوت‭ ‬المسموع،‭ ‬إلى‭ ‬الأهمية‭ ‬القصوى‭ ‬لدور‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬ومنظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬ومبادرات‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والاقتراب‭ ‬بنا‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬مرافئ‭ ‬التقدم‭ ‬والأمن‭ ‬والرخاء،‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬التنفيذية‭ (‬العسكرية‭ ‬والأمنية‭ ‬وكذلك‭ ‬المدنية‭) ‬فيما‭ ‬عدا‭ ‬مؤسسات‭ ‬حكم‭ ‬القانون‭ ‬وإنفاذه‭ (‬السلطة‭ ‬القضائية‭) ‬ومؤسسات‭ ‬التمثيل‭ ‬الشعبي‭ (‬السلطة‭ ‬التشريعية‭). ‬فالدولة‭ ‬ذات‭ ‬الحكومة‭ ‬الصغيرة،‭ ‬أي‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬تتقلص‭ ‬بها‭ ‬أدوار‭ ‬المؤسسات‭ ‬التنفيذية‭ ‬وتخضع‭ ‬بها‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬رقابة‭ ‬المؤسسات‭ ‬القضائية‭ ‬والتشريعية،‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬هي‭ ‬فقط‭ ‬المؤهلة‭ ‬لإدارة‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الديمقراطية‭ ‬مع‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والمواطنين‭. ‬هنا‭ ‬أيضا‭ ‬أخفق‭ ‬اليسار‭ ‬مثلما‭ ‬أخفق‭ ‬الليبراليون‭ ‬في‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬النظرة‭ ‬المريضة‭ ‬للدولة‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬التنفيذية‭ ‬كدولة‭ ‬الرعاية‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬التقدم‭ ‬والأمن‭ ‬والرخاء‭ ‬ودولة‭ ‬الحماية‭ ‬التي‭ ‬‮«‬تحنو‮»‬‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬قطاعا‭ ‬خاصا‭ ‬ومجتمعا‭ ‬مدنيا‭ ‬ومواطنين‭ (‬الدولة‭ ‬الأب‭)‬،‭ ‬ولم‭ ‬يواجه‭ ‬اليساريون‭ ‬والليبراليون‭ ‬أنفسهم‭ ‬بحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬المتداخلة‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬شؤون‭ ‬المجتمع‭ ‬والمواطنين‭ ‬هي‭ ‬دول‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬أمراء‭ ‬وعسكريون‭ ‬وأمنيون‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مدنيون‭ ‬منتخبون‭ ‬لا‭ ‬يرغبون‭ ‬أبدا‭ ‬في‭ ‬التداول‭ ‬السلمي‭ ‬للسلطة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬القانون‭ ‬ولا‭ ‬يقبلون‭ ‬إخضاع‭ ‬مؤسساتهم‭ ‬التنفيذية‭ ‬لرقابة‭ ‬السلطات‭ ‬القضائية‭ ‬والتشريعية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬شرط‭ ‬تحرير‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬الرجعية‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬هو‭ ‬إخضاع‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬الرسمية‭ (‬إسلامية‭ ‬ومسيحية‭) ‬للرقابة‭ ‬القضائية‭ ‬والتشريعية،‭ ‬والأهم‭ ‬هو‭ ‬تمكين‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والثقافية‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬العلم‭ ‬والتفكير‭ ‬العقلاني‭ ‬وقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬ومواجهة‭ ‬نزوع‭ ‬الدينيين‭ ‬إلى‭ ‬إدعاء‭ ‬احتكار‭ ‬الحقيقة‭ ‬ومطالبة‭ ‬الناس‭ ‬بالطاعة‭ ‬العمياء‭. ‬كان‭ ‬لإخفاق‭ ‬اليسار‭ ‬والليبراليين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬سببا‭ ‬جوهريا‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬افتقادهم‭ ‬للمصداقية‭ ‬فيما‭ ‬خص‭ ‬مواجهة‭ ‬الرجعية‭ ‬الدينية‭ ‬بسبب‭ ‬خنوعهم‭ ‬للمستبدين،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬سبب‭ ‬إضافي‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬اختزال‭ ‬اليسار‭ ‬والليبراليين‭ ‬لأمر‭ ‬بلاد‭ ‬العرب‭ ‬بين‭ ‬2010‭ ‬و2012‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الحكم‭ ‬والسياسة‭ ‬وتجاهلهم‭ ‬للمفاعيل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬الأوسع‭.‬

أما‭ ‬قوى‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي،‭ ‬فلم‭ ‬ترغب‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬العلم‭ ‬ولا‭ ‬التفكير‭ ‬العقلاني‭ ‬أو‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬ومازالت‭ ‬منظومات‭ ‬الأفكار‭ ‬الدينية‭ ‬والقيم‭ ‬التقليدية‭ (‬بجانب‭ ‬أنشطتها‭ ‬الاجتماعية‭) ‬هي‭ ‬سبيلها‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬صناديق‭ ‬الانتخابات‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬الصناديق‭ ‬ظل‭ ‬أمرا‭ ‬لم‭ ‬يتورط‭ ‬به‭ ‬الإسلاميون،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تحالفهم‭ ‬مع‭ ‬المستبدين‭ ‬من‭ ‬أمراء‭ ‬وعسكريين‭ ‬وأمنيين‭ ‬تكرر‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬وحركته‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية‭ ‬سريعة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بينها‭ ‬التداول‭ ‬السلمي‭ ‬للسلطة‭ (‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭) ‬أو‭ ‬حكم‭ ‬القانون‭ (‬الإخوان‭ ‬في‭ ‬مصر‭.

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬الصناديق‭ ‬ظل‭ ‬أمرا‭ ‬لم‭ ‬يتورط‭ ‬به‭ ‬الإسلاميون،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ (‬وباستثناء‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬التونسية‭) ‬تورطوا‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬منظم‭ ‬للرجعية‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬وفي‭ ‬قضايا‭ ‬الحكم‭ ‬والسياسة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أدخل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ (‬مجددا‭ ‬معممين‭ ‬وغير‭ ‬معممين‭ ‬ومنتسبين‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬كالمسيحية‭) ‬في‭ ‬مساحات‭ ‬مجتمعية‭ ‬ليست‭ ‬لهم‭ (‬وضع‭ ‬الدساتير‭ ‬وصناعة‭ ‬القوانين‭ ‬مثالا‭) ‬ودفع‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬بالخائفين‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الدينية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الارتماء‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬استبداد‭ ‬الأمراء‭ ‬والعسكريين‭ ‬والأمنيين‭ (‬مصر‭ ‬في‭ ‬2013‭ ‬نموذجا‭.‬

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.