بات خروج العبارات المعادية للأجانب والكارهة للاجئين من أفواه السياسيين المنتمين لليمين المتطرف أو القريبين من أفكاره في أوروبا اعتياديا وسهلا للغاية.

قبل يومين، عبر وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر عن تفهمه «لمشاعر المواطنين» الرافضين لهجرة الأجانب والمطالبين بالحد من أعداد اللاجئين والذين خرجوا خلال الأسابيع الماضية إلى شوارع وميادين بعض مدن شرق ألمانيا (كمدينة كيمنتس) في احتجاجات عنيفة. بجملة مقتضبة، أدان الوزير المنتمي للحزب المسيحي الاجتماعي (الشقيق الأصغر للحزب المسيحي الديمقراطي الذي تترأس باسمه المستشارة أنجيلا ميركل الحكومة الائتلافية في ألمانيا) عنف المحتجين، وأعقب ذلك بتوصيف حاد لقضية الهجرة «كأم القضايا السياسية» المطروحة راهنا على المجتمع الألماني والتي يتعين مواجهتها للحفاظ على السلم الاجتماعي. 

حصد وزير الداخلية سيلا من الانتقادات بسبب إدانته للعنف اللفظي والمادي ضد الأجانب الذي تورط به محتجو اليمين المتطرف بجملة مقتضبة، وبسبب اعتباره لقضية الهجرة وحدها كالقضية السياسية الأهم دون تقدير لأهمية قضايا أخرى كتحديات المعدلات المرتفعة للبطالة والفقر والنزوح الداخلي (من الشرق إلى الغرب) في المناطق الشرقية وكذلك الصعود الخطير لليمين المتطرف الذي يهدد السلم الاجتماعي بشعاراته العنصرية وينشر ثقافة الكراهية والعداء لغير البيض في مجتمع ألماني متنوع. لم تأتِ الانتقادات الموجهة للوزير فقط من أحزاب المعارضة كحزب الخضر وحزب اليسار وحزب الديمقراطيين الأحرار ولم تقتصر على برلمانيي وسياسيي الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يشارك في الحكومة الائتلافية، بل توالت التصريحات الرافضة للاستخفاف بعنف اليمين المتطرف ولاختزال قضايا ألمانيا في الهجرة واللجوء من قبل الوزراء والمسئولين الحكوميين المنتمين للحزب المسيحي الديمقراطي وفي مقدمهم المستشارة ميركل.

غير أن سيل الانتقادات الموجهة لزيهوفر لا يغير أبدا من حقيقة تحول إطلاق العبارات المعادية للأجانب والكارهة للاجئين إلى ظاهرة سياسية وإعلامية مقبولة في بلد يفرض تاريخه في النصف الأول من القرن العشرين الحذر الشديد من مجرد حضور مشاعر العداء والكراهية للأجانب في الفضاء العام، في بلد يفرض تاريخه في النصف الأول من القرن العشرين التوجس من صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة والحركات العنصرية ومواجهتها الحاسمة بدحض أفكارها وشعاراتها المتهافتة والامتناع التام عن الاقتراب من اختزالها للأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ظواهر سلبية يدفع بمسئوليتها إن باتجاه الآخر الديني كما في الماضي (اليهود الألمان في النصف الأول من القرن العشرين) أو الآخر العرقي والديني كما في الوقت الراهن (الأجانب غير الأوروبيين واللاجئين القادمين من العالم العربي والإسلامي).

لا يمثل إطلاق العبارات المعادية للأجانب والكارهة للاجئين المسار الوحيد للتناول السياسي والإعلامي لقضية الهجرة، ويجافي الصواب أيضا تصور أن الصمت على الصعوبات التي تطرحها الأعداد المتزايدة للمهاجرين واللاجئين على المجتمع والسياسة في ألمانيا سيجعلها تتراجع تدريجيا. بل المطلوب هو من جهة المعالجة الموضوعية للهجرة التى تضغط منذ ٢٠١٥ بمئات آلاف القادمين الجدد اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وأمنيا على المناطق والمدن الألمانية، ومن جهة أخرى طرح رؤى وحلول سياسية واقعية لاندماج الأجانب واللاجئين ولأزمات البطالة والفقر والنزوح الداخلي في شرق ألمانيا وللتوزيع المتوازن لأعباء الهجرة واللجوء إلى أوروبا بين دول الاتحاد الأوروبي الكثيرة (لا توازن حاليا بين اليونان وألمانيا وإيطاليا والنمسا التي تستقبل مئات الآلاف من المهاجرين سنويا وبين دول كالمجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا التي تغلق أبوابها في وجه غير الأوروبيين وغير البيض).

ومن بين شروط المعالجة الموضوعية وطرح رؤى وحلول واقعية لقضية الهجرة يظل الامتناع عن الاستخفاف بالعبارات المعادية للأجانب والكارهة للاجئين ورفض العنف من قبل اليمين المتطرف والعنصريين شرطا أساسيا. ويستطيع المسئولون الحكوميون والبرلمانيون والسياسيون الألمان النظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي رتب بها خليط من القبول الصامت والتجاهل المتعمد لصعود العداء والكراهية للأجانب في الفضاء العام (من بين عوامل أخرى) وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أو الالتفات إلى الأغلبية الثابتة لأحزاب وحركات اليمين المحافظ والراديكالي في بلدان شرق ووسط أوروبا التي تعتاش على إغلاق الأبواب في وجه الأجانب.

على نخبة الحكم الألمانية، وهي نخبة منتخبة وديمقراطية النزعة، التفكير في الخطر الداهم الذي تحمله عبارات وزير الداخلية زيهوفر حين يحتفى بها اليمين المتطرف والحركات العنصرية وحين يتخوف العقلاء في السياسة والإعلام من تداعياتها السلبية التي قد تحفز على المزيد من العنف تجاه الأجانب والمزيد من اختزال أزمات ألمانيا إلى الهجرة كأم متوهمة لكل الأزمات والقضايا.

فالحفاظ على الديمقراطية، نظاما عاما وثقافة، يستدعي الدفاع المستمر عن قيم المساواة والتسامح والسلمية وحق الأجانب واللاجئين في الاندماج ويستدعي أيضا الرفض القاطع للأفكار والشعارات التي تنشر الكراهية وتهدد السلم الاجتماعي. قولا واحدا، لن تنجح أبدا مواجهة لليمين المتطرف والعنصرى تستند إلى تبني عباراته من قبل مسئولين وسياسيين ينتمون إلى أحزاب ديمقراطية ويتوهمون قدرتهم على الحد من غلواء العداء والكراهية للأجانب وللاجئين بسحب البساط من تحت أقدام المتطرفين والعنصريين.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.