لا تدع السلطوية الحاكمة في مصر مجالا أو قطاعا مؤثرا في الفضاء العام إلا وتعمل على إخضاعه وإطلاق معاول السيطرة الأمنية عليه. في آب/ أغسطس 2018 (تحديدا في الرابع عشر منه)، أصدر رئيس الجمهورية القانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات والذي يخلط عمدا بين التعقب المشروع لمن يمارسون الاحتيال والنصب موظفين شبكات وأنظمة وتقنيات المعلومات وبين إعطاء السلطوية المسوغات القانونية والنصوص المطاطية التي تحتاج إليها لحجب المواقع الإلكترونية التي تنشر وتتداول المواد الإخبارية والمعلومات والآراء والأفكار حول أوضاع المجتمع وأمور السياسة.

مثله مثل قوانين الصحافة والإعلام التي صدرت أيضا في صيف 2018، يحاصر قانون «جرائم تقنية المعلومات» حرية التعبير عن الرأي ويهدد المتمسكين بها بالعقاب الممنهج إن حجبا لمواقعهم أو توقيعا لغرامات مالية وعقوبات بالسجن.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

في مادته الأولى، يوسع القانون نطاق اختصاصه ليشمل كل «مجال أو مكان افتراضي له عنوان محدد على شبكة معلوماتية، يهدف إلى إتاحة البيانات والمعلومات للعامة أو الخاصة» ثم ينتقل في مادته السابعة (بعد مجموعة من التعريفات الإجرائية) إلى تمكين الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (وبالجهاز حضور قوي للأجهزة الأمنية والاستخباراتية) وجهات الأمن القومي (وتحددها القوانين المصرية في رئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية والمخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية) إن من التقدم بطلبات إلى «الجهات القضائية المختصة» لحجب المواقع التي ترتكب «الجرائم المنصوص عليها» وتشكل «تهديدا للأمن القومي أو أمن البلاد واقتصادها» أو من الحجب الفوري والمسبق للمواقع المغضوب عليها وطرح الأمر لاحقا على الجهات القضائية. بل يمنح القانون في مادته التاسعة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وجهات الأمن القومي صلاحية منع «المتهمين بارتكاب الجرائم المنصوص عليها» من السفر لمدد قد تستمر لسنة كاملة (عبر قرارات تصدرها النيابة العامة) دون تحريك لدعوى جنائية بحقهم.

أما «الجرائم» التي ينص عليها القانون، فتحوي الاعتداء على سلامة شبكات وأنظمة وتقنيات المعلومات (من المادة 13 إلى المادة 22) والاحتيال والاعتداء على بطاقات البنوك والخدمات وأدوات الدفع الإلكتروني (المادتان 23 و24) مثلما تشير إلى الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والمحتوى المعلوماتي غير المشروع (المادتان 25 و26) قبل أن تنتقل إلى جرائم مديري المواقع والمسؤولية الجنائية لمقدمي الخدمات الإلكترونية وجرائم الإضرار بالأمن القومي والسلم الاجتماعي (من المادة 27 إلى المادة 34). هي تلك الطائفة الأخيرة من «الجرائم» التي تشرع الأبواب لحجب المواقع الإخبارية والمواقع التي تتداول من المعلومات والآراء والأفكار ما لم ينسجم مع الرأي الرسمي، هي تلك الطائفة الأخيرة من «الجرائم» التي تمكن السلطوية من تعقب مديري المواقع والعاملين بها وفقا لصياغات مطاطية يستحيل تعريفها على نحو قانوني منضبط مثل الإضرار بالسلم الاجتماعي، هي تلك الطائفة الأخيرة من الجرائم التي يقر القانون بشأنها كعقوبة طيفا من الغرامات المالية والحبس لمدد مختلفة، هي تلك الطائفة الأخيرة من الجرائم» التي تستكمل مع قوانين الصحافة والإعلام حصار حرية التعبير عن الرأي في الفضاء العام المصري.

بل أن القانون رقم 175 لسنة 2018 يشرعن لرقابة السلطوية الدائمة على كافة المواقع الإلكترونية والعاملين بها والمتعاملين عليها من خلال إلزام مديري المواقع بحفظ كل البيانات الخاصة بها لمدة 180 يوما متصلة وبتسليم كل البيانات للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ولجهات الأمن القومي (المادة السادسة)، وتهديد الممتنعين عن ذلك الإلزام «بالحبس والغرامة أو إحداهما» (وفي جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة والمعدات وإغلاق محال العمل) شأنهم هنا شأن الممتنعين عن تنفيذ قرارات حجب المواقع، ورفع السقف العقابي إلى السجن المشدد حال ربط الجهات القضائية المختصة بين الامتناع وبين الإضرار بالأمن القومي والسلم الاجتماعي (من المادة 30 إلى المادة 34).

ثم يتواصل حصار حرية التعبير عن الرأي واصطناع بيئة للخوف لإجبار المواطن على قبول التخلي عن الرأي الحر وللتهديد الممنهج للعاملين في المواقع الإلكترونية بنزوع القانون إلى تجريم النوايا! ينص القانون في مادته الأربعين على معاقبة «كل من شرع في ارتكاب الجنح المنصوص عليها في هذا القانون بما لا يجاوز نصف الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة»، ويستن بذلك دون تحديد قانوني منضبط لمضامين «الشروع في ارتكاب جرائم تقنية المعلومات» عقابا على النوايا يتشابه مع ما أضحت قوانين مصرية أخرى تحويه. والنموذج الأشهر في هذا الصدد هو المادة رقم 78 المعدلة من قانون العقوبات (عدلت في خريف 2014) والتي تتسم بصياغة لغوية فريدة في مطاطيتها تصل إلى حد تجريم أشياء غير معرفة ومحاسبة النوايا والوعود. ففقرتها الأولى تنص على أن «كل من طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ ولو بالواسطة من دولة أجنبية أو ممن يعملون لمصلحتها أو من شخص طبيعي أو اعتباري أو من منظمة محلية أو أجنبية أو أية جهة أخرى لا تتبع دولة أجنبية ولا تعمل لصالحها، أموالا سائلة أو منقولة أو عتادا أو آلات أو أسلحة أو ذخائر أو ما في حكمها أو أشياء أخرى أو وعد بشيء من ذلك بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر أو الإخلال بالأمن والسلم العام يعاقب بالسجن المؤبد وبغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه ولا تزيد على ما أعطي أو وعد به»!

هي كارثة كبرى على حكم القانون وضمانات حقوق وحريات المواطن حين يسقط كل تحديد موضوعي للأشياء المجرم فعلها بالزج بعبارة «أو أشياء أخرى»، وحين يكتمل التخلي عن ضرورات التعريف القانوني المنضبط للجرائم بإدراج صياغات مطاطية إضافية مثل «أو وعد بشيء من ذلك»، وحين يصير إنزال العقاب بالمواطنين ممكنا قانونا بالرجوع إلى ما تراه السلطوية الحاكمة «نواياهم الحقيقية»، وحين تتحول مصر الراهنة إلى دولة الأخ الأكبر التي تحاسب مواطنيها ليس فقط على الآراء والأفكار بل أيضا على النوايا والوعود وما بداخل النفوس.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.