بعد عدة أشھر من احتلال إسرائیل للضفة الغربیة والقدس العام 1967 ،صرح دافید بن غوریون، أول رئیس وزراء لإسرائیل بما یلي: ”بدون معدلات ھجرة عالیة ومستدامة للیھود إلى إسرائیل، وبدون معدلات ولادة عالیة للیھود في اسرائیل، فنحن محكومون لأن نصبح أقلیة، حتى وان استطعنا التغلب عسكریا على العرب. لا نستطیع تجاھل ھذه الحقیقة“.

بالطبع، لم تتجاھل اسرائیل أبدا ھذه الحقیقة، وحاولت المستحیل لإبقاء غالبیة یھودیة داخل الاراضي التي تسیطر علیھا، بما في ذلك القدس الشرقیة، وذلك عن طریق معدلات ھجرة عالیة في الماضي من أنحاء العالم، كان آخرھا من الاتحاد السوفیاتي حینذاك، وعن طریق بناء المستوطنات في الضفة الغربیة والقدس الشرقیة، واعادة ترسیم حدود القدس للمحافظة على أغلبیة یھودیة فیھا. لكن كل ھذه المحاولات تصطدم الیوم بحقائق على الارض تجعل ھذا الھدف الإسرائیلي صعب المنال. كنت قد اشرت سابقا ان التعادل الدیمغرافي بین الفلسطینیین العرب والاسرائیلیین الیھود قد تم الوصول الیه العام 2017 داخل الاراضي التي تسیطر علیھا إسرائیل بواقع 5,6 ملیون شخص لكل من الطرفین، اي ان الاسرائیلیین الیھود الیوم یشكلون أقلیة تتناقص تدریجیا مع مر الزمن. اضافة لذلك، فان الوضع الدیمغرافي في القدس بات ایضا یمیل تدریجیا لصالح الفلسطینیین.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

لقد عملت اسرائیل على المحافظة على أغلبیة یھودیة كبیرة داخل القدس. ولكن مع احتلال اسرائیل للقدس الشرقیة العام 1967 وضمھا بشكل غیر قانوني واعادة ترسیم حدود ”القدس الكبرى“، فان كل محاولات اسرائیل لإبقاء أغلبیة یھودیة كبیرة داخل حدود القدس الجدیدة تبوء بالفشل، وبالرغم من سیاسة اسرائیل للخمسین عاما الماضیة للاستیطان في القدس الشرقیة وإرغام الفلسطینیین على الھجرة منھا، تفشل ھذه السیاسة الیوم في ضمان أغلبیة یھودیة على المدى الطویل. وقد صرح أحد الوزراء الإسرائیلیین السابقین ”ان القدس الشرقیة تمثل شوكة في حلقنا، لا نستطیع بلعھا ولا نستطیع لفظھا خارجا“.

بعد ضم القدس الشرقیة لإسرائیل العام 1967 ،أصبحت نسبة الیھود الى الفلسطینیین 74 الى 26 بالمائة. وفي العام 1973 وضعت لجنة اسرائیلیة ھدفا الا تزید نسبة الفلسطینیین في القدس عن 5,25 بالمائة. ولكن بحلول 2016 ،تقلصت نسبة الیھود الى الفلسطینیین الى 62 مقابل 38 بالمائة، وذلك بالرغم من تزاید عدد المستوطنات في القدس الشرقیة. بعبارة اخرى، فان عدد الفلسطینیین داخل حدود ”القدس الكبرى“ قد یصبح أغلبیة في المستقبل المنظور بالرغم من كافة المحاولات الاسرائیلیة لوضع حد لزیادة عدد الفلسطینیین في القدس.

یحاول بعض مناصري إسرائیل الیوم الضغط على الكونغرس الأمیركي لترحیل الفلسطینیین من الضفة والقدس مقاومة للتمدد الدیمغرافي الفلسطیني. وتعمل مجموعة من المنظمات الموالیة لاسرائیل بھدوء من اجل إصدار الكونغرس الامیركي تشریعا یعید توجیه أموال الولایات المتحدة التي كانت ستمنح للأمم المتحدة كمساعدات إنسانیة للفلسطینیین الى برامج تساعد في تمویل تھجیر الفلسطینیین بشكل دائم من الضفة الغربیة والقدس الى دول اخرى. ومع اعتقادي بان فرص تمریر ھكذا تشریع ما تزال ضعیفة، إلا انه من الواضح أن إسرائیل تعمل بكل الطرق لمنع قیام أغلبیة فلسطینیة داخل الاراضي التي تسیطر علیھا.

كل ھذه المعطیات تعید تأكید ما قلته سابقا. ان الاستراتیجیة العربیة تجاه النزاع العربي-الإسرائیلي یجب أن تعمل في الاتجاه المعاكس لسیاسة إسرائیل، أي دعم بقاء الفلسطینیین على ارضھم. ھذه مصلحة أردنیة علیا. اخشى ان تكرار التمسك بحل الدولتین دون جھد عربي دبلوماسي وتمویلي مواز یحقق بقاء الفلسطینیین على ارضھم لن ینجح الا في استمرار اسرائیل لخلقھا حقائق على الارض تمنع قیام الدولة الفلسطینیة وتحاول إخراج الفلسطینیین بالقوة من ارضھم.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.