تُمثّل العاصمة الإدارية الجديدة لمصر، التي يجري العمل راهناً على بنائها – والتي أُطلِق عليها مؤقتاً اسم "وديان" – تمثّل إذاً، على نحو ملموس، الوجهة التي يحاول الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يستدرج البلاد إليها خلال حكمه السلطوي المستمر منذ خمس سنوات. هذه المدينة التي أوكِلت إلى الجيش في شكل أساسي مهمة بنائها وإدارتها سوف تكون "مدينة ذكية" برّاقة ومعاصرة تضمّ مؤسسات حكومية ومباني سكنية، على بعد نحو 28 ميلاً في الشرق الصحراوي لمدينة القاهرة التي تعود إلى آلاف السنين وتحتضن كثافة سكّانية عالية. كما أن فراغ "وديان" الذي يتردد صداه في أرجاء المدينة يرمز إلى أنه ليس لمعظم المصريين مكانٌ في رؤية السيسي – فالعاصمة الإدارية أشبه بالمنطقة الخضراء في بغداد، حيث سيمارس السيسي حكمه إلى أجل غير مسمّى خلف طوق أمني، معزولاً عن مطالب سكّان البلاد الذين يبلغ عددهم 97 مليون نسمة.

إذاً لن يكون الوصول إلى "وديان" متاحاً للجميع بل سيخضع لقيود وضوابط، في واقعٍ يجسّد صورة مجازية عن الإنجاز الأبرز الذي حقّقه السيسي، إذا كان جائزاً توصيفه بالإنجاز: إعادة بناء جدار الخوف الذي يفصل المواطنين عن الدولة. في انتفاضة 2011 في مصر، خُرِق حاجز الخوف الذي رُفِع في عهود الرؤساء جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، ما أدخل الفرح إلى قلوب الثوّار الشباب وزرعَ القلق والتوجّس في نفوس كبار الضباط العسكريين. أشعل المتظاهرون النيران بمقرّ الحزب الحاكم في كانون الثاني/يناير 2011 ونهبوا مكاتب أمن الدولة في مطلع آذار/مارس من العام نفسه؛ وتكرّرت الاحتجاجات أمام القصر الرئاسي ووزارة الداخلية والمحكمة العليا في القاهرة. وحاول المصريون أيضاً، بدرجات متفاوتة من النجاح، تفكيك هيكليات الحكم السلطوي غير الملموسة إلى حد ما، مثل قانون الطوارئ الذي فُرِض بصورة شبه متواصلة طوال عهد مبارك الذي حكم البلاد على امتداد ثلاثين عاماً، والدستور الذي يتعرض للانتهاك المستمر، والقوانين عن المشاركة السياسية، ومجموعة من القيود المفروضة على حريّتَي التجمع والتعبير.

بعد إطاحة مبارك في شباط/فبراير 2011، عرفت البلاد عاماً من الفوضى في ظل حكم عسكري "انتقالي". ثم فاز الحزب السياسي الذي شكّله الإخوان المسلمون (التيار الديني والسياسي الأقدم والأكبر في البلاد) بأكثرية من المقاعد في الانتخابات التشريعية. وقد نكث الإخوان بالتعهد الذي كانوا قد قطعوه سابقاً بعدم الترشح أيضاً لرئاسة الجمهورية، ونجحوا في إيصال محمد مرسي إلى سدّة الرئاسة في حزيران/يونيو 2012.

