أدى اعتماد النظام السوري على القوات الأجنبية (أي روسيا وإيران ووكلاء الميليشيا الشيعية)، لقلب الأمور لصالحه منذ العام 2015 إلى تعزيز الشكوك حيال قدرته على استعادة السيادة على المدى الطويل. وتعبر عملية تهجين القطاع الأمني عن تواجد عناصر غير نظامية مثل الميليشيات الموالية للحكومة السورية وحتى فصائل المعارضة التي تحولت لجانب النظام بعد سقوط مناطقها، بالإضافة إلي القوات الأجنبية الروسية والإيرانية داخل الهياكل الأمنية الرسمية السورية. وبينما يتحقق النصر بحسب تعريف النظام بمجرد استعادته السيطرة على الثلث المتبقي من أراضي البلاد التي تخضع الآن تحت السيطرة التركية و الأميركية، سيكمن التحدي الحقيقي للنظام في استعادة سيادة الدولة وإحكام قبضتها على قطاع الأمن، على الرغم من النفوذ الروسي والإيراني.

بيد أن دمج القوات الأجنبية وغير الحكومية، وتأثيرها في عملية صنع القرار في قطاع الأمن يجعل نجاح مهمة استعادة شكل الحوكمة الموحّدة للقطاع الأمني التي كانت قائمة قبل العام 2011 أمراً مُستبعداً. فافتقار النظام إلى السيولة المالية بالإضافة إلى قاعدته الطائفية الضيّقة سيعزّزان دوماً من اعتماده على القوات الأجنبية. كما ستتأثّر عملية إعادة توحيد قطاع الأمن باختلاف وجهات النظر الروسية والإيرانية والسورية حول قضايا مثل النظام السياسي، والسياسة الخارجية، ودور الجيش، الأمر الذي سيلقي بثقلة على الحوكمة العسكرية من جهة مستوى المركزية، والقيادة والسيطرة، والكفاءة المهنية.

عناصر ونطاق التهجين في حوكمة قطاع الأمن السوري

في الوقت الذي تدخّل فيه الروس في العام 2015 كان قد بلغ تهجين قطاع الأمن وانتشاره مرحلة مُتقدمة بالفعل. كانت المشكلة الرئيسة للنظام تكمن في ندرة الأفراد، حيث يُعتقد أن الجيش السوري خسر حوالى ثلث قواته النظامية البالغ عددها 200 ألف عنصر كنتيجة للمعارك أو للانشقاق. أدّى هذا الأمر إلى ضم مزيج غير متجانس من القوات الموالية غير النظامية وكذلك العديد من الميليشيات المدعومة إيرانياً، والآتية من لبنان والعراق وأفغانستان.

عبدالله عرفان
عبدالله م. عرفان هو باحث في إطار الدكتورة في مركز جنيف للسياسات الأمنية (GCSP)

بعد العام 2017، ومع استعادة السيطرة على العديد من معاقل المعارضة، استعاد الجيش السوري نحو نصف العديد الذي كان خسره عبر دمج منشقين سابقين وأفراد من فصائل المعارضة، إضافةً إلى توسع عمليات التجنيد في المناطق التي تمّت استعادتها. لكن لم يكن لذلك سوى أثر ضئيل على تهجين قطاع الأمن واعتماده على القوات الأجنبية، لأسباب ليس أقلّها المعايير المتعارضة للتدريب والانضباط، وانعدام الثقة الكبير بولاءات العناصر المدمجة حديثاً. لكن على الرغم من كل ذلك من الممكن اعتبار هذا الدمج السطحي تحسُّناً مقابل حالة التشرذم التي سادت قبل ٢٠١٥، بيد أن ترسيخ الولاء للنظام مازال اختباراً كبيراً.

صحيح أن إيران و القوات الموالية لها هبّت لمساعدة النظام عسكرياً قبل الروس، إلّا أن الروس ساهموا بشكل أكبر في تشكيل الديناميكيات العسكرية ومسار حوكمتها. فمنذ العام 2016، سعت روسيا إلى جمع العديد من المجموعات المسلّحة تحت مظلات موحّدة تُسيطر عليها حيث تمّ تشكيل الفيلق الرابع لتوفير الحماية المهنية للمنشآت الروسية في اللاذقية، و تمّ توجيه الفيلق الخامس لتقديم المساعدة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية شرقاً. كما شكّل نشر نحو 1500 عنصر من الشرطة العسكرية الروسية، وهي من قوات النخبة بحسب المعايير الروسية، في نقاط مختلفة في سورية، عنصراً إضافياً من عناصر التهجين والسلطة التي يصعب تحديها داخل سوريا.

