لأن الحراك العمالي في مصر شكل رافعة أساسية للاحتجاجات الشعبية التي سبقت الانتفاضة الديمقراطية في 2011 (مظاهرات عمال مدينة المحلة الكبرى 2008 مثالا) ولأن التنظيمات النقابية المستقلة نشطت قبيل وفي أعقاب 2011، توجهت السلطوية الجديدة إلى توظيف أدواتها الأمنية والقضائية والتشريعية لإخضاع العمال وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وهي في توجهها هذا لم تختلف عن الإدارة الانتقالية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بين شباط / فبراير 2011 وحزيران / يونيو 2012 ولا عن حكومة الإخوان المسلمين بين صيف 2012 وصيف 2013. اليوم، يتواصل حصار التنظيمات النقابية المستقلة أمنيا وقضائيا ويعاد إلى الواجهة «الاتحاد العام للعمال» الذي مثل منذ خمسينيات القرن العشرين أداة الحكام للسيطرة على العمال والحيلولة دون تمثيل مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية بمعزل عن إرادة الحكم. اليوم، يتواصل توظيف الأداة التشريعية لفرض القيود على الحراك العمالي.

في هذا السياق، أصدر رئيس الجمهورية في شتاء 2017 القانون رقم 2013 المتعلق «بالمنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي» والذي يلغي عملا الكثير من الحقوق والحريات النقابية وينحاز إلى الاتحاد العام للعمال المدار حكوميا وأمنيا بينما يهمش التنظيمات المستقلة. فالمادة الثالثة من مواد إصدار القانون تنص على أن «تحتفظ المنظمات النقابية العمالية التي تأسست وشكلت بقانون بشخصيتها الاعتبارية كما تحتفظ بجميع ممتلكاتها وتستمر في مباشرة اختصاصاتها تحقيقا لأهدافها طبقا للأحكام المنصوص عليها في القانون المرفق ولوائح نظمها الأساسية»، والنص هنا ينحاز إلى الاتحاد العام للعمال المؤسس بقانون وللنقابات العمالية المندرجة في إطاره بينما ينزع شرعية الوجود القانوني عن التنظيمات النقابية المستقلة ويطالبها بإثبات «شخصيتها الاعتبارية» إن بتوفيق أوضاعها أو بإعادة تأسيسها وفقا لأحكام القانون (وخلال مواعيد لا تتجاوز ستين يوما من تاريخ صدور اللائحة التنفيذية للقانون رقم 213، وتلك صدرت في آذار / مارس 2018).

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

وإذا كانت المادة الثالثة من مواد الإصدار تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، تحديدا إلى ما قبل توجه عمال مصر إلى الإعلان عن تكوين تنظيمات نقابية مستقلة (كانت البداية مع تأسيس النقابة المستقلة لموظفي الضرائب العقارية في 2008)، فإن العديد من المواد الأخرى للقانون رقم 213 تمارس تقييدا ممنهجا للحقوق والحريات النقابية عند المنبع أي على مستوى المنشآت الصناعية في القطاعين العام والخاص وعلى مستوى وحدات الجهاز الإداري للدولة وعمال الخدمة المدنية في الوزارات والمصالح الحكومية وفيما خص عمال الزراعة والعمالة غير المنتظمة والعمالة الموسمية. على سبيل المثال، تحدد المادة 11 شروطا لتكوين اللجان النقابية أبرزها ألا يقل عدد أعضاء «اللجنة» عن 150 عضوا وتقترح إن قل العدد أن تكون «اللجنة» على مستوى المدينة أو المحافظة ومع دمج المهن الأخرى المرتبطة بالمنشأة أو المصلحة المعنية.

في الواقع المصري، يعني ذلك تعويق ممارسة العمال والموظفين في المنشآت الصناعية والمصالح الحكومية الصغيرة للحق في التنظيم النقابي المدافع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية وتعريضهم للضغوط الأمنية والإدارية إن هم سعوا إلى تجاوز سياقاتهم المهنية المباشرة باتجاه تأسيس لجان نقابية في المدن والمحافظات. بل أن ذات المادة، المادة 11، تقيد أيضا الحقوق والحريات النقابية في المنشآت والمصالح متوسطة وكبيرة الحجم بحظرها لتشكيل أكثر من «لجنة نقابية في المنشأة أو المصلحة الواحدة» وهو ما يتعارض مع مبدأ الحرية النقابية الذي التزمت به مصر بتوقيع حكوماتها المتعاقبة على اتفاقيات منظمة العمل الدولية وأقره دستور 2014 في مادته 76 التي تنص على أن «إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطي حق يكفله القانون وتكون لها الشخصية الاعتبارية وتمارس نشاطها بحرية وتسهم في رفع مستوى الكفاءة بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم وحماية مصالحهم، وتكفل الدولة استقلال النقابات والاتحادات، ولا يجوز حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي» (وتحظر المادة 76 من الدستور إنشاء النقابات والاتحادات بالهيئات النظامية).