كان أداء مرسي جيداً إلى حد ما في الأشهر الستة الأولى من ولايته – والتي عيّن خلالها السيسي وزيراً للدفاع – إنما بدأت تظهر لديه ميولٌ سلطوية في مواجهة المعارضة المتزايدة من المجموعات العلمانية. واشتدّت التشنّجات مع قيام مرسي بإصدار بيان دستوري قطعَ بموجبه الطريق على أي طعن قضائي بالمراسيم الصادرة عنه، ثم فرض إعادة صياغة الدستور مع اقتصار المساهمة من خصومه السياسيين على حدّها الأدنى. وبعد انطلاق تظاهرات حاشدة للمطالبة باستقالة مرسي، دفع السيسي بالتجربة الديمقراطية برمتها نحو التعثّر والانهيار عبر تنفيذ انقلاب عسكري في الثالث من تموز/يوليو 2013. وكما كان متوقَّعاً، ردّ الإخوان على الانقلاب بتنظيم تظاهرات حاشدة. فشنّ السيسي حملة قمع مروِّعة بلغت ذروتها بمقتل زهاء ألف متظاهر في اعتصام في القاهرة في 14 آب/أغسطس 2013.

وفي الأعوام الخمسة اللاحقة، اتّضح أن ممارسات السيسي القمعية لا تقف عند حدود الإخوان بل تذهب أبعد من ذلك بكثير. فوفقاً للتقديرات، زجّ نحو 60000 شخص من مختلف الأطياف الأيديولوجية في السجن لدوافع سياسية. وقد تعرّض عددٌ كبير منهم للتعذيب، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية، والاكتظاظ الخطير في السجون، والحرمان من الرعاية الطبية الروتينية. وعلى الرغم من أن كثراً منهم متّهمون بـ"الإرهاب"، إلا أن شريحةً ضئيلة فقط من هؤلاء السجناء كانت على صلة بتمرّدٍ مسلّح تابع لما يُسمّى بالدولة الإسلامية التي تنشط في شكل خاص في سيناء. فمعظهم كانوا من الشباب الذين تجرّأوا على المشاركة في التظاهرات المناهضة للانقلاب، أو ممَّن اشتُبِه بانتمائهم إلى مجموعات ناشطة مثل حركة شباب 6 أبريل العلمانية. وقد استُخدِمت قوانين قمعية جديدة لمكافحة التظاهرات والإرهاب (الذي جرى توسيع تعريفه ليشمل المعارضة غير العنفية)، في محاكمات جماعية أصدرت أحكاماً بسجن المئات لسنوات أو بالإعدام.

في الوقت نفسه، تعرّضت مؤسسات الحياة العامة، التي أنشئت في عهد مبارك وازدهرت بعد انتفاضة 2011 – وسائل إعلام مرئية ومسموعة مملوكة من جهات مستقلة، مواقع إلكترونية إخبارية، برامج ساخرة عبر محطات التلفزة والمواقع الإلكترونية، أحزاب سياسية، منظمات أهلية – لهجوم ضارٍ من جهاز أمن الدولة الذي اكتسب صلاحيات واسعة من جديد في عهد السيسي. حتى الأفرقاء الذين دعموا الانقلاب والسيسي إنما حاولوا الحفاظ على نذر يسير من الاستقلالية، تعرّضوا للإلغاء بصورة منهجية. فالأحزاب على غرار حزب المصريين الأحرار الداعِم للأعمال والشركات، والمنظمات الحقوقية مثل مجموعة نظرة للدراسات النسوية، وصحيفة المصري اليوم (وهذا ليس سوى غيض من فيض) إما استولى عليها أزلام النظام وإما دُفِعَت نحو الإقفال والتوقف عن العمل – فضلاً عن الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام ومئات المجموعات المدنية التي كان يجمعها رابطٌ في السابق بالإخوان أو اليسار الثوري.

بحلول العام 2018، أصبح معظم المصريين الذين أدّوا أدواراً مهمة في الحياة العامة بين منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وانقلاب 2013، في السجن أو في المنفى خارج البلاد في إطار عمليةٍ شكّلت هجرة عقول واسعة. أما مَن مكثوا في البلاد فقد لازمهم هاجس الصمود وتأمين لقمة العيش وسط الظروف الاقتصادية العصيبة مع إبقاء رؤوسهم مطأطأة (وأصواتهم أيضاً).

