الاقتصاد السياسي العربي: مسارات نحو النمو العادل

جوزيف باحوط وبيري كاماك

مقدّمة

يواجه الشرق الأوسط تحديات عميقة الغور على الرغم من ضخامة ثروته الهيدروكربونية، وموقعه الاستراتيجي، والقوى العامة الشابة فيه. فالمخاطر الجيوسياسية واضحة كل الوضوح، ومنها: النزاعات المتعاقبة في سورية واليمن، والصراع المستمر في بلدان مابعد الانتفاضة، مثل مصر وتونس، والضغوط الاقتصادية المتواصلة لانهيار أسعار النفط العام 2014. غير أن هذه القضايا الملحّة تحجب تحديات أكثر خطورة تواجه المنطقة: فقد تكشّف العطب في نموذج الدولة الريعية الذي بنيت عليه الاقتصادات العربية، وظهر الخلل في آليات التوزيع فيه.

في النظام الريعي، تستخدم الدولة الريوع – أي ما تتلقاه من مدفوعات مقابل استخدام عوامل الإنتاج الثابتة1– لتمويل شبكة واسعة من مجالات الرعاية والخدمات الاجتماعية للسكان. وعلى مدى سنين عديدة، حافظت الريعية الناجمة عن مبيعات النفط على الوضع السياسي والاقتصادي القائم في الشرق الأوسط. غير أن انخفاض أسعار النفط، وتعاظم المنافسة العالمية، وارتفاع معدل التكاثر السكاني قد أفقدت هذا النموذج طابع الاستدامة. ويتجلّى ذلك بصورة أوضح عند مقارنته بمناطق جغرافية أخرى شهدت نمواً اقتصادياً ديناميكياً مستداماً في العقود الأخيرة، مثل جنوب شرق آسيا.

بعد انهيار النظم القديمة، لم يتبلور بشكل واضح ما يمكن أن يحل مكانها. فبالإضافة إلى التحوّلات الاقتصادية الكلية التي لا مفر منها، فإن إقامة نظام جديد يتطلّب من الدول أن تبدأ نظام المحاباة وشبكات المحسوبية التي تشوّه المخرجات الاقتصادية وتحدّ من توليد فرص العمل. ومن هنا، فإن التحدي الاقتصادي لم يكن تقنياً وحسب، بل كان سياسياً في الوقت نفسه.
تُواجه كل دولة عربية تحديات فريدة من نوعها في بناء أطر إنتاجية مؤسسية. وسيكون من واجب كل دولة أن تجد مصادر مبتكرة للثروة والإنتاج مرتفع القيمة، وتحسّن من مستوى توزيع الموارد الاقتصادية، وتقيّم المؤسسات السياسية المناسبة. غير أن ثمة عناصر محددة مشتركة وواضحة: إن إقامة نماذج الاقتصاد السياسي العربية الناجحة ستتطلّب من القادة استثمارا مجديا في الفئات المهمّشة تقليديا، مثل الشباب والنساء. كما أن على هذه النماذج أن تخلق أطراً تنظيمية ترتكز على قواعد واضحة، وتتميّز بالإنصاف والشفافية وتشجّع وضع معايير جديدة للمحاسبة. ويتعيّن على كل نظام جديد أن يخلق الضوابط والموازين التي تخضع الساعين للتمتّع بالريع إلى المنافسة الحقيقية.

تفكّك الريعية

بعد الحرب العالمية الثانية، اقترن تطبيق نموذج التنمية العربي بالتركيز على الإنتاج المحلي والنزعة التجارية الحمائية، وذلك ما يعرف بتصنيع بدائل المستوردات. وفي العقود الأولى بعد الحرب، حققت أغلبية البلدان العربية نتائج إيجابية في ميدان النمو الاقتصادي، وسجّل كثير منها ارتفاعاً ضخماً في معدل العمر المتوقع، والقدرة على القراءة والكتابة، والصحة العامة. وفي الستينيات والسبعينيات، كان الشرق الأوسط هو المنطقة الأسرع نمواً في العالم، وتعزّز ذلك بالحظر على النفط العام 1973.2 وأفضى ذلك إلى تغير دائم في بنية أسواق الطاقة العالمية، ومهّد السبيل أمام العائدات الهيدروكربونية الاستثنائية التي أعقبت ذلك. ومع مرور الوقت، أبرمت البلدان العربية صفقات سلطوية– أي عقوداً اجتماعية ضمنية بين الحكومات والمواطنين، جرت فيها مقايضة الرفاه الاجتماعي، والوظائف، والأمن بالرضوخ والاستكانة السياسية، كما بدأت البلدان المصدّرة للنفط، وأنظمة الحكم الملكية الخليجية بصورة خاصة، بالتمتّع بثروات غير مسبوقة.

جوزيف باحوط
جوزيف باحوط باحث زائر في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط. تتركّز أبحاثه على التطورات السياسية في لبنان وسورية، والتداعيات الإقليمية للأزمة السورية، وسياسات الهوية في أرجاء المنطقة.
More >

تنتفع كل دولة بريع ما، سواء مصدره الأملاك، أو السياحة، أو الموارد الطبيعية، أو "نِعَم الطبيعة" الأخرى، بيد أن الدولة الريعية تعتمد على الإيرادات المترتبة على استخلاص الموارد الطبيعية التي تملكها الدولة وبيعها.3 في إحدى الدول المصدّرة للنفط في الشرق الأوسط، لا تتجاوز نسبة الأيدي العاملة التي تقوم باستخلاص النفط اثنين أو ثلاثة في المئة. غير أن العائدات الناجمة عن ذلك قد تمثل 80 في المئة من دخل الحكومة.4 وعلى هذا الأساس، لم يعتمد ازدهار أي دولة ريعية في الشرق الأوسط على الإدارة المالية السليمة أو على نجاح المشروعات الخاصة فيها بقدر اعتماده على سعر النفط الخام.

وفيما كانت النخب العربية تستمتع بمنافع النظام الريعي، فإنها كانت تبذل قصارى الجهد لمجاراة معدلات التكاثر السكاني المتعاظمة، وانتقال أهل الريف المُتسارع إلى المدن. واستجابت أكثر البلدان في المنطقة إلى التخمة العمالية التي نتجت عن ذلك بتحويل ريع الموارد الهيدروكربونية لخلق وظائف في القطاع العام. غير أن ذلك لم يكن إلا حلاً قصير الأمد. فبحلول الثمانينيات، وجدت الجمهوريات العربية. على خلاف جيرانها الأكثر ثراء في الخليج، صعوبة متزايدة في توليد العملة الصعبة الضرورية للمحافظة على نظم الرفاه الاجتماعي السخية فيها. وقد حاولت هذه الدول، في مواجهة معدلات الفقر المتزايدة في المناطق الريفية، والقطاعات العامة العريضة غير المستدامة، والقيود المالية القاسية، بصورة تدريجية تبنّي إصلاحات ليبرالية في السوق بدعم من قروض التصحيح الهيكلي من صندوق النقد العالمي والبنك الدولي. وفي الدول ذات الكثافة العمالية العالية، والموارد الشحيحة مثل مصر، والأردن، وتونس، جرى تفكيك القطاعات العامة وخصخصتها، وتقليصها، بعد أن كان حجمها قد بلغ الذروة في السبعينيات، كما خفضت الحواجز التجارية.

غير أن اللبرلة الاقتصادية، في غياب الإصلاحات السياسية الهادفة، أفضت إلى ظهور الرأسمالية المحسوبيات. فقد استحوذت النخب المتمتعة بالامتيازات على جانب كبير من مكاسب الخصخصة والنمو الاقتصادي الكلي والتجارة المتزايدة.5 وفيما كانت أقطار مثل مصر، والأردن، والمغرب وتونس تنتقل إلى استراتيجيات تنموية تستهدف التصدير، فإن الصفقات السلطوية تحولت إلى سياسات اقتصادية نيوليبرالية. وحيث إن القطاعات العامة ظلت تعتمد على السلطة السياسية – بل تختلط بها – فإنها قلما تبلورت كمراكز قوة مستقلة.

ظلّت مستويات الاستثمار الأجنبي منخفضة، وأصاب الركود قطاعات الإنتاجية العالية مثل الصناعة التحويلية، بينما حدّت الموارد ذات المستوى المتدني من قدرة القطاعات العامة على استيعاب طالبي الوظائف من الشباب المتعلمين. وأدت هذه التوجهات إلى تحوّل هيكلي نحو قطاعات الخدمات غير النظامية متدنية القيمة التي تعرض على العموم وظائف غير إنتاجية ومنخفضة الأجر.6 ومن المعروف على نطاق واسع أن إحصائيات العمالة في الشرق الأوسط لاتدعو إلى الثقة. إلا أن بعض التقديرات تشير إلى أنه بحلول العام 2010، فإن ما يتراوح بين 10 و15 في المئة من القوى العاملة في مصر، والمغرب وتونس، وأقل من ذلك في العراق واليمن، كانوا يعملون في القطاع الخاص النظامي (المتميّز عن القطاع النظامي).7 وقد ظل إنفاق القطاع العام في بلدان الخليج – وحتى، على الأقل، الانخفاض الأخير في أسعار النفط– مرتفعاً بشكل حاد، وكان ما يعادل 90 في المئة تقريباً من المواطنين الناشطين اقتصادياً في الكويت، والإمارات العربية المتحدة وقطر يعملون في القطاع العام.8

أسفرت شبكات المحسوبية المتضخمة عن تفشي الفساد بصورة وبائية في الدولة. وفي تقرير منظمة الشفافية الدولية عن مؤشرات مدركات الفساد للعام 2017، احتلت ست عشرة دولة من الدول العربية العشرين التي شملها المسح مراتب أدنى من الوسط الحسابي العالمي، وهو 43 (على سلم يتراوح بين صفر ومئة).9 وفي دراسة مسحية أجرتها مؤسسة كارنيغي في العام 2016، أعرب مائة من قادة الرأي العرب عن اعتقادهم بأن الفساد هو التحدي الثاني في المنطقة بعد النزعة السلطوية.10 وبما أنه من الصعوبة بمكان تحديد الفساد والاستئثار الاقتصادي كميا، فقد وجد البنك الدولي دلائل على أن الشركات التي تتمتّع بارتباطات سياسية تحظى بامتيازات اقتصادية في عدد من دول الشرق الأوسط، وتعيق نمو الشركات الصغيرة الفتية التي يفترض فيها أن تكون هي الرافعة القادرة على خلق الوظائف.11 وفي غضون السنوات العشر التي سيقت الانتفاضات العربية العام 2011، كانت المؤشرات الاقتصادية الكلية إيجابية على العموم.12 غير أن هذا النمو الاقتصادي تزامن مع تطلعات عريضة بما يتوجب على الحكومات القيام به. ومع تزايد مدركات الفساد، وتفشي الفقر والبطالة، واستمرار الركود السياسي، أصبح انفجار مشاعر السخط في أوساط الجماهير، على الأرجح، أمرا محتما.

