لماذا يندر في مصر التضامن العلني مع ضحايا انتهاكات الحقوق والحريات؟ لماذا يغيب تضامن النخب السياسية والحزبية والإعلامية مع من ينتهك حقهم في الحياة وتسلب حريتهم؟ لماذا تبتعد قطاعات شعبية واسعة عمن يتعقبون سياسيا بسبب معارضتهم السلمية، ولماذا تشارك في الترويج للإفك وللتخوين وللتشويه الهادف لاغتيالهم معنويا وتصفية دورهم؟

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

يمكن هنا الإشارة إلى عدة أسباب. يتمثل السبب الأول في الخوف التقليدي للكثيرين داخل النخب السياسية والحزبية والإعلامية المصرية من خطر معارضة السلطوية الحاكمة ومن عواقب الابتعاد عن المؤسسات وشبكات المصالح النافذة بها، والتضامن العلني مع ضحايا الانتهاكات أو مع «المغضوب عليهم» من المعارضين السلميين يحمل ذلك في طياته. أما السبب الثاني فيتعلق بخشية الكثيرين داخل النخب من أن يتبنوا من الآراء والمواقف ما قد يتناقض كليا أو جزئيا مع الانطباعات السائدة بين قطاعات شعبية واسعة تؤثر في وعيها «ماكينة غسل الأدمغة» التي تسيطر على مفاصلها السلطوية والمؤسسات والشبكات النافذة بها، والتضامن العلني مع من تصنع الماكينة هذه بحقهم انطباعات زائفة مثل ادعاء تورط المعارضين السلميين في العنف أو سعي الأصوات المدافعة عن الحقوق والحريات إلى هدم الدولة يصبح ممارسة محفوفة بالمخاطر وسلوكا «ضارا» يرتب الاستهجان الشعبي ويأتي بالسلب على المصالح. ويرتبط السبب الثالث بكون النخب السياسية والحزبية والإعلامية قد قبلت دون اعتراض بالاستتباع من قبل المؤسسات وشبكات المصالح النافذة في السلطوية الحاكمة، وكما يضمن الاستتباع للنخب الدور العام والمساحات «الآمنة» للفعل فإنه يحدد أيضا الخطوط الحمراء التي لا ينبغي الاقتراب منها والقضايا «المحرمة» سياسيا ومجتمعيا التي يتعين إما تجاهلها التام أو تناولها وفقا للرؤية والموقف الرسميين. لذلك، ينظر المستتبعون داخل النخب إلى التضامن العلني مع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والمعارضين بكونه اقترابا خطيرا من محرمات يفضل تجاهلها أو تناوله بصيغة «يستحق هؤلاء من دعاة العنف والمخربين والمأجورين والعملاء ما يجرى لهم» التي تروج لها الدوائر الرسمية.

وقد تصل بنا محاولة فهم أسباب غياب التضامن إلى سبب رابع هو الشك التقليدي لقطاعات شعبية واسعة في نوايا وأهداف المدافعين عن الحقوق والحريات ومعارضي السلطوية الحاكمة، فالحكومات المتعاقبة منذ خمسينيات القرن العشرين وإلى اليوم لم تتوقف عن ممارسة التخوين والتشويه الجماعي والمستمر لضحاياها ومعارضيها إما كغير وطنيين أو كمتآمرين مع الخارج على المصالح الوطنية أو كباحثين عن مصالح شخصية. وفي أعقاب الانتفاضة الديمقراطية في 2011، لم تبتعد لا الإدارة الانتقالية للمجلس العسكري (2011 ـ 2012) ولا حكومة الرئيس الأسبق محمد مرسي (2012 ـ 2013) عن تلك الممارسة المريضة أخلاقيا وإنسانيا. والحصيلة هي شك تقليدي لدى قطاعات شعبية واسعة في الضحايا والمعارضين، واستعداد دائم لتصديق الإفك المتداول بشأنهم والامتناع عن كشف زيفه. وليس للشك ولتصديق الإفك غير أن يرتبا عزلة الضحايا والمعارضين عن الناس وينتجا ندرة التضامن العام معهم تماما مثلما يندر تضامن النخب السياسية والحزبية والإعلامية.

لكل ذلك، يتسم الواقع المعاش للمدافعين عن حقوق الإنسان والحريات وللمعارضين السلميين بالإحباط المستمر. فهم يستيقظون يوميا على انتهاكات تحدث وقيود تفرض وإجراءات سالبة للحرية تطبق، ويرون صمت النخب على الانتهاكات ويخبرون تجاهل الرأي العام لها، ويعانون من موجات التخوين الظالمة التي تطولهم ويلفون أنفسهم في مواجهة مؤسسات وأجهزة أمنية تتعقبهم وتراقبهم وتقضي على شعورهم الذاتي بالحرية وتغرس مكون الخوف في المحيطين بهم في المجال الخاص. تلك هي إحباطات الواقع المعاش التي يمثل الاعتراف بوجودها وبتداعياتها خطوة ضرورية للابتعاد عن التعامل غير الواقعي مع المدافعين عن الحقوق والحريات ولإدراك الصعوبات الحياتية التي تحيط بالمعارضين السلميين. تلك هي احباطات الواقع المعاش التي يتعين التسليم بقسوتها الإنسانية والمجتمعية والسياسية مثلما ينبغي الجهر بقسوة الإحساس بالعجز عن وقف الانتهاكات المتكررة واليأس بفعل صمت النخب وتجاهل الناس للضحايا وتواصل عمل ماكينة غسل الأدمغة بسرعات متزايدة.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.