حرّاس الاقتصاد

في العاصمة الإدارية "وديان"، لا يترك الجيش أي شيء تقريباً لعامل الصدفة. قال العميد خالد الحسيني سليمان لقناة "إن بي سي نيوز" في آب/أغسطس 2018: "سوف يتسلّم الجيش مركز القيادة والسيطرة، وسوف يأخذ على عاتقه إدارة المدينة بكاملها وضبطها عن طريق المركز". سليمان هو المتحدّث باسم المنظمة التي تتولى الإشراف على بناء العاصمة الجديدة، والتي يمتلك فيها الجيش حصّة مسيطِرة إلى جانب وزارة الإسكان. يُشكّل هذا الترتيب المريح "الإنجاز" الكبير الثاني للسيسي في غضون خمس سنوات: إعادة توجيه الاقتصاد المصري وكذلك المنظومة السياسية بما يصبّ في مصلحة الجيش. 

في حين أنه كانت للجيش، على امتداد عقود، عمليات تُولّد إيرادات طائلة – منذ توقّفه عن خوض حروب إقليمية وتحوّله إلى مركز لبرامج التوظيف وجني الأرباح – بلغت أنشطته الاقتصادية، في عهد السيسي، مستوى جديداً. فبعد إقرار سلسلة من التغييرات القانونية، باتت الشركات العسكرية، أو ما يُسمّى بالشركات الخاصة التي يرأسها ضباط عسكريون حاليون أو متقاعدون، تستحوذ، بسهولة أكبر من أي وقت مضى، على معظم العقود الحكومية. تُشرف وزارة الإنتاج الحربي ووزارة الدفاع، فضلاً عن الهيئة العربية للتصنيع المملوكة من الجيش، على عشرات الشركات التي تتنوّع إنتاجاتها بدءاً من الأسلحة مروراً بشق الطرقات الخاضعة لرسم مرور وصولاً إلى الأدوات الكهربائية والمواد الغذائية المخصصة للسوق التجارية. هذه الشركات العسكرية معفيّة من الضرائب (بما في ذلك الضريبة على القيمة المضافة التي أُقِرَّت في العام 2016 في إطار الإصلاحات التي فرضها صندوق النقد الدولي مقابل منح مصر قرضاً قدره 12 مليار دولار أميركي)، وتتمتع بحرية توظيف المجنّدين إلزامياً والوصول إلى مساحات شاسعة من الأراضي المملوكة من الدولة، وتُفيد من شبكة واسعة من الضباط القادرين على شق طريقهم عبر البيروقراطية الشهيرة في البلاد، وهي تتباهى بالتالي بقدرتها على إنجاز الأمور بفعالية أكبر بالمقارنة مع القطاع الخاص.

يتعذّر تحديد الحصة الفعلية التي يستحوذ عليها العسكر في الاقتصاد، غير أن ضباطاً كباراً لا يتورّعون، في معظم الأحيان، عن الحديث عن دورهم الذي ينمو ويتوسّع بسرعة كبيرة. قال ممثّل عن وزارة الإنتاج الحربي لوكالة "رويترز" في أيار/مايو 2018، إنه من المتوقع أن تصل عائدات الشركات العشرين الخاضعة لسيطرة الوزارة إلى 15 مليار جنيه مصري (نحو 840 مليون دولار) في 2018-2019، أي أكثر بخمسة أضعاف من قيمة العائدات في 2013-2014.

ومن شأن أيّ نقاشٍ يخوضه أفرقاء مدنيون حول الامتداد الاقتصادي للعسكر أو سوء إدارة الحكم، أن يدفع بالنظام إلى صب جام غضبه عليهم. في هذا السياق، اعتُقِل الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق في تشرين الأول/أكتوبر 2018 (وأُخلي سبيله لاحقاً بموجب كفالة) بتهمة "نشر أخبار كاذبة"، وذلك على خلفية كتابه الأخير "هل مصر بلد فقير حقاً؟" والذي يزعم فيه أن سياسات الحكومات الخاضعة لسيطرة العسكر تسبّبت بحصر الثروات في أيدي قلة من الأشخاص على حساب الأكثرية. كذلك اعتُقِل ناشر الكتاب ثم أُفرِج عنه لاحقاً.