تجلّت أنماط الريعية بصور متباينة في مختلف السياقات. فالبلدان الملكية الخليجية تمثّل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، على الرغم من أنها تضم 15 في المئة فقط من السكان.13 وقد مكّنها توافر عائدات النفط الهائلة، وقلة عدد السكان وربما الشرعية السياسية التي تفتقر إليها جمهوريات الحزب الواحد، تاريخيا، أن تغلِّب الاستتباع على الإرغام في تعاملها مع الموطنين. إلا أن انهيار أسعار النفط العام 2014 فرض ضغوطا وقيودا هائلة، ولاسيما في البحرين، وعُمان، والسعودية، التي ستجهد لاحقاً لمجاراة التزايد المطّرد في عدد السكان.14 يضاف إلى ذلك أن المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وبصورة خاصة البحرين، ردّت على الفوران المتواصل في المنطقة بممارسة المزيد من القمع ضد أي شكل من أشكال الانشقاق السياسي.

بيري كاماك
بيري كاماك باحث في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تركّز أبحاثه على التوجهات الإقليمية بعيدة المدى وتأثيراتها على السياسة الخارجية الأميركية.

إن الجمهوريات العربية المصدّرة للنفط – الجزائر والعراق وليبيا - تستمدّ دخلاً مهمّاً من ريوع الموارد. وكانت سورية واليمن ذات يوم من البلدان المصدّرة للنفط، غير أن الإيرادات انهارت عندما تضافرت عوامل الحرب وتضاؤل الإنتاج وانخفاض الأسعار.15 وفي هذه البلدان الخمسة، أنفقت العائدات بصورة متناظرة على أجهزة القمع والمؤسسة العسكرية، كما تعاقب عليها الفساد والمحاسيب. وكانت محصلة ذلك اقتصادات متدنية الأداء، وبصورة خاصة حالات الإخفاق الخطيرة في مجال الحوكمة. ولم يكن من قبيل المصادفة أن هذه الدول الخمس كانت هي الأكثر معاناة للصراعات الداخلية خلال العقود الأخيرة.

تمثّل البلدان شبه الريعية الأكثر فقراً فئة ثالثة. وقد تسفر اكتشافات الغاز في شرقي البحر الأبيض المتوسط في المستقبل عن عائدات جديدة مهمة في المشرق.16 ويتعاظم استخلاص الغاز بسرعة في مصر، لكن حصة الفرد من عائدات الموارد الهيدروكربونية تتضاءل بوجود ما يقارب 100 مليون نسمة من السكان، بالمقارنة مع نظائرها الأكثر ثراء. ليس في لبنان وفلسطين إنتاج هيدروكربوني حالياً بينما يحتل الإنتاج في الأردن والمغرب مرتبة هامشية. وثمة صناعات لاستخلاص الطاقة في السودان وتونس، غير أنها على العموم متواضعة وآخذة بالتناقص. وتضم هذه الدول أكثر من نصف السكان في المنطقة، غير أنها تمثل ربع الناتج المحلي الإجمالي فيها. لكن على الرغم من تدني مستويات الموارد الهيدروكربونية، فإن النموذج الريعي يتغلغل في مرافق هذه الدول كذلك. وتتخذ الإيرادات أشكال عدة، بما فيها الاستثمارات الخليجية، وتحويلات العاملين في الخارج، وعطايا الموارد الطبيعية البديلة، مثل قناة السويس في مصر، والبوتاس في الأردن، والفوسفات في المغرب. ولم يستخدم جيران هذه الدول الأكثر ثراء عائدات النفط لشراء الولاء السياسي الداخلي وحسب، بل هي تجاوزت الحدود كذلك لشراء الولاء من الدول الأثر فقراً. وقد أفادت الأردن، ومصر، وفلسطين بصورة خاصة من كرم الدول الأجنبية في الخليج والولايات المتحدة، مقابل الاستكانة الدبلوماسية. وإذا استثنينا تحويلات العاملين في الخارج، فإن تدفقات الدخل هذه تصب في خزينة الحكومات، التي تقوم من ثم بإعادة توزيعها على شبكات المحسوبية المحلية، من خلال الوظائف في القطاع العام، والعقود التفضيلية للمتنفذين السياسيين داخل النظام، أو الدعم المالي المباشر في حالة العشائر الأردنية.

الشرق الأوسط مقابل جنوب شرق آسيا: دراسة حالة في التباين

في أوائل الستينيات من القرن الفائت، كان الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا يخوضان حرباً مريرة ضد موروث كولونيالي استعماري تمخض عن سلسلة من الحروب الإقليمية والانتفاضات المحلية. وفي كلتا المنطقتين، حاولت تلك الدول التغلّب على مستويات التنمية البشرية المتدنية بانتهاج نماذج حمائية للاستعاضة عن الواردات. كانت هناك أوجه شبه بين مصر، في عهد الضابط العسكري الكاريزمي جمال عبد الناصر من جهة، وتايلند التي كان يرأسها كذلك ضابط عسكري سابق تسلّم مقاليد الحكم في الآونة الأخيرة.17 وفي العام 1960، كان البلدان متماثليْن من حيث عدد السكان (27 مليون نسمة في كل منهما) وحصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (631 دولاراً و571 دولاراً، على أساس قيمة الدولار في العام 2010).

أقدم عبد الناصر، بعد تسلّمه مقاليد السلطة العام 1956، على تأميم قناة السويس، فأثار بذلك أزمة جيوسياسية. وقد حقق له النصر السياسي الذي تلى ذلك شعبية جماهيرية واسعة النطاق في المنطقة وكان مصدر إلهام للقادة في ليبيا والعراق وغيرهما. وقد جمعت رؤيته لعالم عربي موحّد بزعامة مصر بين جاذبية التيار العروبي وبين معاداة الاستعمار في إطار نموذج سياسي اشتراكي سلطوي. وغدت الحركة الناصرية هي النموذج المفضل في الاقتصاد السياسي للجمهوريات العربية.

لكن سرعان ما انهارت مصداقية ناصر ورؤيته بعد الهزيمة الكارثية التي لحقت بمصر والعالم العربي الأوسع في حرب الأيام الستة في حزيران/يونيو 1967. وفيما كانت المجتمعات العربية تعالج آثار الهزيمة التي منيت بها في السبعينيات، جاءت الطفرة النفطية بثروة يسيرة المنال لحكومات منها. لكن التنمية السياسية تخلّفت أثناء ذلك على الرغم من التقدّم الاقتصادي، وغدت الدول العربية بشكل متزايد أكثر قمعا. أما الجمهوريات السلطوية، فقد وصل بها الأمر إلى ترتيب غطاء براق من الشرعية الانتخابية لرؤسائها مدى الحياة.

تزامنت السلطوية العربية أحيانا مع تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية الاجتماعية المهمة. ففي الفترة الواقعة بين العامين 1970 و2010 تفوقت سلطنة عُمان على دول العالم كافة في تحقيق التقدّم في مؤشر التنمية البشرية - وهو مقياس توليفي يشمل الدخل، ومعدل العمر المتوقّع، والتعليم.18 كما تزامنت التحسينات الأكثر أهمية في مجال التنمية البشرية مع بداية العهد الاستبدادي لصدام حسين بعد العام 1969. وحققت مصر تقدما مهما في الميدان الاقتصادي والاجتماعي، قبل أن يفضي الفساد الذي اتسمت به آنذاك رئاسة حسني مبارك إلى ثورة 25 يناير. وإذا نحينا جانبا قصص النجاح التي تبرز بين فترة وأخرى، فإن الدول العربية قد جهدت -وأخفقت– في بلورة نموذج متماسك للاقتصاد السياسي منذ انهيار الحركة الناصرية.

إن فترة الخمود السياسي والاقتصادي المديد التي شهدها العالم العربي تجسّدها العقود الستة من التفاوت بين ما آلت إليه الأوضاع في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. إن من يحكم مصر وتايلند الآن هم جنرالات سابقون تسلموا زمام الحكم في انقلاب عسكري. غير أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في تايلند تزايد وبلغ ضعف ما هو عليه في مصر. وقد كانت اليمن وفيتنام، وهما مجتمعان زراعيان دمرتهما عقود من الحرب الأهلية والانقسامات السياسية، تعتبران لمدة طويلة من أفقر الدول في هاتين المنطقتين. لكن فيتنام بدأت بهدوء خلال العقود الأخيرة مرحلة من الاستقرار والنمو، وارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها ثلاثة أضعاف منذ العام 1980، وبرزت كمركز إقليمي للصناعات التحويلية الإلكترونية. أما اليمن فقد انزلقت في تلك الأثناء إلى مهاوي البؤس، وتقلّص نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها إلى نصف ما كان عليه قبل أربعة عقود.

لم يتجاوز معدل النمو في حصة الفرد من نمو الناتج المحلي الإجمالي في أي بلد عربي ثلاثة في المئة خلال نصف القرن الماضي (انظر الجدول 2). في المقابل، لم يفشل في تحقيق ذلك بين دول جنوب شرق آسيا إلا بلدان، أحدهما بروناي، وهي الدولة النفطية الوحيدة التي يسودها حكم ملكي مطلق، ويشبه اقتصادها إلى حد كبير اقتصاد الملكيات الخليجية أكثر مما يشبه اقتصاد الدول المجاورة لها.

ترى، ما الذي يفسر هذا التفاوت الهائل؟

في حقبة الدول القومية الحديثة، كانت نماذج الاقتصاد السياسي الإقليمية تميل إلى التطور جنبا إلى جنب مع الدول الأقوى والأكثر نجاحا في المنطقة.19 وقد استفادت دول جنوب شرق آسيا بالتأكيد من قربها الجغرافي من اليابان، وبعدها من الصين، اللتين كانتا تمثلان بالنسبة إلى الدول المجاورة قدوة ومنافسا عتّيا في آن.
لم تكن هناك وصفة وحيدة للنجاح في جنوب شرق آسيا. وكما شهدنا في الشرق الأوسط، تعاقبت على بلدان جنوب شرق آسيا تشكيلة واسعة من الأنظمة السياسية – ومنها الجمهوريات البرلمانية، والملكيات الدستورية، والدول الشيوعية ذات الحزب الواحد، وحكم الطغمة العسكرية، والدولة - المدينة السلطوية. وقد تجنّبت هذه الدول، عموماً، تكرار الصراعات العسكرية التي اندلعت في الستينيات والسبعينيات. وقد شكّلت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) مؤسسة إقليمية كفؤة قادرة على تشجيع التجارة الإقليمية والاندماج الاقتصادي العالمي، بالإضافة إلى الاستقرار الإقليمي.

