في مثل هذا الأسبوع من عام 2014، وفي ذكرى مرور ربع قرن على إعلان فرانسيس فوكوياما المفكر الأمريكي الشهير نهاية التاريخ، نشرت مجلة ذا أتلانتك الأمريكية مقالاً بعنوان "لم تحن نهاية التاريخ بعد". رصدت المجلة بوضوح بعض الحقائق البسيطة: لم تنتصر الديمقراطية الليبرالية التمثيلية على كافة أشكال الحُكم الأخرى، ولا السوق ولا التجارة الحرة تعملان بكفاءة، بل يتراجعان، وكلها جميعاً صارت محل شك ونقمة شعبية حتى في الديمقراطيات الليبرالية المثال. وها هو صراع عالمي جديد، وصفته المجلة يومها بحرب باردة ثانية، يندلع بين الولايات المتحدة من جانب وبين الصين وروسيا من جانب آخر.

يعترف فوكوياما في كتابه الجديد الصادر الشهر الماضي بأن العالم تغير عن تلك اللحظة حينما نشر مقاله الأول عن نهاية التاريخ في 1989 قبيل انهيار الكتلة الشرقية، أو عندما ظهر كتابه الأشهر في 1992، برغم أنه مازال متمسكاً بفكرته الرئيسية. على مدار السنوات الماضية راجع فوكوياما الكثير من أفكاره. راجع تأييده للمحافظين الجدد، وقد كان يحتل موقعا استشارياً في الإدارة الأمريكية وقت صدور كتابه. ودفع في كتابين من الحجم الكبير بانحطاط وتراجع مؤسسات الديمقراطية والدولة، بل إنه حتى قدم انتقادات لليبرالية الجديدة، التي تساهم في اضمحلال الطبقة الوسطى. وفي مقدمة كتابه الجديد، الذي يركز على قضايا الهوية يضيف لهذه المراجعات أمرين يقول إن نظريته لم تعط لهما الاعتبار الكافي: الأول، هو صعوبة تطور الدولة الحديثة غير المشخصنة، وهو ما يسميه الوصول إلى الدنمارك والثاني، هو احتمالية انحطاط وتراجع الديمقراطية الليبرالية الحديثة.

وائل جمال
وائل جمال باحث حائز على منحة العريان في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. تركّز أبحاثه على الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتفاوت الاجتماعي المتفاقم، وتآكل الطبقة الوسطى في العالم العربي.
More >

يقدم فوكوياما مدخلاً قائما على مفهوم الكرامة والسعي البشري من أجل الإحساس بالتقدير، كي يفسر صعود سياسات الهوية وانحطاط الديمقراطية. ولا ينسى التأكيد على أنه لم يكن ليكتب كتابه الجديد لولا وجود دونالد ترامب في قيادة الولايات المتحدة. ترامب نفسه كان حاضراً في كتاب فوكوياما عن نهاية التاريخ كمثال على رائد الأعمال الفرد الطموح الذي يوجه سعيه للتقدير بأمان نحو عالم الأعمال والتسلية، قبل أن يعود ليكون مثالاً على مشاكل النظرية.

يقول فوكوياما إن الديمقراطيات الليبرالية الحديثة تعد بالحد الأدنى من الحقوق الفردية المتساوية وحكم القانون، لكنها لا تضمن أن الكل بالذات من هم في الجماعات المهمشة سيعاملون بالاحترام الواجب. فشلت الديمقراطية الليبرالية في تحقيق هذا مما أنتج، في تقديره، سعياً مفرطاً من أجل الكرامة والتقدير، قائما على الهوية، وهو سعي "يتغذى على الاستثناء، وتحمل المخاطر الكبرى، والاشتباك في صراعات ملحمية والسعي للنتائج الكبرى، لأن كل ذلك يجلب تقديراً للذات بأنها تعلو على غيرها"، على حد تعبيره في الكتاب.

من بين التعريفات المتعددة للهوية، التي يقول فوكوياما إنها غذَّت سياسات اليمين (باستدعاء المصلحة القومية والرابطة القومية الثقافية) واليسار (بالتركيز على حقوق المهمشين والمهمشات وحركاتهم الاجتماعية بدلاً من صراع "جمعي" كالصراع الطبقي أو الإصلاح الاجتماعي، وتعززت بصعود الإسلام السياسي والشعبوية اليمينية المتطرفة، يختار فوكوياما تعريفه: "تنبثق الهوية من التمييز بين ذات الفرد الداخلية وبين العالم الخارجي الذي لا يعطيها حق قدرها ويعاملها بالكرامة الواجبة". ويعتبر فوكوياما أن هذه الظاهرة قد تكررت كثيراً في التاريخ لكن فقط في العالم المعاصر تمكنت الفكرة التي تقول إن العالم الاجتماعي الخارجي على خطأ، وإنه يجب تغييره ليماثل صورة الفرد عن ذاته: هويته.