ثم يواصل القانون رقم 213 تقييد الحقوق والحريات النقابية بالانتقاص من الاستقلال الإداري والمالي للتنظيمات النقابية التي يفرض عليها البناء الهرمي المعتاد في مصر منذ خمسينيات القرن العشرين وتلزم بالكثير من الاشتراطات العددية التي تنحاز مجددا للاتحاد العام للعمال ونقاباته وتظلم التنظيمات النقابية صغيرة الحجم.

تقرر الماد 10 أن مستويات التنظيم النقابي هي اللجنة النقابية للمنشأة أو اللجنة النقابية العمالية على مستوى المدينة أو المحافظة وتليها النقابة العامة ثم يتبع الأخيرة الاتحاد النقابي العمالي، وتنص المادة 12 أن «النقابة العامة» لا يمكن إنشاؤها من عدد يقل عن 15 لجنة نقابية تضم في عضويتها ما لا يقل عن 20 ألفا من العمال أو الموظفين وأن «الاتحاد النقابي العمالي» يتعذر تأسيسه ما لم يندرج في عضويته 10 نقابات عامة تأتي بما لا يقل عن 200 ألف من العمال أو الموظفين. وتحدد المواد بين 29 و35 القواعد الإدارية والإجرائية للتنظيمات النقابية (من بين أمور أخرى تشكيل الجمعيات العمومية ومجالس الإدارات وهيئات المكاتب وآليات رسم السياسات وصناعة القرار)، بينما تخضع المادتان 58 و59 التنظيمات النقابية لرقابة «الجهاز المركزي للمحاسبات» دون اضطلاع بتعريف قانوني دقيق للعلاقة بين الجهاز المركزي وبين النقابات على نحو يحمي استقلالية الأخيرة ويمتنع عن تقويض أسس الرقابة الفعالة عليها ومقتضيات مواجهة الانحرافات الإدارية والإجرائية والمالية التي قد تتورط بها.

كذلك لم يقر القانون رقم 213 لسنة 2017 مبدأ الإشراف القضائي على انتخابات التنظيمات النقابية حيث تنص المادة 42 على أن الترشح والانتخاب للنقابات يتم تحت «إشراف لجان عامة يصدر بتشكيلها قرار من الوزير المختص يرأسها أعضاء من الجهات والهيئات القضائية بدرجة قاض أو ما يعادلها على الأقل يرشحهم مجلس القضاء الأعلى والمجالس الخاصة والعليا للجهات والهيئات القضائية بطلب من وزير العدل بناء على طلب من الوزير المختص، وعضوية مدير المديرية المختصة أو من ينيبه، وأحد أعضاء المنظمة النقابية المعنية»، وهو ما يعني غياب الإشراف القضائي الكامل الضامن لنزاهة وشفافية عمليات الانتخاب في مقابل حضور السلطة التنفيذية داخل اللجان الانتخابية ممثلة في «مدير» المديرية المختصة.

بعبارة بديلة، بعيدا عن إقرار ضمانات قانونية للعمل النقابي (المواد من 47 إلى 53) وعدم النص الصريح على كون الاتحاد العام للعمال هو الممثل الشرعي الوحيد لعمال مصر، لم يأت قانون «المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي» إلا بانحياز هيكلي للاتحاد العام المسيطر عليه حكوميا والمدار أمنيا وبقيود تفرغ الحقوق والحريات النقابية من المضمون وتهدد الاستقلال الإداري والمالي للتنظيمات النقابية ونزاهة عمليات الانتخاب التي تجريها. والهدف هو كبح الحراك العمالي المستقل شأنه شأن حراك الشباب والطلاب والمنظمات غير الحكومية المستقلة، والسيطرة السلطوية على قطاع حيوي آخر في المجتمع المصري أسهم بفاعلية في الانتفاضة الديمقراطية 2011.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.