لا مكان للسياسة

في حين أن العاصمة الجديدة لا تزال حتى الآن عبارة عن ورشة بناء في شكل أساسي، إلا أنها كانت مسرحاً لمشهديةٍ ستبقى مطبوعة في الذاكرة: إطلالة السيسي في قداس عيد الميلاد لدى الطائفة الأرثوذكسية في كانون الثاني/يناير 2018، والذي احتفل به البابا تواضروس في الكاتدرائية القبطية الجديدة. لا بد من أن الصور التي التُقِطت في تلك المناسبة خضعت للتعديل بتأنٍّ شديد كي لا يظهر فيها أن الجزء الأكبر من الكنيسة كان لا يزال غير مبني في ذلك الوقت. وفي حين أنه ربما كان من الأفضل بكثير للأقباط أن يُمضوا أمسية الميلاد الباردة في كاتدرائيتهم الأساسية المقفلة بكاملها في القاهرة، اضطُرّوا إلى التوجّه إلى موقع البناء كي يتمكّن السيسي من الوفاء بالوعد الذي كان قد قطعه قبل عامٍ من تاريخه. وقد حرصت وسائل الإعلام الإخبارية في مصر وحول العالم على نشر صور السيسي وتواضروس في الكاتدرائية الجديدة، فنقلت بذلك خبراً يرتدي قيمة عالية في العلاقات العامة بالنسبة إلى الرئيس، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا.

أعرب بعض الأقباط لوسائل الإعلام عن سرورهم بالكاتدرائية الجديدة، لكنهم أردفوا أنهم يخشون أن التباهي المتواصل بأنها "الأكبر في الشرق الأوسط" قد يجعلها هدفاً للإرهابيين (الذين نفّذوا سلسلة من الهجمات على الأماكن المقدّسة المسيحية والحجّاج في مصر، كان آخرها في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي). لسوء الحظ، المسيحيون كما المؤسسة الدينية الإسلامية الرسمية هم رهائن لدى السيسي منذ ذلك اليوم المصيري في الثالث من تموز/يوليو 2013، عندما جلس البابا القبطي وشيخ الأزهر مع ضباط عسكريين يُحيطون بالسيسي لدى إعلانه عن الانقلاب الذي أدّى إلى عزل مرسي من الحكم.

يتعرّض الديبلوماسيون الأجانب أيضاً للضغوط من أجل الانتقال إلى العاصمة الجديدة. تُبدي بعثات كثيرة تردداً في الالتزام باستئجار عقارات باهظة التكلفة لإقامة مكاتبها ومقارها السكنية، وقرّرت بدلاً من ذلك الانتظار والترقّب أو الالتزام فقط بأن يكون لها حضورٌ رمزي في العاصمة الإدارية. ومثلما بات معهوداً في ظل السيسي، عندما يفشل الإلحاح المستمر في تحقيق النتائج المتوخّاة، يتحوّل النظام سريعاً نحو الإكراه: فوفقاً لبعض التقارير، لمّح المسؤولون إلى البعثات الأجنبية، في أسلوب أقرب إلى التهديد، بأنه لا يمكن ضمان سلامتهم في حال اختاروا البقاء في القاهرة. يطبع هذا الأسلوب في التعاطي نهج الاستقواء الذي يعتمده نظام السيسي في عالم الديبلوماسية. ولم يتوانَ وزير الخارجية سامح شكري عن التهديد بأن بلاده قد تطلق العنان لتدفّق موجات من المهاجرين عبر المتوسط في حال لم يُقدّم القادة الأوروبيون دعمهم للسيسي.