غير أن القوة المحركة وراء "المعجزة الاقتصادية" الآسيوية كانت سلسلة السياسات المحفزة للنمو التي تبنتها المنطقة الأوسع في شرق آسيا. فقد أشاعت اليابان هذه السياسات أول الأمر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومن تم تبنتها وشذبتها، على التوالي، كوريا الجنوبية وتايوان، ودول عديدة في جنوب شرق آسيا ثم الصين في وقت لاحق. وشجّعت هذه السياسات الجديدة على  تأسيس نظم تعليمية قوية، ومستويات عالية من الاستثمار المحلي، والاستقرار الاقتصادي الكلي، والأطر التنظيمية والقانونية المُحكمة، والمنافسة القائمة على الجدارة التي أفرزت كوادر موهوبة من التكنوقراطيين الذين يتمتعون بالمناعة ضد الضغوط السياسية.20 في الستينيات، كانت اقتصادات إندونيسيا وماليزيا وتايلند تعتمد على الموارد المحلية مثل تصدير الأخشاب، والمطاط والأرز على التوالي. غير أن دول جنوب شرق آسيا تلك توجّهت تدريجيا صوب الاقتصادات التي تعتمد على تصدير منتجات الصناعة التحويلية والتجارة الحرة.

نماذج إقليمية وليدة؟

إذا كان العالم العربي يفتقر إلى المحركات الديناميكية للنمو الاقتصادي، فإن ذلك يعود، جزئياً، إلى أن مصر والمملكة العربية السعودية، اللتين تمثّلان بين الدول العربية الاقتصادين الأضخم والأهم من الناحية الجيوسياسية، قد فشلتا في أن تصبح كل منهما قوة اقتصادية ديناميكية بحدّ ذاتها.

يمثّل برنامج رؤية 2030 الذي أعلنت عنه المملكة العربية السعودية في شهر نيسان/أبريل 2016 التجربة الأهم في مجال التحديث الاقتصادي-الاجتماعي في الشرق الأوسط. وتهدف الخطة السعودية التي استعارت جانباً من رؤية 2021 التي أطلقتها الإمارات العربية المتحدة في 2010، إلى تقليل الاعتماد على النفط وتنويع الاقتصاد.21 وتشهد المملكة العربية السعودية في هذه الآونة انفتاحاً طال انتظاره لعقود في المجالات الثقافية والاجتماعية، يعود في أصوله إلى ما يقوم به جيل جديد من السعوديين والسعوديات الذين حظوا بمستوى علمي أعلى وبفرصة أفضل للسفر إلى الخارج، وبروابط أقوى مع العالم. لكن خلق دولة سعودية مابعد نفطية فيها قطاع خاص ديناميكي وقدرة على تلبية متطلّبات القوى العاملة الفتية، يُعتبر تحدياً في غاية الصعوبة. وسيعتمد النجاح، بالقدر نفسه، على الإدارة السياسية الحاذقة مثلما يعتمد على الإدارة الاقتصادية. ولي العهد محمد بن سلمان، وهو القوة المحركة وراء رؤية 2030، شخصية قيادية كاريزمية جسورة ونشطة، ومع أن رؤيته قد ترسم صورة أكثر حداثة للمملكة، إلا أن النموذج المطروح لن يكون ليبرالياً. كما أنه ارتكب أخطاء عدة في مساعيه الرامية إلى تعزيز سلطته وفي عدم استعداده لتقبّل المعارضة، الأمر الذي لايبشّر بالخير بالنسبة إلى مستقبل رؤية 2030.

في مصر، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ شهدت مصر انعطافاً حاداً صوب القمع الوحشي والنزعة السلطوية. ومع أن القاهرة أجرت إصلاحات اقتصادية صعبة عدة- أبرزها تعويم الجنيه المصري، وفرض ضريبة القيمة المضافة، وخفض الدعم على الطاقة– إلا أن الدولة تواجه مديونية عالية ولازالت تعاني من الفقر المدقع. وقد آثرت الدولة المشروعات الضخمة التي تشرف عليها المؤسسة العسكرية، والتي لا تفعل إلا أقل القليل لمعالجة نواحي العجز في مجال التنمية البشرية. وهكذا، غدت مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر ميلاً إلى القمع مما كانت عليه في السنين التي سبقت الثورة الشعبية لإطاحة مبارك.

على الرغم من هذه التحديات، لا يخلو الشرق الأوسط من حالات النجاح السياسي والاقتصادي النسبي. والسؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه النجاحات تمثّل نماذج أوسع يجدر الاقتداء بها في المنطقة.

برزت الإمارات العربية المتحدة بوصفها الاقتصاد الأكثر ديناميكية في العالم العربي، ومع أنها تمثل اتحاداً فدرالياً بين إمارات سلطوية بصورة متزايدة، فإنها تتمتع بسمعة طيبة من حيث الفرص الاقتصادية والمحاسبة على أساس الجدارة والأعراف الاجتماعية الليبرالية نسبياً. وتنفرد الإمارات العربية المتحدة بين أنظمة الحكم الملكية في الخليج بأنها حققت تقدماً ملموساً في التنويع بعيداً عن الاعتماد الكلي على ريع الموارد الهيدروكربونية.22 كما أنها تحتل بصورة ثابتة واحدة من أعلى المراتب بين البلدان العربية من حيث مؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية.23

كما أن سنغافورة وهونغ كونغ تؤديان دوراً متميزاً بوصفهما من مراكز التوزيع المشهودة في شرق آسيا، فإن تطبيق نموذج الإمارات العربية المتحدة سيكون محدوداً بالنسبة إلى أغلبية البلدان العربية الأخرى ذات القاعدة السكانية الأعرض والأكثر تنوعا. ذلك أن الإمارات، التي تحتل المرتبة الثامنة في احتياطيات النفط في العالم، وتضم بالكاد مليون نسمة من المواطنين، (شأنها شأن منافستها الكبرى قطر)، استفادت من نواحي الفشل في تجارب الدول المجاورة لها في مجال الحوكمة، فاعتمدت في المقابل، على ركائز سليمة للحوكمة. غير أن هذه المزايا لاتبدو مؤثرة جداً إذا ما أخذنا بالاعتبار الجانب الاقتصادي لدى نظائرها في آسيا، أو أوروبا، أو أميركا الشمالية التي تتخلف عنها الإمارات بصورة كبيرة في أغلب معايير الحوكمة الرشيدة.24 ومع انهيار واحدة من كبرى شركات القطاع الخاص في دبي (وهي مجموعة "أبراج")، تأكدت المخاوف إزاء حوكمة الشركات وتضارب المصالح.25

في الوقت نفسه، يستشهد كثير من العرب بتونس باعتبارها نموذجاً سياسياً ممكناً. فتونس، التي تتمتّع بمستوى عال في مجال تحرّر المرأة، وبنسبة التعليم لدى السكان، وبطبقة متوسطة قوية، هي البلد الوحيد الذي تمخض فيه الربيع العربي عن قيام نظام ديمقراطي دستوري على أساس التشاور، والمصالحة السياسية، ومشاركة المواطنين.26 وفي مسح شمل خبراء قامت به مؤسسة كارنيغي حول الحوكمة العربية العام 2016، أعرب ثلثا المشاركين عن اعتقادهم بأن تونس هي الأكثر فعالية في مجال الحوكمة في العالم العربي.27 لكن هذه الدولة، بعد سبع سنوات من ثورة الياسمين لازالت تشهد أزمة سياسية شبه دائمة، ولازال الفساد واسع الانتشار، والنمو الاقتصادي أدنى مما كان عليه في 2010. ولم تثبت تونس قدرتها على تلبية التطلعات الاقتصادية للمواطنين.

نحو عقد اجتماعي عربي جديد

يتميّز اثنان من التحديات الاقتصادية في الشرق الأوسط بأهمية خاصة: الأول هو الحاجة الملحّة لخلق الوظائف - ولاسيما في أوساط الأعداد المتصاعدة من الشباب العاطلين عن العمل. أما التحدي الثاني، المرتبط بالأول، فهو الحاجة إلى نمو اقتصادي كلي منصف ومستدام.

هناك، على العموم، أربعة جوانب لرسم سياسات اقتصادية ناجحة: دعم الاستقرار الاقتصادي الكلي، وبناء رأس المال البشري، وتشجيع التجارة الدولية، وتحفيز المشروعات الخاصة.28 ومن الطبيعي أن كل دولة عربية تواجه منظومة متميزة من التحديات الاقتصادية. إلا أن الملامح العريضة للسياسات التي ترتبط عموماً بالنمو الاقتصادي المنصف وخلق الوظائف مبينة بتفاصيلها في الأدبيات الأكاديمية وفي التقارير الدولية.29

  • دعم استقرار الاقتصاد الكلّي يتضمن السيطرة على العجز الحكومي ومستويات الدين، والمحافظة على انخفاض معدلات التضخم واستقرار معدلات الفائدة. وتضاف إلى هذه التحديات بالنسبة إلى البلدان المصدّرة للنفط مسؤولية إدارة الإنفاق الحكومي خلال دورات الازدهار السلعي. ويحتل العديد من الدول الأكثر فقرا في المنطقة مثل مصر، والأردن، ولبنان مرتبة البلدان الأعلى مديونية في العالم، مايعيق النمو المستقبلي فيها على المدى الطويل.
  • بناء رأس المال البشري يشمل، في الدرجة الأولى والأهم، تزويد المواطنين بالأدوات اللازمة للمنافسة في اقتصاد المعرفة في القرن الحادي والعشرين، من خلال خلق نظم تعليمية ديناميكية. وتحقق قطر، والإمارات العربية المتحدة، وتونس، على سبيل المثال، تحسنا مشهودا في ميدان التعليم، كما أن ثمة ضرورة قصوى لتأمين الحماية القانونية للعمال، بمن فيهم العمال المهاجرين، في جميع أرجاء المنطقة.
  • تشجيع التجارة الدولية يمكن عن طريق رسم سياسات توسّع الشرائح الاقتصادية التي تركز على الإنتاج الصناعي المخصص للتصدير، وتدير معدلات الصرف بفعالية، وتزيل العوائق التي تعترض سبيل التجارة، مثل التعريفات، والرسوم الجمركية، والتراخيص، والحصص. وتفرض عُمان ولبنان تعريفات منخفضة على الواردات وتفسحان المجال أمام الاستثمار الأجنبي. وبينما حققت المغرب بعض التقدم في دمج نفسها في سلسلة المزودين العالمية مع أسواق الاستهلاك الأوروبية، فإن الإقليم المغاربي لازال هو الأقل اندماجاً من الناحية الاقتصادية في العالم.
  • تحفيز المشروعات الخاصة يلعب دوراً حاسماً، إذا ما أريد لخلق الوظائف أن يحقق أهدافه المنشودة. ويتطلّب ذلك، آخر الأمر، تحويل الاقتصاد من الاعتماد على النفط والخضوع إلى سيطرة الدولة إلى اقتصاد لا يعتمد كلياً على النفط ويوجهه القطاع الخاص. ومن الخطوات التي تحددها الأدبيات بوضوح لتوليد فرص العمل في القطاع الخاص، ولاسيما في الشركات الصغيرة والمتوسطة، الإقلال من الإجراءات البيروقراطية المتشددة التي تعيق المشروع التجاري الخاص؛ وتطبيق ممارسات مرنة للتوظيف وإنهاء الخدمة؛ والإقلال من الدعم المقدم للموالين سياسياً وللشركات التي تملكها الدولة؛ وزيادة الشفافية في معايير المشتريات للحدّ من معدلات الفساد؛ وتوسيع فرصة الوصول إلى نسبة السبعين في المئة من المواطنين العرب الذين ليست لديهم حسابات بنكية عن طريق التكنولوجيا المالية والتمويل الصغير. وتحتل الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى بين البلدان العربية على مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال الذي يصدره البنك الدولي والمرتبة الحادية والعشرين عالمياً بين 190 دولة. ومن المتغيرات التي يشملها هذا المؤشر منح التراخيص، والبنية التحتية، والحصول على الاعتماد، والبيئة القانونية. ولاتحتل أية دولة عربية أخرى مرتبة دون الستين، ما يؤكد الآثار المعوقة التي تخلفها السياسات الحمائية، والريعية ورأسمالية المحسوبية.30