ورغم أن فوكوياما يستعرض في صفحات مطولة في الكتاب مظاهر فشل الليبرالية السياسية الاقتصادية قبل وبعد الأزمة الاقتصادية العالمية، وكيف ساهمت اللامساواة في الدخل والثروة (مقتبسا من توماس بيكيتي وبرانكو ميلانوفيتش)، واحتكار النخبة للسياسة وانفرادها بقرارات وسياسات فاقمت الأزمة على مدى سنوات، إلا أنه يقدم مفهوم الكرامة وكأنه ينقذ نفسه من مراجعة هيكلية لتاريخه الذي لم ينته. يقول فوكوياما إن الثراء في مقابل الفقر بالمعنى المادي ليس هو لب المشكلة، وإنما هو الشعور بالإهانة الذي يترافق مع اللامساواة. ويستخدم النقد المتصاعد لفرضيات "الرجل الاقتصادي" الرشيد، الذي يعرف مصلحته ويسعى لها، وهي في لب تصوراته عن انتصار النموذج الليبرالي، كي يقلل من أهمية الفشل الاقتصادي لرأسمالية الثلاثين عاماً الماضية.

تتماشى هذه النظرة مع التصورات التي لم تر في انتفاضات وثورات العرب في 2011 سوى تحركات من أجل الكرامة. بل إن فوكوياما يعتبر الثورة التونسية نموذجاً لمفهومه عن الكرامة، حيث قامت على إحساس بوعزيزي ومن هم مثله بالإهانة والافتقار للاحترام والنقمة على المتسببين في ذلك، متفادياً النظر لأبنية السلطة والقمع المتزاوجة مع ليبرالية اقتصادية حازت ثناء البنك الدولي لسنوات، ومرجعاً هزيمة هذه الثورات فقط إلى أن العرب بعد أن أطاحوا بالحكام "لم يتفقوا على طريقة حكم بديلة"، وكأن هذه العملية تمت في فراغ سياسي اجتماعي اقتصادي كامل.

"أن تكون فقيراً يعني أن تصبح لا مرئياً للبشر من حولك، وإهانة أن أكون لا مرئياً أسوأ من الفقر نفسه"1، هكذا يعترف فوكوياما بالمظالم الاقتصادية البنيوية وأثرها، ثم ينحيها جانباً بحثاً عن مسار آخر مناسب يركز على الأعراض لاستكمال سعيه لنهاية التاريخ، كمن يبحث عن القرش الضائع في الزقاق المضيء. ويطبع ذلك الفصول الذي يتحدث فيها عن الطريق الذي يجب سلوكه. لا يطرح فوكوياما أبداً سبلاً للتعامل مع تلك الأبنية التي تحدت في تطورها نظريته في المقام الأول. وإنما يبدأ بالدعوة لإعادة تعريف الهوية في إطار الدولة القومية التي تضمن الأمان المادي والتي لها أهميتها، وفقاً له، في نوعية الحكم وتقليص الفساد، وتسهيل التنمية، وبث الثقة وتوفير شبكات الأمان الاجتماعي، وإن كل هذا شرط للديمقراطية الليبرالية. يقترح فوكوياما أيضاً جنسية واحدة للاتحاد الأوروبي، وسياسات للإدماج الثقافي كطريق لحل معضلة تعدد الثقافات والهويات الثقافية منها منع حمل الفرد لأكثر من جنسية، وهو في ذلك يكاد يذكرنا بتحذيرات ترامب للألمان والإنجليز من عواقب تدفق المهاجرين على اضمحلال ثقافة بلادهم، في نظرة لا تكاد ترى أبعد من السياسة في الغرب.

يقول فوكوياما في تفسيره لصعود سياسات الهوية (ليست كلها شراً بالتأكيد) حتى بين من يعارضون الشعبوية السلطوية، إنه من الأسهل في دوائر السلطة أن تحارب معاركك على هذا الأساس، وتتفادى تلك المعارك التي تتحدى توزيع الثروة والقوة، والتي ستستتبع مواجهات غير مضمونة العواقب. وهو يؤكد مرة أخرى أن نظريته قد فهمت خطأ، وأن نهاية التاريخ لا تعني سوى أن الهدف قد تحقق ببلورة النموذج الليبرالي كأفق وحيد للبشرية، إشكالي نعم لكنه الوحيد ومازال الوحيد. وهو في ذلك ينحو نحو معارضي الشعبوية السلطوية في تفادي سؤال ومعركة أكبر قد ينطلقا من أن التاريخ ليس فقط لم ينته بعد بتعبير ذا أتلانتك، وأنه لن ينتهي أبداً حيثما يبحث فوكوياما عن قرشه، بل ربما يسعى لميلاد جديد يخلقه الناس في ساحات أرحب.

1فرانسيس فوكوياما، الهوية: المطالبة بالكرامة وسياسات النقمة، الناشر: فارار وشتراوس وجيرو، نيويورك، سبتمبر 2018، 218 صفحة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.