ومن الأمور الأخرى التي تنطبع بها مصر في عهد السيسي أنه لا مكان للسياسة. فإلى جانب تصنيف الإخوان المسلمين في خانة التنظيمات الإرهابية وحظر حزبهم السياسي، حتى الأحزاب العلمانية التي حاولت الإبقاء على علاقات جيدة مع السيسي – المصريين الأحرار والدستور وحتى الوفد ذو المكانة المرموقة، وسواها الكثير – تعرّضت للإضعاف. لقد عملت الاستخبارات المصرية على إثارة الانقسامات في صفوف القيادات، والمشكلات المادّية، والفضائح الجنسية، وغيرها من العِلل والمساوئ كي لا يبقى حزب سياسي أو زعيم بارز مستقل واحد واقفاً على قدمَيه. أما الرجال الخمسة (ثلاثة منهم ضباط عسكريون) الذين حاولوا تحدّي السيسي خلال سعيه للفوز بولاية رئاسية ثانية في العام 2018، فقد تعرّضوا للإقصاء بصورة منهجية: زُجَّ اثنان في السجن، ووُضِع الثالث في الإقامة الجبرية، في حين تعرّض الاثنان الآخران للترهيب وصولاً إلى دفعهم إلى الانسحاب من السباق الرئاسي.

وفي مشهد يتناقض مع الفترة التي سبقت العام 2013، يغيب الشباب أيضاً عن الساحة. يشكّل الأشخاص المنتمون إلى الفئة العمرية دون 30 عاماً، ما نسبته 60 في المئة من المصريين، لكنهم يعانون من نقص شديد في تمثيلهم في القوة العاملة (تصل نسبة البطالة في صفوفهم إلى ما لا يقل عن 30 في المئة، وترتفع إلى 40 في المئة لدى حاملي الشهادات الجامعية)، كما في الحياة العامة.

وبعدما كان السيسي قد قال كلاماً معسولاً، في الفترة الأولى من حكمه، عن ثورة كانون الثاني/يناير 2011 التي قادها الشباب، عبّر صراحةً، في كلمة ألقاها في كانون الثاني/يناير 2018 ولاقت انتشاراً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عن نيّته منع أي تظاهرات حاشدة في المستقبل: "الكلام اللي اتعمل من 7 أو 8 سنين مش هيتكرر تاني في مصر... باين عليكوا متعرفونيش صحيح [يبدو أنكم لا تعرفونني صحيحاً]". من التيارات التي لم يعد لها وجود، أقله في الوقت الراهن، حركة شباب 6 أبريل التي أدّت دوراً أساسياً في تعبئة الشباب منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي صُنِّفت في خانة التنظيمات الإرهابية بعد الانقلاب. حتى حركة تمرد، وهي مجموعة شبابية مناهضة للإخوان تعاونت مع الجيش، أُقصيَت جانباً بأسلوب فظ بعدما كانت قد أدّت الغاية منها، وهي حشد الدعم العام للانقلاب. 

ويُشار في هذا الصدد إلى أن معظم النشطاء الشباب والمدوّنين والمعلّقين الساخرين الذين استحوذوا على المخيّلة العامة منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حتى العام 2013 دفعوا ثمناً باهظاً عبر زجّهم في السجون أو إبعادهم إلى المنفى. وهكذا لا يُسمح للشباب باكلام إلا عندما يُوجَّه إليهم الكلام – وتحديداً من قبل السيسي نفسه، في إطار منتديات مدبَّرة بعناية شديدة يُقيمها الرئيس في منتجع شرم الشيخ وتقتصر المشاركة فيها على المدعوّين فقط.