من السهولة بمكان إيضاح الأولوية في هذه السياسات، غير أن تنفيذها قد يكون مهمة بالغة الصعوبة. فالإصلاحات الاقتصادية ليست ممارسات تكنوقراطية، بل هي عملية سياسية يتمحور حولها تقسيم المكاسب في أي مجتمع. ولازال الإصلاح والتنويع الاقتصادي هما الشعار المتداول على مدى جيلين على الأقل من واضعي السياسات العرب، ولاسيما خلال دورات ازدهار أسواق الطاقة. غير أن هذه الجهود الإصلاحية قصرت عن بلوغ هذه الغاية.

عندما بلغت أسعار النفط الخام ذروتها، وهي 115 دولاراً للبرميل في حزيران/يونيو 2014، لم تكن دول مجلس التعاون الخليجي، ما عدا الإمارات العربية المتحدة بصورة لافتة، بشكل ملحوظ أقل اعتماداً على عائدات النفط مما كانت عليه خلال الطفرة النفطية الأولى في سبعينيات القرن الفائت.31 وقد تزامنت الإصلاحات الاقتصادية في مصر خلال العقد الأول من القرن الحالي مع فترة من النمو الاقتصادي الكلي القوي نسبيا، حتى مع استمرار نصف السكان في حياة الكفاف على أساس دولارين في اليوم. وتمخض السخط الشعبي على الفساد واللامساواة عن المساهمة في تهيئة المناخ للانتفاضة الشعبية في كانون الثاني/يناير 2011.32 أما في الأردن، فإن النخب السياسية والاقتصادية أجهضت المحاولات المتتابعة منذ تسعينيات القرن الفائت لدفع البلاد إلى إنشاء المؤسسات القائمة على أساس الجدارة.33

أسباب هذه الإخفاقات وغيرها معقّدة ومتنوّعة، لكن ينتظمها خيط واحد. فهذه المحاولات الإصلاحية لم تستهدف إجراء تعديل جوهري في ديناميكية القوة المركزية للصفقات النخبوية السائدة. ونتيجة لذلك، لم تولد منافسة اقتصادية أو سياسية حقيقية. لقد تحدث القادة عن الحاجة إلى الإصلاح، غير أن الدولة واصلت هيمنتها على الاقتصاد وتحديد الفائزين والخاسرين والحصص لكل منهم. كما واصلت النخب التجارية اعتمادها على الصلات مع الحكومة لتحقيق المكاسب؛ وفي بعض الحالات تطورت الصناعة في القطاع الخاص، وخارج القطاع غير النظامي، وتحولت إلى زائدة عضوية ملحقة بالدولة. وعلى هذا الأساس، غدا الاقتصاد السياسي لأغلب البلدان العربية هو الذي يغذي نفسه بنفسه، حتى في غمرة الجهود الإصلاحية المتتالية، فيما كانت النزعة الريعية تتغلغل في أغلب جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية.

يوحي التاريخ الطويل للجهود الإصلاحية في الشرق الأوسط بأنه من المستحيل إحداث تغيير مجدٍ ما لم يؤخذ في الاعتبار المنتفعون المتجذّرون بعمق في صلب النموذج الريعي، ويتم قلب عملية تركُّز النفوذ الاقتصادي والاجتماعي في الأيدي نفسها. ولا يمكن معالجة شبكات الراعي–الزبون، ناهيك عن تفكيكها، إلا إذا حدثت تغيّرات بنيوية ويتطلّب ذلك قيام علاقات جديدة بين الحكومات والمواطنين في العالم العربي.

الباروميتر العربي

مسارات عمل جديدة: حشد الشباب، والنساء والأقليات

تعطي التركيبة الديموغرافية السكانية للمنطقة بعض الأمل في كسر الحواجز القديمة وتوليد ديناميكية جديدة. غير أن ذلك يتطلّب من الحكومات معاملة المواطنين كشركاء وجزء لا يتجزأ من المشروعات الوطنية، وللاستثمار فيهم بإكسابهم المهارات الضرورية للمنافسة في القطاعات القائمة على المعرفة.

لا تتفرّد الحكومات العربية وحدها بهذا التحدي. فقد واجهت الاقتصادات في جنوب شرق آسيا، وبخاصة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، سلسلة من النزاعات، والتململ الشعبي، والانقسامات الدينية والإثنية. مع ذلك، تبنّت تلك البلدان على العموم "النمو المشترك" بوصفه المبدأ الجوهري للتنمية، الذي ينص على أن تتحمل الحكومات مسؤولية إشراك غير النخب في النمو السياسي. والواقع أن الزعماء السياسيين في ماليزيا، بدءاً من العام 1969، وإندونيسيا في الثمانينيات، ربطوا شرعيتهم بمبدأ النمو المشترك.

إذا ماتمّت تعبئة السكان في الشرق الأوسط للمضي قدما في مشروعات التحديث، ستتضح أهمية اثنين من المسارات بصورة خاصة: الشباب (الفئة العمرية بين الخامسة عشرة والتاسعة والعشرين)، والنساء. ويمثّل هذان القطاعان، مجتمعين، نحو ثلثي السكان في أغلبية البلدان العربية. غير أنهما لايتمتعان بنفوذ سياسي في أي مجتمع عربي. كم أن الفجوة بين الشباب والقادة المسنين تزداد اتساعاً بصورة كبيرة في العالم العربي. ومع أن المعدل الوسطي للأعمار في المنطقة يبلغ أربع وعشرين سنة،34 إلا أن الرؤساء أو الملوك في ست دول عربية يتجاوزون الثمانين (الحادية والثمانين في الجزائر؛ والتاسعة والثمانين في الكويت؛ والثالثة والثمانين في لبنان؛ والثانية والثمانين في فلسطين، والثانية والثمانين في المملكة العربية السعودية؛ والحادية والتسعين في تونس).

والأهم من ذلك أن تقديرات معدل البطالة في أوساط الشباب العرب تتراوح بين 25 إلى 30 في المئة، وهي النسبة الأعلى إقليمياً في العالم.35 وفي العديد من هذه الدول، بما فيها مصر وتونس، تظلّ نسبة الخريجين المتعطلين أعلى من ذلك، مايدل على ارتفاع معدلات الهدر لرأس المال البشري. ويعكس هذا التحدي اتجاهاً عريضاً للبطالة في المنطقة.
إن مواجهة هذا التحدي تتطلّب التخلص من المعوّقات التي تعترض سبيل خلق الوظائف، مثل الفساد، والقيود المفروضة على سوق العمل، ونواحي القصور في البنية التحتية، والنظم المالية السقيمة.

كما تتطلّب هذه المواجهة بذل الجهود لتعزيز تنمية المهارات لدى الشباب. بالإضافة إلى تحسين النظم التعليمية، فقد تبيّن أن التدريب المهني يخفض في سياقات أخرى من معدلات البطالة في صفوف الشباب. ففي العديد من دول جنوب شرق آسيا، على سبيل المثال، ساعدت الحكومات على استبقاء العمال ذوي المهارات المتدنية ليشغلوا مناصب أكثر إنتاجية، ما أدى إلى تزايد الأجور والصادرات.36 وينشط في المغرب منذ ثمانينيات القرن الفائت برنامج للتدريب المهني يشارك فيه مئات الآلاف. ومع أن البرنامج يخضع إلى إدارة احتكارية من جانب مزود للخدمات تتفاوت نوعية ما يقدّمه من تدريب، فإن الدراسات تشير إلى أن معدلات البطالة بين المشاركين أدنى مما هي عليه في أوساط الشباب المغاربة بصورة عامة.37

منذ جيلين، كانت أغلبية النساء العربيات تعاني من الأمية. أما الآن، فإنهن يمثّلن الأغلبية بين الطلاب الجامعيين في كل دولة عربية تقريباً.38 غير أن إنجازات النساء الاقتصادية الاجتماعية لم تُترجم نفسها إلى قوة اقتصادية أو سياسية. وقد أوضح تقرير التنمية الإنسانية العربية المَعْلَمي للعام 2002 أن العوامل التي أسفرت عن تهميش النساء، اقتصادياً وسياسياً في أغلب البلدان العربية تشمل الأعراف الاجتماعية والثقافية، والانتقاص من مساهمات النساء الاقتصادية البيتية، والأعراف الاقتصادية الريعية، والاعتماد على العمالة الأجنبية، وفجوة الأجور بين الجنسين، والتحيّز في ممارسات العمل.39

ومع أن معدلات مشاركة الإناث في القوى العاملة في الكويت وقطر تقارب مثيلاتها في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإنها تتسم بالركود في بلدان أخرى. وعلى صعيد المنطقة ككل، ارتفعت مشاركة الإناث في القوى العاملة منذ العام 1990 بنسبة 1.5 في المئة فقط، حيث بلغت 20.9 في المئة- وهي الأدنى في العالم.40 ومن الواضح أن اللمسات السطحية لاتفي بالغرض. ولتحقيق أفضل أداء ممكن، يتعين على الحكومات العربية أن تفتح الأبواب على مصراعيها أمام النساء على شتى الأصعدة في المجتمع.41

لكي يتسنى للشباب والنساء تحقيق إمكاناتهم الاقتصادية، يتوجّب على الحكومات أن تستشعر وتستوعب الحاجة إلى الإعلاء من شأن المساواة بين المواطنين كافة. يخوض العديد من البلدان العربية الآن غمار الانتقال الديموغرافي. وتقترب البحرين ولبنان وقطر من النضج الديموغرافي بمعدلات إنجاب أقل من نسبة الاستبدال والاستعاضة ومعدلات العمر التي تتجاوز خمسا وثلاثين عاما.42 ويعني انخفاض معدل الإنجاب أن البلدان العربية ستفيد في العقود المقبلة من مكسب ديموغرافي يتضخم فيه حجم السكان القادرين على العمل، وينكمش فيه حجم المعالين المسنين والشباب على حد سواء. وفي العقود الأخيرة، استغلت دول جنوب شرق آسيا هذا المكسب للمضي قدما في تنميتها الاقتصادية. ولكن إذا فشلت البلدان العربية في خلق فرص اقتصادية مجدية، فإن هذا المكسب الديموغرافي سيتحول إلى عبء يعيق النمو في المستقبل على المدى البعيد.

