قرار جلالة الملك إنهاء ملحقي المعاهدة بما يتعلق بأراضي الباقورة والغمر سيادي بامتياز، ويرسل رسالة واضحة وصارمة لإسرائيل برفض الأردن الرسمي والشعبي لسياساتها العنصرية ضد الشعب الفلسطيني، وضد حل الدولتين، وبالتالي ضد المصلحة الوطنية الأردنية العليا. يحتاج هذا القرار لوقفة شعبية كبيرة وراء جلالة الملك، ووراء الجهود المضنية التي سيكون على الحكومة بذلها في مرحلة التفاوض المقبلة مع اسرائيل لوضع هذا القرار موضع التنفيذ.

في العام 1991، اتفقت سورية ولبنان والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية على الذهاب لمؤتمر مدريد للسلام، ليس حبا بإسرائيل ولكن أملا في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على ترابها الوطني بما يحقق المصلحة الوطنية الفلسطينية والمصلحة الوطنية الأردنية على حد سواء.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

وعندما فوجئ الأردن كما الوفد الفلسطيني المفاوض بوجود قناة سرية أدت لاتفاق أوسلو في شهر آب 1993، امتعض جلالة المغفور له الملك الحسين جدا، لأن الرئيس الراحل ياسر عرفات لم يطلعه على الإطلاق على هذه القناة السرية، ولأن الاتفاق له تأثيرات على الأردن، خاصة وأن فيه ثغرات مقلقة أهمها أنه أجل التفاوض حول مواضيع الحل النهائي مدة عامين، ولم ينجح في تجميد بناء المستوطنات. وأذكر كيف استشاط رئيس الوفد الفلسطيني الدكتور حيدر عبد الشافي رحمه الله غضبا، وكيف بقينا في الوفد المفاوض في واشنطن أياما دون توجيه من عمان للتعامل مع ما حدث. في النهاية، شعر جلالة الملك الحسين أن لا خيار أمامه إلا دعم القيادة الفلسطينية وما توصلت إليه مع الحكومة الإسرائيلية، وكان الاعتقاد العربي آنذاك أن فترة الخمس سنوات التي حددتها أوسلو للوصول إلى اتفاق نهائي مقبولة ولن ينتج عنها زيادة كبيرة في حجم المستوطنات.

كنت أيامها الناطق باسم الوفد الأردني، ولم أكن مطلعا على تفاصيل المفاوضات اللاحقة التي أدت للمعاهدة الأردنية الإسرائيلية ولقبول الأردن بتأجير أراضي الباقورة والغمر، وأن قد يعزى السبب للأجواء التي كانت سائدة في حينه من إمكانية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي بحلول العام 1999.

بعد ما يقرب من ربع قرن على اتفاقية أوسلو والمعاهدة الأردنية الاسرائيلية، بات واضحا أن ليس في نية إسرائيل إنهاء الاحتلال، وأن عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس المحتلة زاد من مائتين وخمسين ألفا عام 1993 إلى أكثر من ستمائة وخمسين ألفا اليوم. وبات واضحا أيضا أن فرص حل الدولتين أصبحت شبه معدومة وأن تداعيات ذلك قد تكون كارثية على الأردن تحديداً باعتبار أن إسرائيل لا ترغب بوجود أغلبية فلسطينية داخل الأراضي التي تسيطر عليها وستحاول بالتالي حل النزاع على حساب الأردن.

ضمن هذه المعطيات الواضحة، فإن قرار جلالة الملك ليس مهما فقط من ناحية الكرامة والعزة الوطنية، ولكن أيضا من ناحية أن أي تقارب مع إسرائيل، وقد أصبح واضحا نيتها عدم إنهاء الاحتلال، بحاجة لإعادة نظر جذرية. ولذا فإن مدلولات القرار تذهب أبعد من الأراضي لتتناول العلاقة بأكملها مع إسرائيل.

لقد حان الوقت لمقاربة رسمية جديدة للعلاقة الأردنية الإسرائيلية. قرار جلالة الملك خطوة مهمة للغاية في هذا الاتجاه، ووقفة إضافية ضد صفقة القرن وكل المحاولات الأميركية والإسرائيلية لإنهاء النزاع العربي الإسرائيلي على حساب الأردن.

سندخل الآن في مرحلة تفاوضية شاقة، لأن إسرائيل ستضغط بكافة الوسائل لتمديد العمل بالاتفاقية السابقة لأراضي الباقورة والغمر، وسنحتاج لشحذ كل الخبرات القانونية الأردنية اللازمة، وهي متوفرة بحمد الله، لاستعادة السيطرة الكاملة على هذه الأراضي، ولإفهام إسرائيل بأن سياساتها العنصرية لن تمر دون معارضة رسمية وشعبية أردنية فاعلة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.