إذا كنا فى مصر نريد الانفتاح الحقيقى على جوارنا الإفريقى، فعلينا من بين أمور أخرى تنشيط التعاون الثقافى والفنى والأكاديمى مع بلدان القارة السمراء. وقد أتاحت لى الأيام الماضية فرصا للحوار مع أدباء ومثقفين وأكاديميين أفارقة من المهتمين بجسر الفجوة بين مصر وشمال القارة من جهة وجنوبها من جهة أخرى، وتبلورت من خلال الحوار حزمة من الأفكار الأولية التى أقدمها هنا للنقاش العام.

أولا: تشترك مصر مع الكثير من بلدان أفريقيا فى الوقوع ضحايا للنهب الأوروبى (الغربى عموما) لآثار وتراث الحضارات القديمة التى بزغت منذ آلاف السنين. تحتوى المتاحف والمعارض الأوروبية والأمريكية على أقسام ومجموعات هائلة من الآثار المسروقة للحضارات الأفريقية القديمة. يحفز التشارك فى هوية «الضحية» على الاشتراك فى عمل ثقافى (وربما دبلوماسى وسياسي) لاستعادة ما نهب وإعادة توطينه فى مكانه الطبيعى، من مصر والسودان والكونغو وكينيا إلى بلدان الغرب والجنوب الإفريقى.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

ثانيا: ما يقال عن الآثار، ينطبق أيضا على الأرشيف التاريخى للبلدان الأفريقية قبل وأثناء الحقبة الاستعمارية. ربما تكون مصر قد نجت من نهب ذاكرتها التاريخية حيث لم تنهب وثائقها، إلا أن العديد من دول القارة حرم من توثيق تاريخه القديم والحديث بسبب استيلاء المستعمرين على الأرشيف ونقله محتوياته إلى الحواضر الأوروبية. على سبيل المثال، يوجد أرشيف القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للكونغو ونصف القرن العشرين (زائير سابقا) فى أرض المستعمر السابق، بلجيكا. ويمتد ذلك إلى بلدان أخرى عديدة. لا تقل أهمية استعادة الوثائق التاريخية عن أهمية استعادة الآثار المنهوبة.

ثالثا: هناك اتحادات للكتاب والمثقفين والفنانين والمبدعين فى العدد الأكبر من البلدان الأفريقية.. وتستطيع هذه الاتحادات أن تنهض لتشكيل حلقات للتواصل على امتداد القارة، إن هى توقفت عن النظر الأحادى إلى أوروبا والغرب ومدت البصر إلى جوارها القريب والبعيد فى أفريقيا. كمتابع غير متخصص، أعرف على سبيل المثال أن هناك تشكيلات إفريقية لاتحادات الكتاب وأن هناك بعض التظاهرات الفنية التى تهتم بالفن والإبداع فى القارة (كمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية). فعل المزيد على هذه المستويات يمثل مدخلا ضروريا للغاية لتعريف الشعوب بالمنتج الأدبى والثقافى والفنى فى القارة والتقريب بين المبدعين الإفريقيين الذين لا تنظر أغلبيتهم إلا إلى الغرب.

رابعا: أكاديميا، يمكن الإفادة من البرامج الأوروبية والغربية العديدة التى تنشط التعاون بين الجامعات داخل أوروبا وبينها وبين الجامعات الأمريكية الشمالية وبين هذه وتلك وجامعات بلدان الجنوب التى تصنف بداخلها الجامعات الأفريقية. نحتاج قاريا لأكثر من معهد للدراسات الأفريقية على نظير ذلك الذى أسسته جامعة القاهرة فى خواتيم القرن العشرين. نحتاج قاريا لبرامج لتبادل الطلاب على شاكلة برنامج «اراسموس» الأوروبى، بحيث يتحرك طلاب الجامعات الأفريقية على امتداد القارة كجزء من دراستهم وبحيث يتحول التعرف على أحوال بلدان فى الجنوب والغرب والشرق والشمال الإفريقى إلى مكون أساسى فى المناهج الجامعية وفى الخبرات الحياتية. نحتاج لمنح دراسية كتلك التى يقدمها الأزهر للدارسين الأفارقة والبرامج الحكومية المصرية الأخرى، نحتاج إليها على امتداد القارة السمراء.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.