حوافز جديدة: المساءلة وحكم القانون

إن تحقيق نمو اقتصادي منصف وتوليد فرص عمل ديناميكية سيتطلّبان في السنوات المقبلة من الحكومات العربية التحرّك باتجاه أطر تنظيمية واضحة وشفافة، يُصار إلى تطبيقها بصورة منسّقة. إن كل دولة تواجه منظومة متميّزة من الظروف والتقييدات. غير أن البلدان العربية تحتاج بلا شك إلى وضع أنظمة تقوم على قواعد وأسس ثابتة إذا أرادت النجاح في ميدان التنافسية المطردة في العالم. وبعد اقتصادات المرحلة الريعية، ستبرز الحاجة إلى وضع بنى تحفيزية لتشجيع الروح الريادية والإنجاز الإنساني. غير أن ذلك يتطلّب كذلك أن يقوم القادة بإخضاع النخب الاقتصادية الراسخة إلى منافسة متزايدة.

يحقق من يحظون بالامتيازات مكاسب ضخمة في كل مجتمع، غير أن الفجوة بين الأجيال منخفضة بصورة بارزة في المجتمعات العربية. إن ثقافة "الواسطة" وهي مصطلح عربي يشير إلى العلاقات الاجتماعية التي تتدخّل لتحقيق امتيازات لطرف ما مثل التوظيف، قد تكون واسعة الانتشار، وتعتبر على نطاق واسع من المعوّقات التي تجحف بحق من لايتمتعون بطرف قوي يرعى مصالحهم. ووفقاً لبيانات الباروميتر العربي، فإن أغلبية المواطنين في ست من أصل عشر دول شملها المسح يعتقدون أن العائلة والهويات العشائرية أو الانتماءات، هي على الأقل على القدر نفسه من الأهمية مثل المؤهلات والخبرة في تأمين الاستخدام في القطاع العام.43 ويبيّن مسح متأخر أجراه البنك الدولي أن 50 في المئة من اللامساواة في مصر يمكن أن تُعزى إلى ظروف خارج سيطرة الفرد.44 وفي حين أن هناك ما يقارب 150 مبادرة لتشجيع الروح الريادية في المنطقة، فإنها، على العموم، لم تحقق الأهداف المنشودة.45

إن عناصر المحسوبية والزبائنية والفساد المتأصلة في أغلب الاقتصادات الريعية تولد الضرر والآثار العكسية. وإذا ضاقت السبل وشحّت الفرص في القطاع الخاص، فإن من المعقول آنذاك التطلع إلى الاستخدام في القطاع العام، حتى ولو تم ذلك على حساب زيادة البطالة. وعندما تتعاظم المعوّقات البيروقراطية، فلن يتوفر إلا أقل القليل من الحوافز لروح المخاطرة الريادية، وقد يؤدي الفشل، في بعض الحالات، إلى السجن.

عندما تتحسّن الأوضاع في أسواق العمل، ستتوفر الحوافز لدى القطاع الخاص للاستخدام والترقية الوظيفية القائمة أساساً على الجدارة. كما أن الحوافز الضريبية ووجوه الدعم الأخرى قد تحوَّل من الشركات الناضجة إلى الشركات الصاعدة والفتية، والأرجح أنها هي التي توفر أغلبية الوظائف الجديدة. وتدعو الحاجة إلى اتخاذ ترتيبات تفاعلية في المؤسسات الحكومية لزيادة الاستخدام القائم على الجدارة لا على الارتباطات الشخصية أو السياسة، مع أن مثل هذه الترتيبات قد تلقى مقاومة من جانب النخب العشائرية والسياسية، ولاسيما أن حجم الحكومات آخذ بالانكماش تدريجياً جراء الاستنزاف والإنهاك.

أولويات جديدة: المؤسسات وديناميكيات السلطة

تتسم أغلب الدول العربية بالتغلغل والضحالة في آن. ويعني ذلك أنها تسعى إلى التغلغل في حياة المواطنين، لكن قدرتها محدودة في هذا المجال، ويعود ذلك، إلى حد بعيد إلى المؤسسات الضعيفة التي أحبطت التقدم السياسي والاقتصادي أكثر من مرة. ولذا، لا بد من إقامة مؤسسات أكثر فعالية لتعزيز القدرات، والكفاءات والشفافية، وإعطاء البلديات والمجتمعات مزيداً من حرية التصرف لإدارة شؤونها الخاصة.

وفي غمرة التآكل الذي يعاني منه العقد الاجتماعي القديم، يقال للمواطنين في شتى أرجاء المنطقة بأن يتوقعوا مزيداً من الضرائب، مع تضاؤل إمكانية الحصول على وظائف حكومية. وعندما يطلب منهم أن يعملوا المزيد لحكوماتهم، فإنهم بالطبع يتساءلون عما سيتلقونه لقاء ذلك.

إن الثورة التكنولوجية العالمية ستتسبب في بعض التشتت والتصدع في الشرق الأوسط كما في بقاع العالم الأخرى. ففي عصر البيانات العالمية الضخمة اليوم، ستتعرض الحكومات التي تفشل في تشجيع الشفافية الاقتصادية والإعلاء من شأنها بشتى وجوهها إلى مخاطر التخلّف عن الركب. وبالتالي، لابد من تمكين المواطنين من الحصول بيسر على المعلومات الخاصة بالمتطلّبات القانونية والتنظيمية، كما على الحكومات أن تنشر معلومات شاملة عن مستحقي المنافع في مجالات مثل عقود المقاولات الحكومية، وأوجه الدعم، والخصخصة ومبادلات الأراضي المشاع. كما أن على المانحين الخارجيين – بما فيهم الولايات المتحددة، وأوروبا، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، الذين يركزون غالباً على المؤشرات الاقتصادية الكلية - أن يعطوا الأولوية للشفافية وتدابير مكافحة الفساد عند تحديد أشكال ووظائف المعونات والقروض.

ومن الإشكاليات المحورية في الاقتصاد السياسي العربي، هي كيفية إصلاح نظام يقاوم بعمق الحلول التي يحتاجها بشدّة. فالأنظمة السياسية، بلا استثناء، تقاوم التغيير، غير أن الأنشطة السياسية التنافسية تطرح، على الأقل، بعض المسارات لمتابعة الإصلاح. وفي أغلب البلدان العربية، من يتحمّل الخسارة الكبرى جراء التغييرات في الوضع القائم هم الذين يتموضعون لمعارضة تلك الإصلاحات. ومن هنا، ينبغي اعتبار مراكز القوة في البلدان العربية من جملة المعوّقات للتنمية الاقتصادية. فهذا الشكل العام يشوّه الحوافز الاقتصادية، ويحول دون نشوء طبقة وسطى وازنة معقولة تقابل نفوذ النخبة السياسية، كما أنه يفضي إلى ركود اقتصادي اجتماعي. وفي آخر المطاف، فإن النماذج الاقتصادية الجديدة، تتطلّب ترتيبات سياسية مبتكرة تنشئ الضوابط والموازين وتدخّل طالبي الريع إلى عالم المنافسة الحقيقية.

خاتمة

لم يكن ظهور رأسمالية المحسوبيات في الشرق الأوسط أمراً محتّماً. لقد كان بالأحرى محصلة لسلوك محسوب من جانب نخبة سياسية واقتصادية متجذرة تسعى إلى تعظيم مصالحها الخاصة إلى أقصى الحدود. ولاتتوفر الضوابط والموازين المؤسسية الأكثر إنصافاً إلا إذا انتشرت السلطة السياسة والاقتصادية وتوزعت بين مسارات تنافسية.46 وفي أغلب البلدان العربية، أدى تضافر الاقتصاد الريعي والنزعة السلطوية إلى خليط موحد من النفوذين السياسي والاقتصادي. ويصدق ذلك على الأنظمة الملكية والجمهورية كليهما، وفي البلدان المصدرة للنفط والفقيرة الموارد على حد سواء.

لقد أوضح الربيع العربي بصورة مفصّلة ضرورة المطالبة بالحرية السياسية، لكنه عجز عن بلورة رؤية اقتصادية متماسكة. كيف يتسنى للمواطنين والحكومات العربية أن يوفقوا بين المطالبة بالحماية الاجتماعية والحريات السياسية؟ إن ذلك يتطلّب إعادة النظر بصورة معمقة بالعقد المبرم بين الدولة والمجتمع، ويستلزم بناء ثقافة جماعية سياسية جديدة غير العلاقة التقليدية بين الحاكم والمحكوم والتي سادت في العالم العربي لعدة عقود.

ثمة رابحون وخاسرون بالطبع في كل برنامج شامل للإصلاح الاقتصادي. لكن تدابير مثل تحسين الشفافية، والتقدم في مجال حكم القانون، وتطوير الحوافز للروح الريادية وخلق الوظائف في القطاع الخاص ستؤدي، مع مرور الوقت، إلى الارتقاء بالأداء الاقتصادي وإلى تخفيض معدلات البطالة. إلا أن هذه الإصلاحات ستواجه المقاومة بطبيعة الحال من جانب النخبة القائمة التي ستتدنى بالضرورة قدرتها على الاستثمار بالريع الاقتصادي نتيجةً لهذه التدابير نفسها.

تعترض سبيل الإصلاح عوائق ضخمة في الشرق الأوسط. ويتطلّب تذليل هذه العقبات أن تتبنى الدول العربية والمصلحون فيها نماذج جديدة تؤكد الحاجة إلى نمو شامل، وتعطي للمواطنين المشاركين مزيداً من المسؤوليات، ومزيداً من الحقوق في آن.

وينبغي على القادة أن يتفهموا التحدي الملح المتمثل في بناء مؤسسات اقتصادية حديثة، ويعقدوا العزم على اتخاذ الخطوات السياسية الضرورية لتحقيق ذلك – بإقرار المساءلة والمحاسبة، وإخضاع الريعيين لمنافسة السوق، والتصدي إلى الفساد، والاستثمار الكامل لما فيه مصلحة المواطنين. وعندها ستتوفر السبل المؤدية إلى نمو اقتصاد ديناميكي، ومنصف، ومستدام في العالم العربي.