مشكلات مؤرِقة

إليكم إنجازات السيسي: إعادة بناء جدار الخوف لدى الرأي العام، إعادة توجيه الاقتصاد بما يصبّ في مصلحة الجيش، إرغام الزعماء الروحيين على الانصياع له، وسحق الحياة السياسية والمدنية. وفي حين أن السيسي ليس شخصية محبوبة على الساحة الدولية، يمكنه أن يتبنّى الفضل لنفسه في الحفاظ على التحالفات التقليدية مع السعودية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا، فيما يعمل على توطيد العلاقات مع روسيا والصين وإسرائيل. ولا تلوح في الأفق تسوية للنزاع المائي الحسّاس مع أثيوبيا والسودان حول سد النهضة الأثيوبي الكبير الذي تعمل أثيوبيا على تشييده على النيل الأزرق لجهة المنبع، لكن السيسي عمل من أجل تحسين العلاقات مع العديد من الدول الأفريقية بغية تعزيز موقف بلاده في مواجهة أثيوبيا.

بيد أن تشييد المدينة التي يحلم بها السيسي أدّى إلى تحويل طاقات نظامه بعيداً من مشكلات أخرى قد تعود من جديد لتقضّ مضجعه، منها إمدادات المياه العذبة الآخذة في التناقص، فضلاً عن النمو السكاني السريع والعجز المزمن عن اجتذاب الاستثمارات الضرورية لاستحداث عدد كافٍ من الوظائف. يبلغ متوسط الولادات 3.5 أولاد لكل امرأة مصرية، أي نحو ضعف معدل الاستبدال، ما يقضي على التقدم الذي تحقّقَ على امتداد عقود في خفض معدلات الخصوبة، والذي بدأ بسلوك مسار عكسي اعتباراً من العام 2008، لأسباب عدّة منها تحوُّل الأموال الحكومية وأموال المانحين الأجانب نحو أولويات أخرى. وأمام هذا المستوى من النمو السكّاني، ينبغي على الاقتصاد استحداث ما لا يقل عن 700000 وظيفة جديدة سنوياً، وهو رقمٌ يتخطّى قدراته بأشواط كثيرة. ويعني ذلك أيضاً أن مصر تتجه نحو أزمة مائية، إذا لم تعمد إلى تصحيح ممارساتها التي تتسبّب بهدر الموارد المائية (لا سيما ممارساتها في مجال الري)، بغض النظر عما إذا استكملت أثيوبيا بناء السد أم لم تفعل.

حتى الآن، تمكّن السيسي من إرضاء صندوق النقد الدولي عبر خفض الدعم الحكومي للطاقة وتطبيق الضريبة على القيمة المضافة، إنما سيحتاج في المدى الطويل إلى توجيه الاستثمارات من الأجانب كما المصريين نحو قطاعات منتِجة تُوظِّف أعداداً كبيرة من العمّال. يستعيد القطاع السياحي عافيته ببطء بعد الضرر الذي أصابه جراء الهجمات الإرهابية، لكنه لا يزال هشاً؛ فالتمرد المرتبط بتنظيم الدولة الإسلامية قد يشتعل من جديد. إنتاج الغاز الطبيعي في البحر المتوسط يحقّق نمواً سريعاً، ويمكن أن يساهم في التخفيف من أعباء الموازنة الحكومية، إلا أن هذا القطاع يوظّف عدداً قليلاً من العمّال نسبياً. 

تراجعت الاستثمارات الخارجية المباشرة في العام 2017 بالمقارنة مع العام السابق، ثم تعافت إلى حد ما في العام 2018 – لكنها لا تحقّق مستويات عالية على الإطلاق، على الرغم من استحواذ الشركات الصينية على حصص كبيرة في مدينة "وديان". وهذا الفتور في الاهتمام بالاستثمار في مصر، سواءً في أوساط رجال الأعمال المحليين أو لدى الأجانب، تعود جذوره إلى العديد من المشكلات بصورة عامة وإلى مشكلة واحدة محدّدة. فوفق ما يُبيّنه تصنيف مصر المتدنّي في تقرير "ممارسة أنشطة الأعمال" الصادر سنوياً عن البنك الدولي، يبقى غياب الشفافية في تنفيذ العقود، وفي الإجراءات الجمركية والضريبية، مشكلة أساسية، وهو الآن أشد سوءاً مما كان عليه في عهد مبارك.