علاوةً على ذلك، سيُعَزَّز العنصر الروسي في التهجين الحالي بشكل أكبر من خلال شبكة الدفاع الجوي أس-300 التي تمّ تركيبها حديثاً، والتي ستكون مزوّدة بنظام إدارة موحد للدفاع الجوي يتحكّم بالمجال الجوي السوري برمته، على أن يديره الروس والسوريون بشكل مشترك. سيضمن ذلك مشاركة روسية كبيرة في عملية صنع القرار في ما يتعلق بأي مواجهات مستقبلية مع إسرائيل أو غيرها. ويشكّل هذا الإدماج الدائم على مستوى عالٍ من القيادة والسيطرة في الجيش السوري، بالإضافة إلى الوجود الاستشاري الروسي في العديد من المنعطفات الإستراتيجية، تحدياً للجهود التي تبذلها النخبة السورية الحاكمة لاستعادة القيادة المنفردة للجيش التي كانت تتمتّع بها قبل الحرب.

من جهة إيران، يُعتبر انخراطها في التهجين السائد أقل صراحةً وعلانية، إذ يرتكز بشكل أساسي على رعايتها لحزب الله اللبناني والمليشيات الشيعية العراقية وغيرها بأعداد كبيرة تراوحت بين 65 و80 ألف عنصر لعبوا دوراً كبيراً على الأرض، وعدد محدود من أفراد الحرس الثوري الإيراني والمستشارين العسكريين الآخرين.1 كل ما سبق يسمح من دون شكّ لإيران بالتمتّع بتأثير قوي في عملية صنع القرار العسكري.

لاريب أن دور إيران أكثر إثارة للجدل من دور روسيا، أقلّه عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة وإسرائيل. ومع شعور الإيرانيين بسخونة الضغوط المنبثقة من هذه الأطراف، فإنهم يحاولون منذ العام 2017 توحيد بعض قواتهم المنتشرة داخل الهيكل النظامي للجيش السوري، وذلك بغرض توفير غطاء رسمي.2

في حالتيْ روسيا وإيران على السواء، قد يؤدي انضواء القوات الوطنية والأجنبية في صفوف الجيش إلى الحد من التشرذم المفرط، لكنه لايؤثّر في مستوى التهجين حيث يطال التهجين مجالات الاستخبارات والشرطة بالإضافة إلى الجيش. فازدياد النفوذ الروسي والإيراني في فروع الاستخبارات السورية، يهزّ احتكار النظام للمعلومات، ويحدّ من قدرته على القيادة والسيطرة على الجيش ووحداته.3 فيُعتقد أن روسيا تُحكم قبضتها القوية على شعبة المخابرات العامة، وإيران تتمتع من جهتها بنفوذ أكبر في جهاز الاستخبارات العسكرية، على الرغم من أن الاعتقاد بأن الروس قد عزّزوا موقعهم مؤخراً في فروع للاستخبارات العسكرية في اللاذقية وحلب وحمص. وقد طفت التوترات إلى السطح في العام 2017 عندما بدأ تبادل الاتهامات حول مقتل قائد الفيلق الخامس الجنرال الروسي فاليري أسابوف، في هجوم نفّذه تنظيم الدولة الإسلامية في دير الزور، وسط شكوك روسية حول وجود خيانة من جانب النظام أو الإيرانيين.4

تباينات روسيا وإيران حول حوكمة الجيش

قد يتهيأ للصقور داخل النظام السوري أن الانتصارات التي حققوها بعد العام 2015، ستسمح لهم بإعادة الوضع كما كان قبل 2011 من جهة: أرض موحّدة، وجيش موحّد ودولة ذات سيادة. وفي حين أن هذه السردية قد تخدم كاستراتيجية للمحافظة على تماسك النخبة، وتجنّب التنازلات، ومحاولة رسم الخطوط العريضة لعقد اجتماعي لمابعد الحرب، إلّا أنها تصطدم مع الحقائق التي ستُلزم النظام على الانخراط في أساليب أكثر تعقيداً لإدارة التحالف بين الجيش والدولة. وستتقرر النتيجة النهائية لشكل حوكمة قطاع الأمن السوري من خلال التفاعل المعقّد للمصالح والمنافسة بين قوى التحالف الثلاث الذين لا يتنبون نفس التصورات و المواقف بالضرورة.