مقال

"رؤية 2030" للمملكة العربية السعودية جين كيننمونت

تمثل رؤية 2030 النسخة الأخيرة الأكثر طموحاً لسياسة المملكة العربية السعودية الرامية إلى التنويع الاقتصادي، وهي تهدف إلى تبنّي واحد من الاقتصادات الأكثر اعتماداً على النفط في العالم الانتقال إلى مستقبل مابعد النفط. وعلى الرغم من أن تلك الرؤية لاتشير علناً على الإطلاق إلى البعد السياسي، إلا أنها تنطوي على مضامين سياسية عميقة الغور. وإذا ما تحققت رؤية 2030، ستفكك نموذج الاقتصاد السياسي للدولة الريعية؛ وهو النموذج الذي تكون وظيفة الدولة الأساسية فيه توزيع الثروة غير المكتسبة بالعمل لقاء الرضوخ السياسي.

الدولة الريعية نموذج كاريكاتوري، لكن لها ميزة. فالثروة النفطية تمكّن المملكة العربية السعودية من فرض واحد من أدنى الأعباء الضريبية في العالم، بما يعادل نحو 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويتوقّع المواطنون من الدولة أن تغطي كلفة الخدمات والدعم، وتوفير وظائف القطاع العام، بينما يقوم الوافدون ذوو الأجور المتدنية من غير المواطنين بالجانب الأكبر من العمل في القطاع الخاص. كما أن عائدات النفط مكّنت الأسرة الملكية الحاكمة من نثر المحسوبيات مباشرة على حلفائها. وقد شكّل اقتصاد المحسوبية ذاك على مدى عقود عدة طبيعة العلاقة بين المواطنين والدولة.

 
جين كيننمونت
جين كيننمونت محلّلة اقتصادية سياسية متخصصة بقضايا الشرق الأوسط، ولازالت تغطي التطورات في المملكة العربية السعودية منذ خمس عشرة سنة.

غير أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان طرح الآن رؤية 2030 - وهي خطة براقة وحافلة بالخدمات الاستشارية، تهدف إلى جعل القطاع الخاص القوة الدافعة للنمو، وتوفير فرص العمل.1 ثمة دافعان وراء هذا التغيير: الأول، هو أن النموذج القديم لم يعد مستداماً من الوجهة الاقتصادية. وحتى مع الانتعاش الذي طرأ مؤخرا على أسعار النفط، فإن الحكومة لاتستطيع أن تتحمّل المزايا والمنافع التي يتمتع بها 20 مليوناً من مواطنيها، كما لايمكنها أن تواصل دورها باعتبارها القوة الوحيدة الحافزة على النمو باستمرار. أما الدافع الثاني فهو أن ولي العهد وجد فرصة سانحة لخفض جانب مما تدفعه الدولة من دون أن يتحمّل سوى كلفة سياسية محدودة، في الوقت الحاضر على الأقل. وقد شعر السعوديون الذين ربما طالبوا بالإصلاح السياسي بالإحباط جراء محصلة الانتفاضات في أماكن أخرى في المنطقة.

بدلاً من ذلك، يبدو أن محمد بن سلمان يقوم بمحاكاة النموذج الإماراتي الذي رافقت اللَّبرلةَ الاقتصادية فيه لبرلةُ اجتماعية لا سياسية. فقد استثمر هذا الأخير بكثافة في استطلاعات الرأي الخاصة، ومجموعات الدراسة، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، وحدّد كتلة حرجة من الشباب الذين يريدون تغيير الأعراف الاجتماعية المتزمتة. ومقابل ذلك، يقدّم هؤلاء الدعم إلى حملته الرامية إلى إضعاف سلطة رجال الدين والمحافظين، وهم جماعة ذات ميول سياسية متعددة وفّرت في آن أنصاراً للأسرة الحاكمة ومرتعاً خصباً للمعارضة.

كما أن ولي العهد الشاب يعد أنصاره الشباب بالوظائف والفرص التي يولدها في المستقبل قطاع خاص جديد ناشط وابتكاري. وقد أعلن عن مشروعات عملاقة، مثل مدينة "نيوم" عالية التقنية. غير أن الحكومة ليست لديها القدرة المالية المطلوبة بالفعل لتمويل تلك المشروعات- وهي حقيقة يجري تجاهلها في أغلب الأحيان. هذه الوعود الطموحة لن تتحقق إلا عبر إقناع المستثمرين الأجانب بتمويلها. إلا أن الاستثمارات الخاصة في المملكة العربية السعودية انكمشت بنسبة 6 في المئة العام 2017. ويجهد المستثمرون المحليون لمواجهة الخلل الذي أصاب النماذج التجارية التقليدية التي اعتادوها بعد أن قامت الحكومة باقتطاع أجزاء من العقود المبرمة معهم وفرض رسوم جديدة على تصاريح العمال. كما أعرب المستثمرون الدوليون عن عدم اقتناعهم بمعادلة المخاطرة/الفائدة بسبب تباطؤ النمو وارتفاع نسبة عدم اليقين. وقد أثارت الخطوة الشعبوية المثيرة في واقعة فندق ريتز – كارلتون في العام الماضي قلق المستثمرين الذين يتطلعون إلى مزيد من إمكانية التنبؤ بالتطورات المقبلة والشفافية، ومزيد من الحوكمة الممأسسة.2 وتمثّل المخاوف حول الشفافية عائقاً أمام المشروع الأولي لطرح أسهم أرامكو السعودية للاكتتاب العام عالمياً. ولازالت التساؤلات مطروحة حول الكيفية التي ستقوم للتوفيق بين الحاجة إلى الحوكمة الاقتصادية الممأسسة من جهة وبين نظامها السياسي السلطوي من جهة أخرى.
هذا المأزق قد يغدو أكثر حدّة في السنوات المقبلة، إذا لم تتحسن فرص العمل – فقد تنقلب ضد محمد بن سلمان جمهرة الشباب نفسها التي تناصره وتهلّل له الآن.

مقال

وماذا بعد؟ إعادة إعمار الشرق الأوسطجهاد اليازجي

قبل التخطيط للمرحلة اللاحقة، علينا أن نفهم نتائج السياسات الاقتصادية التي طبّقت في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل العام 2011.

كانت هذه السياسات - بما فيها تقليص دور الدولة، وتخفيض العجز المالي، وتحرير التجارة الخارجية - ليبرالية الطابع على العموم، وساعدت في توليد معدلات نمو عالية نسبياً. لكنها خلّفت أيضاً نتائج سلبية. وكان من بينها تضاؤل فرص العمل، لا تزايدها - في سورية- وتراجع معدل مشاركة القوى العاملة من 52.5 في المئة العام 2002 إلى 42.7 في المئة في 2010؛ وتعاظم اللامساواة في الدخل؛ واستمرار هجرة الأدمغة. ومنذ العام 2011، بلغت كلفة الدمار الذي أصاب مدناً عربية عدة مئات المليارات من الدولارات، ما ألحق بالمنطقة مزيداً من المآسي.

 
جهاد اليازجي
جهاد اليازجي رئيس تحرير "التقرير السوري" (The Syrian Report)، وهو نشرة إلكترونية تركّز على قضايا الاقتصاد في سورية.

إن من شأن الحوكمة الأفضل وبيئة العمل التجاري المحسّنة – وذلك ما توصي به المؤسسات الدولية في أغلب الأحيان – أن تولد معدلات أعلى من النمو. لكن هل سيؤدي ذلك إلى حل المشكلة إذا لم يؤد إلى خلق مزيد من فرص العمل وإلى تقليص اللامساواة؟ من واجب الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تعيد النظر في نموذج التنمية الاقتصادية بمواجهة وجهات النظر المعهودة والمصالح الاقتصادية والتجارية المتجذرة الراسخة. من هنا، ينبغي متابعة ثلاث سياسات عريضة:

سيكون للاستثمار في الحوكمة من خلال مؤسسات الدولة دور مهم لإنجاح عمليات الإعمار في البلدان العربية. ولذا يتوجب المحافظة على دور الدولة لا الإقلال منه. لقد لحق الدمار بنسيج المجتمعات العربية إلى حد كبير، وتعرّض السكان إلى المعاملة الوحشية والإفقار. وعلى الدولة، بوصفها الضامنة للمصالح العامة، أن تؤدي دوراً طليعياً في الاقتصاد، وبصورة خاصة من خلال الاستثمار في مشروعات البنية التحتية التي تتطلّب الرَّسْملة المكثفة، والتعليم، والصحة، بالإنفاق على شبكات الضمان الاجتماعي. علاوةً على ذلك، فإن الدول المركزية تتمتع وحدها بالقدرة، وبالوسائل والشرعية اللازمة لإدارة الجهود المالية والبشرية الضخمة التي ستكون مطلوبة لإعمار هذه البلدان.

ينبغي متابعة سياسات التصنيع، ولاسيما تلك التي تركز على القطاعات كثيفة العمالة، من خلال الجمع بين سياسات الصناعات الوليدة، والنظم الضريبية الميسّرة (فالضرائب المفروضة على الواردات المالية في كثير من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أقل بكثير من تلك المفروضة على أرباح الشركات والأجور)، مع دعم الاستثمار، على سبيل المثال، من خلال منح القروض المسيرة المدعومة أو البحث والتطوير. كما أن القطاع الصناعي يقدم قيمة مضافة مهمة، وهو مستخدِمٌ رئيس للأفراد المؤهلين. ومن شأن ذلك الإقلال من هجرة الأدمغة. وتميل الاستثمارات في هذا القطاع كذلك إلى أن تكون أكثر استقرارا وذات نظرة أبعد.

في مجال توزيع الدخل، لا بد من إعادة التوازن بين رأس المال والأجور. ويجب ألا تتسبب المنافسة في مزيد من التخفيض في كلفة العاملين أو في درجة المرونة في إدارة القوى العاملة. ذلك أن الرواتب الأعلى وارتفاع مستوى الاستقرار والحماية للقوى العاملة يشكلان حافزاً إضافياً للإنفاق في الاقتصاد والادّخار في آن، وهذا يشجّع على الاستثمار. في كثير من بلدان المنطقة، يدفع العاملون بأجر ضريبة على الدخل بمعدلات أعلى مما هي الحال في المؤسسات التجارية. والنظام الضريبي الأكثر إنصافاً والأفضل جباية هو الوحيد القادر على ضمان المزيد من الإيرادات، وكذلك المزيد من الشرعية للحكومات. ولإنجاح التنمية الاقتصادية في المنطقة العربية، ينبغي إعادة الشباب والشابات فيها إلى سوق العمل وفق شروط ترفع دخولهم وتحفظ كرامتهم.