كما أن تدخُّل الجيش المتمدّد في قطاعات كثيرة يتسبّب بثني المستثمرين الأجانب والمحليين عن توظيف أموالهم؛ فمَن يرغب في التنافس في ملعبٍ يميل لمصلحة طرف معيّن؟ وفي حين أبدى رجال الأعمال المصريون عموماً دعمهم للانقلاب، ظناً منهم أنه ستنبثق عنه حكومة شبيهة بحكومة مبارك (التي حققوا الازدهار في عهدها)، بدأوا يوجّهون، في مجالسهم الخاصة، انتقادات متزايدة لتوسّع الجيش السريع نحو قطاعات جديدة، وكذلك لجشعه. فالاتفاق الأساسي الذي أبصر النور خلال زيارة قام بها وفدٌ من رجال الأعمال الأميركيين إلى مصر في تشرين الأول/أكتوبر 2018، كان عبارة عن مذكرة تفاهم وقّعتها الهيئة العربية للتصنيع التابعة للجيش، وشركة "الفرقة المدرَّعة" بغية تصنيع آليات سيّارة.

قلعة الرمال

المشروع السياسي الكبير المقبل على جدول أعمال السيسي، وفق ما تُشير إليه تكراراً التقارير، هو الإشراف على عملية إجراء تعديلات في الدستور لإلغاء العتبة المفروضة على عدد الولايات الرئاسية (والتي وُضِعت لتلبية مطلب أساسي رفعه الرأي العام بعد تمسُّك مبارك بالسلطة طوال 30 عاماً)، بما يُتيح له البقاء في سدّة الرئاسة إلى ما بعد العام 2022. سوف يكون من السهل الحصول على موافقة البرلمان المدجَّن والراضخ الذي انتُخِب في العام 2015، وفي حين أن المشاركة العامة في الاستفتاء الذي لا مفر من إجرائه، ستكون في الأغلب ضئيلة، بات السيسي معتاداً على تدبّر أموره من دون استعراضات الحماسة الجماهيرية التي كان يُتقن إدارتها في ما مضى.

وهكذا سوف يَستكنّ السيسي، ربما بحلول العام 2020 أو قرابة هذا العام، في منطقته الخضراء الجديدة المحصّنة، محاطاً بعددٍ من الضباط العسكريين وموظفي الخدمة المدنية والديبلوماسيين الأجانب يكفي فقط للإيحاء بأن هناك نشاطاً ما، لكن هذا النشاط سيبقى بعيداً تماماً عن ضوضاء القاهرة، بحيث إنه لن يكون على السيسي أن يَقلق أبداً من توافد حشود غاضبة للاحتجاج أمام القصر الرئاسي. حتى إنه قد يتمكّن من النوم في المكان نفسه طوال ليالٍ عدّة، من دون أن تساوره أي مخاوف، متخلّياً عن احتياطاته الأمنية الراهنة. مما لا شك فيه أن الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في العام 2011، مع احتشاد الآلاف أمام المقار الحكومية للمطالبة بالتغيير، يصعب أن تتكرّر داخل العاصمة الجديدة. غير أن الشباب المتململ والواسع الحيلة في مصر، والإسلاميين المغبونين، ورجال الأعمال المستائين، والضباط العسكريين الطموحين قد يجدون طرقاً – عبر العمل معاً أو كلٌّ على حدة – لإسقاط قلعة الرمال التي بناها السيسي.

نُشر هذا المقال في جريدة "كورينت هيستوري" وتُرجم من اللغة الانجليزية.