يتضمن تصوّر روسيا لإنهاء النزاع تعزيز مهنية الجيش السوري وتقويته لجعله أقل اعتماداً عليها وعلى إيران؛ وتوحيد هيكل القيادة لتجنّب تعرُّض الدول المجاورة لسورية إلى هجمات غير منسّقة. هذه الشروط تتماشى مع استراتيجية موسكو منخفضة الكلفة في سورية، وعلاقتها الجيدة مع كل من تركيا وإسرائيل، والمشاركة المستقبلية المحتملة مع الغرب في عملية إعادة إعمار سورية. وبصرف النظر عن الجيش، يعتبر الروس أن إصلاح الاستخبارات، أو السيطرة عليها، عامل أساسي لأمن قواتهم ولمنافستهم طويلة الأمد مع إيران في سورية.

في المقابل، قد لا يتلاءم الهيكل المركزي للجيش السوري مع رؤية إيران لمهام قواتها في سورية بشكل عام، وخاصةً داخل صفوف الجيش، وبالتالي قد تقف في وجه الجهود الروسية المرتبطة بهذا المسار. هذا ومن المرجح أن تكون إيران مهتمة بتوحيد قوّاتها داخل أو خارج الجيش، ورفع مستويات الجهوزية القتالية، أكثر من الانخراط في عملية تعزيز مهنيتها بما يتماشى مع المعايير الحديثة.

سيتوقف الكثير، كما هو واضح، على مدى شدّة الضغوط التي تُمارسها إسرائيل والولايات المتحدة وحلفاؤهما الإقليميون (وعلى رأسهم السعودية) ضد الوجود الإيراني، وردود فعلهم حياله. فإذا حُملت إيران على سحب قواتها الفعلية أو بالوكالة، وربما ترك جزء منها في الهيكل العسكري السوري، سيكون لذلك تداعيات واضحة على قدرة طهران على التأثير في عملية صنع القرار في قطاع الأمن، إذ إن وجودها أكثر هشاشة ويتخذ طابعاً أقل مؤسسية من الوجود الروسي. في هذا الإطار، سيؤدي دمج قوات الدفاع المحلية التابعة لإيران في الحرس الجمهوري والفيلق الرابع إلى جعل حوالى 25 ألف مقاتل مؤيد لإيران جزءاً من الكيان العسكري السوري بشكل قانوني، في حين سيتوقف بقاء أو مغادرة ما بين 40 و55 ألف مقاتل شيعي على حجم الضغوط على الوجود الإيراني في سوريا.5

من شأن مثل هذا التطور أن يغيّر ميزان القوى بوضوح بين القوات المتنافسة للتأثير على صنع القرار في قطاع الأمن. لكن، مهما كان شكل التوازن، في المستقبل المنظور، سيواصل وجود الأجانب أو المؤيدين لهم في المناصب العليا المؤثّرة في صنع القرار، وفي وكالات الاستخبارات، تقييد أيدي السوريين عندما يتعلق الأمر بقطاعهم الأمني.

إدارة النظام السوري للتهجين

في غياب أي حلول جذرية، من المرجّح أن يواصل النظام في إدارة التهجين، الأمر الكفيل باستمرار وجود القوات غير الرسمية والأجنبية داخل الهيكلية الأمنية. لم يكن توحيد وتحسين التدريب والأداء يوماً أولوية بالنسبة إلى الجيش السوري حيث على الرغم من ضعف أدائه في الحرب تمكّن من الصمود. بيد أن إرساء التوازن في نسبة السوريين إلى الأجانب أمر مهم لأمن النظام. لكنه هنا سيواجه المشاكل نفسها المتعلقة بنقص الموارد البشرية التي أُجبر بسببها أصلاً على طلب التدخل الخارجي من أجل تفادي الهزيمة.