مقال

كيفية عدم المشاركة في الثروة: عقد اجتماعي معطَّل ستيفن هيرتوغ

تتغلغل الدولة، بعمق، في تضاعيف الاقتصادات العربية. وبالمقارنة مع الاقتصادات الأخرى في "الجنوب العالمي"، فإن أغلب البلدان العربية توزّع الثروة والرعاية الاجتماعية اعتماداً على أسس عريضة على نحو ما، ومن خلال قنوات مناسبة في الحالتين، مثل التعليم والعناية الصحية، وبأساليب مشوّهة، أي المبالغة في التوظيف في القطاع العام، وزيادة دعم الطاقة. ومع استمرار العجوزات المالية في كثير من أرجاء المنطقة، فُرضت ضغوط قاسية على كلا هذين النوعين من التوزيع. ففي الوقت الذي تتوجب فيه حماية توفير السلع العامة وتحسينها، فإنه ينبغي تفكيك تزويد المنافع الداخلية من خلال شبكات المحسوبية والدعم، حتى وإن بأسلوب يقلّل من الاضطراب الاجتماعي.

لقد تكفلت أغلب البلدان العربية بالقيام بإصلاحات جزئية لنظم دعم الطاقة التي تقدّم، في العادة، مزايا غير متناظرة للأسر الغنية. غير أن هذه الإصلاحات غالباً ما تحدث في اللحظة الأخيرة وفي ظل قيود قاسية في الميزانية، بحيث لاتترك ما يكفي من الأموال لاستبدال نظم الدعم بشبكات حديثة للضمان الاجتماعي من أجل حماية الأسر الأكثر فقرا. (كانت الأسر الملكية الحاكمة في المنطقة، ذات الإرث التاريخي القصير نسبياً في مجال تدخّل الدولة، على نحو ما، أفضل حالا في تقديم مثل هذه التعويضات).

 
ستيفن هيرتوغ
ستيفن هيرتوغ أستاذ مشارك في العلوم السياسية المقارنة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. تتركز أبحاثه على الاقتصاد السياسي المقارن في العالم العربي.

لازال التوظيف في القطاع العام يمثّل تحدياً أكبر، إذ تبيّن إحصائيات منظمة العمل الدولية والمصادر الوطنية أن ما يتراوح بين 20 و40 في المئة من المستخدمين في العادة في القطاع العام في البلدان العربية يزيدون بشكل كبير عن الاحتياجات الفعلية للحكومات.3 وحيث أن التوظيف في القطاع العام هو بمثابة أداة لتوزيع الدخل على أقلية تتمتع بالامتيازات نسبياً، فإن الإفراط فيه يستمر عادة طيلة الحياة، ويتسبّب في خلق فجوات في سوق العمل بين من هم "في الداخل" ومن هم "في الخارج"، الأمر الذي يشكل إجحافا بحق جيل الشباب. كما أن من المهم بالقدر نفسه أن كلفة الأجور في القطاع العام تتفوق على أشكال أخرى من الإنفاق الاجتماعي الأكثر شمولا.

لم يتوصّل أي نظام حكم عربي حتى الآن إلى صيغة مناسبة يبتعد بها عن الضمانات غير القابلة للاستدامة في القطاع العام، ويقترب من تطبيق نظام أوسع نطاقاً للضمان الاجتماعي. ذلك أن تزايد الضغوط المالية يعني تعاظم المخاطر التي ينطوي عليها ارتفاع معدل التعديلات القسرية: وستواجه الدول المصير الذي واجهته مصر، حيث أدّى اختلال التوازن بين الحسابات الجارية والحسابات المالية إلى انهيار معدلات الصرف، ما أفضى بدوره إلى خسائر كبرى في الدخل الحقيقي بالنسبة إلى أكثرية الأسر. صحيح أن تخفيض قيمة العملة سيجعل السياحة وقطاع الصناعات التحويلية (الصغير في العادة) والمتجه للتصدير أكثر تنافسية، وقد يسفر عن تحسّن الحسابات المالية، إلا أن ذلك سيكون على حساب إفقار من هم "في الداخل" و"في الخارج" على حدٍّ سواء.

إن التعديل القسري قد يفسح المجال لبعض التطورات على المدى الطويل، غير أن ذلك قد يكون على حساب العقد الاجتماعي القديم الذي كان يعيل، بشكل أساسي، أعدادا ضخمة من المواطنين، وإن بدرجات متفاوتة. وعلى الحكومات العربية أن تعيد النظر بصورة تفاعلية في الكيفية التي تنفق بها الأموال على مختلف أنواع الدعم، وعلى الأجهزة الإدارية البيروقراطية المترهلة، وتحويلها إلى آليات للرعاية الاجتماعية الشاملة التي يفيد منها الفقراء، ويتضمن هذا الخيار الدفعات النقدية المباشرة، والحد الأدنى من ضمانات التقاعد، وتعويضات البطالة، والمنح الخاصة بتعزيز التدريب.
وتدعو الحاجة إلى الابتعاد عن التوظيف في القطاع العام كأداة لتوفير الرعاية الاجتماعية في البلدان التي شهدت التعديلات القسرية، وعانت فيها الإدارات البيروقراطية تخفيضاً لدخولها الحقيقية، حتى مع المغالاة في التوظيف في القطاع العام. فالتوظيف في هذا القطاع لا يكلّف الكثير من الناحية المالية ويشوّه سوق العمل وحسب، بل إنه يقلل كذلك من نوعية الإدارة العامة في الوقت الذي يتعاظم فيه السخط بوتائر غير مسبوقة على خدمات الدولة الفاشلة. ولقد لحق الخلل والعطب بنظام توزيع الثروة القديم، غير أن مخلفاته لازالت تحول دون ظهور عقد اجتماعي جديد.

مقال

النزعة الإقليمية، ونهاية الريعية، والنمو في الشرق الأوسطإسحاق ديوان

في غضون الخمسين سنة الماضية، اندمجت المنطقة العربية في الاقتصاد العالمي عبر قناتين رئيستين: هجرة العمال ومبيعات النفط. لكن يكاد أن يكون من المؤكد أن الهجرة لن تزدهر ثانية كما فعلت في السابق، كما من المتوقع انخفاض ريع النفط بصورة حادة عندما يتزايد الاهتمام بظاهرة تغيّر المناخ.

وخلال هذه السنين الخمسين نفسها، لم تحقق محاولات البلدان العربية للاندماج في النظام العالمي للسلع والخدمات إلا نتائج متواضعة، فالصادرات لم تكن مصدراً من مصادر النمو الديناميكية، كما أن الظروف المحلية لم تكن مؤاتية لتشجيع المنافسة لأن ظهور رأسمالية المحاسيب (التي تقوم على التواطؤ بين المصالح التجارية وبين المسؤولين الحكوميين) قد أضعف روح التنافسية الديناميكية لدى القطاع الخاص. ومع أن ازدياد المنافسة من جانب آسيا وأوروبا الشرقية تعني أن التحديات التي تنطوي عليها الاستراتيجية التي تستهدف التصدير ستكون الآن أكثر حدة، إلا أنه لايبدو أن ثمة بديلاً لأساليب أخرى للتكيّف مع نظام تقسيم العمل العالمي المتطور.

 
إسحاق ديوان
إسحاق ديوان أستاذ زائر في جامعة كولومبيا، وأستاذ كرسي التمييز في العالم العربي في كلية العلوم والآداب في جامعة باريس.

ثمة سيناريو متفائل تتحوّل المنطقة بموجبه إلى "مصنع عربي" يستفيد من موقعه القريب لمجلس التعاون الخليجي العالي الدخل والأسواق الأوروبية، ومن العلاقة التكاملية بين رأس المال الخليجي والقوى العاملة الشابة المتعلّمة بصورة مطردة في البلدان ذات الدخل المعتدل، ومن اللغة والثقافة المشتركة بين الطرفين. وبالإضافة إلى جعل البيئة التجارية في تلك البلدان أكثر جاذبية، فإنه لا بد من تذليل ثلاثة قيود أساسية لتحقيق هذه الرؤية: (1) ينبغي توحيد أسواق السلع والخدمات العربية؛ (2) لا بد من إلغاء دعم الإنتاج المحلي في دول مجلس التعاون الخليجي، (3) ويجب تحسين بنود الاتفاقيات التجارية اليورو-متوسطية.

يتمثّل أهم أهداف الاندماج التجاري الإقليمي في تعزيز قدرة المنطقة على اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر، وإقناع الشركات الأجنبية بتحويل إنتاجها إلى المنطقة بقصد التقليل من كلفة خدمة الأسواق الإقليمية. وقد أدّى مستوى الاندماج المتدني للبلدان العربية إلى الإقلال من جاذبية المنطقة لدى الشركات الأجنبية. وفي سوق إقليمية مجزأة، فإن تطوير التجارة الحرة مع أوروبا أو الولايات المتحدة سيشجّع الشركات بالفعل على العمل في موقع في الخارج تستطيع منه أن تخدم المنطقة على نحو أفضل. وقد تعزّزت الجهود الرامية إلى تأسيس سوق موحدة تغطي المنطقة بأسرها عندما أبرمت اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى، لكنها لازالت محدودة النطاق على الرغم من أن ثماني عشرة دولة صادقت عليها. وستكون الجهود المستمرة الرامية إلى تأسيس اتحاد جمركي عربي هي المنطلق الحقيقي لتعزيز الديناميكية الاقتصادية في المنطقة.

لقد فرضت سياسات مجلس التعاون الخليجي هيمنتها على الاقتصاد الإقليمي. غير أن منافسة المنتجين غير المنصفة في مجلس التعاون الخليجي تفرض قيوداً مهمة على الاندماج الإقليمي. فقد انتفع الإنتاج في بلدان مجلس التعاون الخليجي جراء الدعم الضخم وسوق العمل الحرة. وأفضى ذلك إلى ارتفاع سريع في معدل الإنتاج في القطاع الخاص في بلدان المجلس. إلا أن هذا الأداء غير مستدام. ذلك أن القطاع العام لن يستطيع توظيف القوى العاملة الوطنية كليا إلا إذا أُنقصت بصورة جدية أعداد الأجانب الساعين إلى الوظيفة. وإذا ما تم ذلك، فإن المزايا التي يتمتع بها الإنتاج في مجلس التعاون الخليجي ستقل، وستحول تلك البلدان من منتجين قليلي الكلفة إلى منتجين من ذوي الكلفة العالية وتخلق الحوافز لاستثمار رأس المال الخليجي في بقاع أخرى تتوافر فيها الأيدي العاملة بصورة أفضل.

