للصوت في بلادي درجات متفاوتة من النبرة والتأثیر، ولا یعني ارتفاع النبرة في بلادي ازدیاد حجم التأثیر بالضرورة، بل إن العكس یكاد یكون صحیحا، إذ إن أكثر الأصوات تأثیرا في بلادي ھو الصوت الذي لا نسمعه أو نراه، ھو الصوت الذي لا یمكن مناقشته ووضع الحجة لتقارع الحجة. إنه الصوت الذي لا یجید أو یرغب المناقشة. إنه صوت الصمت. لا یخفى على أحد ما تمر به البلاد من أزمة اقتصادیة وسیاسیة، وشعور الناس بالإحباط الشدید، لیس بسبب نتائج ھذه الأزمة على حیاتھم الیومیة الآنیة فحسب، ولكن أیضا بسبب إسقاط الواقع الحالي على المستقبل والقلق من القادم. ھذه الأصوات لیست عدمیة كما یحلو للبعض وصفھا، فلا یعقل أن یتم اتھام المجتمع بأكمله بذلك. واقع الحال إنه ما من جلسة اجتماعیة تتم الیوم إلا ویطرح موضوع القلق من الحاضر والمستقبل بقوة، ومن الجمیع.

تفوح من ھذه الأصوات المتعددة والمتباینة رائحة حب حقیقي للوطن، وخوف علیه، ورغبة في المساھمة في تقویته والعمل لمستقبل أفضل، ویجمعھا في نفس الوقت شعور بالإحباط أن أصوات المجتمع مھما تفاوتت نبراتھا لا تكاد تسمع، أو أن سماعھا لا یترجم إلى إشراكھا فعلیا في عمل وطني للخروج من الأزمة.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

نسمع ھدیر أصوات الحراكیین العالیة، المحبطین من ھموم اقتصادیة وسیاسیة ومعیشیة، یبحثون عن تأطیر لھمومھم وینشدون أشخاصا ومؤسسات لھا مصداقیة للتحاور معھم فلا یجدون، فقد أتقنا تقزیم الشخصیات وشیطنة الأفراد، فیزداد إحباطھم وھم یرون أصواتھم تذھب سدى ولا یتم تحویلھا لقنوات تنفس الاحتقان وتعمل بمؤسسیة لحل مشاكلھم.

نسمع نوعا آخر من الأصوات، نبرتھا خافتة تتنقل في مختلف المجالس وبینھا، من أطیاف مختلفة في المجتمع، تلمس أن ھناك خللا في طریقة إدارة الدولة لمواردھا ومؤسساتھا. ھذه الأصوات لا تنم ثنایاھا عن نمیمة أو جلد للذات، بقدر ما تحمل بین طیاتھا قلقا على المستقبل وإحباطا من غیاب قنوات تضمن التواصل مع صانعي القرار وتحمل لھم مقترحات لحل الأزمة. لا تكاد تعقد جلسة واحدة ھذه الأیام لا یتم فیھا طرح السؤال ”لوین رایحین؟“. وبالرغم ھدوء وخفوت نبرة ھذه الأصوات مقارنة بأصوات الحراكیین، فھي الأخرى لا تسمع. آذان البعض لا تحتمل إلا الإطراء.

ثم ھناك صوت الصمت. لھذا الصوت تأثیر كبیر بالرغم من كونه مكتوما تماما. لھذا الصوت رأي في طریقة إدارة البلاد، لكن لا أحد یسمع ھذا الرأي جھرا، وبالتالي یجد الناس صعوبة في مناقشة ھذا الصوت وتقدیم آراء بدیلة وصولا لحلول تشاركیة یتم من خلالھا معالجة التحدیات بالمنطق والأرقام والخطط، ولیس بمنطق الاستعلاء. لا یمتلك ھذا الصوت عنوانا حتى نستطیع الوصول إلیھ، فنجھد في الحدیث مع عناوین أخرى لا تملك القرار، وتضیع أصواتنا ھباء منثورا.

صوت الصمت له مفاھیمه الخاصة بالوطنیة، یمنحھا لمن یتفق معھ في الرأي ویحجبھا عن البقیة من ھذا الشعب. نرى المعارضة والحكومة في بلاد أخرى تتصارع فكریا وسیاسیا كل یوم دون اتھامات الخیانة وعدم الولاء وتنفیذ أجندات خارجیة. حین تترسخ التعددیة، وتكون حلبة النقاش واضحة وعلنیة، یسھل تبادل الآراء بل یقود للأفضل، أما النقاش مع المجھول فصعب وغیر متكافئ ولا یؤدي لنتیجة.

أصوات عدیدة في بلادي ما تزال تبحث عن آذان صاغیة، ویبقى صوت الصمت أعلى منھا جمیعا. صوت الصمت لا یتفوه بكلمة، ولا یحتاج لآذان. لكن ھل یملك الحل؟

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.