بالنسبة إلى الأطراف الخارجية، يتوقّع أن تسيطر سياسات معقّدة داخل التحالف الثلاثي (السوري-الروسي-الإيراني) على ديناميكيات ما بعد الحرب، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على حوكمة قطاع الأمن. سيحرص النظام على العمل مع روسيا من أجل إضفاء الطابع المركزي على هيكل الجيش ومنع إيران من اختطاف السياسة الخارجية السورية حيال لبنان والعراق وإسرائيل. مع ذلك، فإن تمتّع روسيا بمزيد من النفوذ في المواقع الرئيسة في سورية لمنع أي انتكاسات، سيقابله تواجد قوات إيرانية في صفوف الحرس الجمهوري والفيلق الرابع (الذي يضمّ قوات من النخبة) في دمشق لحماية عرين النظام.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ثمة احتمالات واقعية على المديين المتوسط والطويل بأن تعمل سورية على إيجاد طريقة للتخلّص من تهجين قطاع الأمن ​​والاعتماد على القوات نفسها التي يعود إليها الفضل في بقائها؟

سيعتمد الأمر، في نهاية المطاف، على كيفية انتهاء الصراع، وإذا ما كان سيتبعه آخر يهدف إلى طرد إيران من سورية. في زمن الثورات والانتفاضات، قد تتبدّل التفاصيل، إلّا أن متلازمة الاعتماد على الميليشيات والقوات الأجنبية المستتبعة والتهجين الناجم عنها ستبقى هي نفسها.

لكن، إذا سارت الأمور عكس التيار، وأدّى توافق بين القوى الخارجية المهتمة والمؤثّرة إلى اختبار فترة طويلة من الاستقرار وإعادة بناء الدولة الفعلية، قد تتغيّر الصورة. فمن الممكن أن تصبح الميليشيات إما جيشاً أو شرطة محترفة مدمجة بشكل مناسب، أو تعود من جديد إلى الانخراط في الحياة المدنية ومايستتبعه ذلك من إيجاد عمل مربح في مشاريع إعادة الإعمار. وفي حال ساد مثل هذا التفاهم، قد يتمّ أيضاً إدراج المجموعات المتمرّدة المدعومة من تركيا والقوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في الشمال في إطار سيناريو تفويض للمهام من نوع ما. فإذا كانت مصالح روسيا وإيران الأساسية مضمونة - كما كانت قبل بداية الحرب - قد يكون كلا الطرفان مرتاحين لتقليص الجهود العسكرية التي كلّفتهما غالياً.

لكن في الوقت الراهن، يجب أن تبقى مثل هذه الرؤية مجرد حلم ليلة صيف. فالبقاء والصمود بفضل أطراف خارجية يكون له ثمن دائماً، بدءاً من خروقات في السيادة، مروراً بتقليص سيطرة الدولة المركزية، ووصولاً إلى قبول التهجين الأمني ​​كجزء من استمرارية النظام.

تم نشر هذا المقال على موقع المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية(ISPI)

هوامش

1 الرقم الأعلى وارد في: Judah Ari Gross, “Israel at UN: Iran has more than 80,000 fighters in Syria”, The Times of Israel, April 26; Seth J. Frantzman, “Who are Iran’s Shi’ite Fighters in Syria?”, JerusalemPost, April 28, 2018; والرقم الأدنى يستند إلى مقابلة أجراها المؤلّف مع خبير، مقره اسطنبول، في 26 أيلول/سبتمبر 2018.

2 يرجى الاطلاع على: Jeremy Bob, “Intel Center: Hezbollah, Iran’s Shi’ite Militias Hidden in Syrian Army”, Jerusalem Post, July 13, 2018; Terrorism Info, “Hezbollah and Iran-handled Shi’ite militias are integrated into the Syrian army in its campaign to take control of south Syria”, July 11, 2018; وقد تمّ تأكيد هذه المعلومات في مقابلات أجراها المؤلّف مع خبراء روس وإيرانيين في أيلول/سبتمبر 2018.

3 مقابلات أجراها المؤلّف مع خبراء روس وإيرانيين في أيلول/سبتمبر 2018.

4 مقابلات أجراها المؤلّف مع خبراء روس وإيرانيين في أيلول/سبتمبر 2018.

5 تختلف الأرقام وفقاً لمنهجية التقديرات والوقت، فالتقديرات الأقل التي تتراوح بين 5 و8 آلاف والمفاد عنها في نيسان/أبريل 2018، انظر: Seth J. Frantzman, “Who are Iran’s Shi’ite Fighters in Syria?”, Jerusalem Post, April 28, 2018; وتمّ الحصول على الرقم الأعلى البالغ 25 ألفاً من مقابلة أجراها المؤلّف مع خبير، مقره اسطنبول، في أيلول/سبتمبر 2018. أما النطاق بين 40 و55 ألفاً فهو نتيجة خصم 25 ألفاً من التقديرات الأعلى للقوات الموالية لإيران البالغ عددها 80 ألفاً والأدنى البالغ 65 ألفاً.