لقد استهدفت الشراكة اليورو– متوسطية التي بدأت العام 1995، ربط المنطقة العربية بالأسواق الأوروبية. غير أنها فشلت في تحقيق هذا الهدف، وينبغي تطويرها بصورة جوهرية. إن توسيع الاتحاد الأوروبي، الذي أدخل بلدان أوروبا الشرقية المنافسة لصادرات الدول العربية إلى الأسواق الأوروبية، قد حلّ محل الاتفاقيات اليورو- متوسطية، وينبغي أن تكون الاتفاقيات اليورو – متوسطية في المستقبل أكثر توازنا ومماثلة لتلك التي أبرمت مع أقطار أوروبا الشرقية، كما أن عليها أن تدعم الجهود العربية للارتقاء بمعايير النوعية ولتطبيق برامج تدريبية فعّالة لتطوير المهارات. وينبغي أن يكون الهدف الرئيس تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر أكثر من السعي إلى وظائف زهيدة الأجر، والاتجاه إلى أنشطة متقدمة لخدمة الأسواق العربية الأعرض.

مقال

اتجاهات في التحوّل الرقمي في الشرق الأوسطفادي غندور

تعمل القطاعات الاقتصادية الناشئة الآن على تحويل الطريقة التي نفكر بها بالتنمية الاقتصادية، لا في المنطقة العربية وحسب، بل في أرجاء العالم بأسره. ومن الواضح أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد ثورة تكنولوجية تعيد بدورها تشكيل قطاعات الاقتصاد التقليدية. ولم تعد التكنولوجيا قطاعاً متميزاً بذاته ولحد ذاته، بل غدت عاملاً للتغيير في الساحة الاقتصادية بأكملها، ويؤثر في العديد من القطاعات بسرعة متزايدة. وهناك ناحيتان تستحقان المناقشة بصفة خاصة: الخدمات المالية والترفيه.

إن التكنولوجيا المالية (FinTech) تتيح للمنطقة أن تتجاوز التطور البطيء المعتاد في القطاع المالي. وعلى سبيل المثال، فإن برامج الإقراض البديلة تنطوي على الوعد بأنها لن تكون مجرد مصدر جديد للتوظيف والنشاط الاقتصادي، بل ستقدم الحل للثغرات الهيكلية العميقة الراسخة في نظامنا المالي، والتي أعاقت تنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم النشطة في اقتصاداتنا. ومن أهم الموانع التي تعترض تنمية هذه الشركات في المنطقة عجزها عن الوصول بشكل فعّال إلى أسواق القروض الرأسمالية. وتتجلى في المنطقة فجوة في الإقراض لا بأس بها تقدّر بما يتراوح بين 200 و240 مليار دولار، بينما تعجز الشركات المعتمدة عن الوصول إلى القروض الرأسمالية، الأمر الذي يعوق نموها ويحد من قدرتها على المساهمة في النمو الاقتصادي الكلي. وتقوم شركات مثل "لوا" (Liwwa) في الأردن و"بيهايف" (Beehive) في الإمارات العربية المتحدة، بإقامة برامج بديلة للإقراض تساعد في تجسير هذه الفجوة.

 
فادي غندور
فادي غندور رئيس مجلس الإدارة التنفيذي والرئيس التنفيذي لصندوق "ومضة كابيتال"، وهو مشروع تنموي يغطي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو المؤسس لشركة "أرامكس" للنقل السريع، والمؤسس ورئيس مجلس الإدارة للمؤسسة التنموية "الرواد للتنمية".

هناك قطاع آخر يلفت النظر بصورة خاصة، هو الترفيه وتصميم المضمون. إن التكنولوجيا تشيع الديمقراطية بفعالية في تصميم المضمون الأصلي وفي التوزيع والتمويل على حد سواء. وقد أصبح الحصول على الأدوات المطلوبة لإنتاج مضمون عالي النوعية، ولاسيما الفيديو، أكثر يسراً بالنسبة إلى أصحاب المواهب الشابة الراغبين في عرض ما لديهم من مواضيع. كما أن التكنولوجيا الجديدة تسمح بتوزيع المحتوى فورا على جمهور واسع، وبتمويله من خلال برامج يشرف عليها طرف ثالث، مثل يوتيوب، وفايسبوك وتويتر. ويفتخر اثنان من بلدان المنطقة، وهما قطر والإمارات العربية المتحدة، بأن فيهما أعلى مستويين لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي4، حيث يتوق المستخدمون للحصول على محتوى أصلي لم تتداوله وسائل التواصل الاجتماعي التقليدية من قبل. وهناك شركات مثل "تلفاز11" و"خرابيش" تدعم الإنتاج المشترك وخدمات إدارة المضمون، وهي تتنامى بسرعة مع تركيز خاص على الأسواق في السعودية. وقد أعطت الحكومة السعودية الأولوية في الآونة الأخيرة لتطوير القطاع الترفيهي فيها، كما أن المبادرين المبدعين، بالاشتراك مع شركات من نوع تلفاز11 وخرابيش ستبدأ مرحلة جديدة من عملية ابتكار المحتوى تتناسب ومتطلّبات السوق المحلي بطريقة لا تستطيع الواردات الأجنبية مضاهاتها.

ولدعم هذه القطاعات الناشئة، يمكننا العمل في عدد من الميادين للمساعدة في استغلال هذه التغيرات في سياق نموذج متكامل للتنمية الاقتصادية.

يتمثّل المجال الأول في تعزيز قدرة الشركات على العمل في جميع أرجاء المنطقة. فشركات التكنولوجيا، بحكم طبيعتها، تنفرد بقدرتها على الانتشار والتوسع بأساليب قد تجدها الشركات التجارية التقليدية أكثر صعوبة وإرهاقا. وشركات التكنولوجيا الناشئة هذه، بقدرتها على إزالة تلك الحواجز، تجمّع الأسواق التابعة لها في كتلة اقتصادية عريضة وموحدة، وبتشجيع التكنولوجيا والشركات التي تعززها التكنولوجيا على التركيز على طبيعتها الإقليمية لا المحلية، سنتمكن من تبني مَنْسقٍ جديد للتنمية الاقتصادية يتوخى، بدلاً من التركيز على كل دولة على حدة، تكريس الطاقة لتخفيض الموارد بصورة فعّالة في المنطقة وجميع بلدانها. وإذا استطعنا زيادة قدرة الشركات على العمل في ما بين الأقاليم والمناطق، فإن الخطوات الأولية في هذه الصناعة قد تصل إلى أسواق مغرية تجاريا في بلدان الخليج المتقدمة في هذه الناحية، وتدعم ذلك بالمواهب القليلة الكلفة نسبيا المتوفرة في بلدان المشرق العربي ومصر، ما سيفسح المجال أمام استخدام الموارد بصورة أكثر فعالية، ستنتفع بها المنطقة بأسرها.

من ناحية ثانية، فإن المدخل إلى تمكين قطاع "الفينتيك" هو أن يشهد أصحاب المصلحة المعنيون، بمن فيهم الحكومات والهيئات المنظمة، والمؤسسات المالية، ظهور لاعبين جدد باعتباره تطوراً إيجابياً لا بوصفه تهديداً لهم. وينبغي على الحكومات والمنظمين أن يتعاونوا مع شركات الفينتيك والمنظمين للتخفيف من القيود التنظيمية ولإتاحة الفرصة لها للمضي إلى الأمام. ويمكن لبرامج الإقراض البديلة، بصورة خاصة، أن تساعد في تحفيز التنمية الاقتصادية عن طريق تحويل رأس المال إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم المؤتمنة التي تتطلع إلى التوسع في أعمالها، غير أنها لازالت حتى الآن خارج النظام المالي.

من جهة ثالثة، فإن من واجبنا تشجيع مصممي المحتوى الترفيهي الشباب على تنمية أعمالهم بدلا من إلزامهم بالتقييد بتعليمات غير ضرورية على هيئة تراخيص الإنتاج والتصاريح.

والمجال الرابع يتمثّل في اعتبار الشراكة الفعلية مع شرائح الاقتصاد المبتكرة مدخلاً أساسياً لبناء نموذج اقتصادي جديد للنمو. وعلينا أن نشجّع المؤسسات التجارية على التفاعل والتعامل مع الشركات في قطاعاتها المختصة، وتسعى إلى دمجها في أنشطتها التجارية، إما من خلال الاستحواذ أو المشاركة – ليس من خلال إيثار مصلحة الآخرين على غيرهم، بل للمساعدة في دفع عجلة النمو الاقتصادي إلى الأمام وتحصينها ضد الاضطراب. ويمكن تمهيد السبيل لتحقيق إنتاجية ونمو اقتصادي أعلى بخلق توليفة تجمع بين المبادرين الشباب من جهة، والموارد والمواقع التي تصل إليها الشركات الأوسع.

ومن الضرورات الحاسمة، آخر الأمر، أن نقوم بتقديم المزيد من رأس المال بأشكال وهيكليات مواتية تفضي إلى تنمية هذه القطاعات، سواء كان ذلك بتقديم رأس مال غامس للشركات بالتساوي، أو قروض رأسمالية للشركات الصغيرة والمتوسطة، أو تمويل منح لتنمية المواهب الإبداعية. مع أن المنطقة غنية برؤوس الأموال، لا يُخصّص منها إلا أقل القليل للتنمية الاقتصادية الهادفة أو لدعم الصناعات الريادية أو الابتكارية الوليدة.

هوامش

1 مورست في الماضي سياسات مماثلة، لكنها لم تحقق أهدافها. ويعزى هذا الإخفاق المتكرر في تطبيق التنويع إلى غياب الإرادة السياسية الثابتة لتذليل المقاومة في مجتمع اعتاد على ما تقدمه الدولة من معونات اقتصادية وافرة، ومن خلال إدارة بيروقراطية عاجزة ومنعزلة، لا تحفزها الرغبة في أن تمضي قدماً مع هذا التغير. وقد سعى ولي العهد في "رؤية 2030" إلى بناء الثقة بأن وضع ثقله السياسي وراءها، وبإعادة هيكلة الحوكمة في مجال رسم السياسات الاقتصادية، في ظل لجنة عليا لوضع السياسات الاقتصادية مسؤولة أمامه مباشرة وعبر "مكاتب تحقيق الرؤية" المنتشرة في جميع الوزارات لتحديد "مؤشرات أداء أساسية".

2 Vivian Nereim et al, “Crackdown on Billionaires and Other Top Officials Shakes Up Saudi Arabia,” Bloomberg, November 5, 2017, https://www.bloomberg.com/news/articles/2017-11-05/crackdown-on-billionaires-top-officials-shakes-saudi-arabia.

3 “Employment by sex and institutional sector (Thousands),” International Labor Organization, 2017, https://www.ilo.org/ilostat/faces/oracle/webcenter/portalapp/pagehierarchy/Page27.jspx?subject=EMP&indicator=EMP_TEMP_SEX_INS_NB&datasetCode=A&collectionCode=YI&_afrLoop=1659070066185027&_afrWindowMode=0&_afrWindowId=ll9b3ziux_174#!%40%40%3Findicator%3DEMP_TEMP_SEX_INS_NB%26_afrWindowId%3Dll9b3ziux_174%26subject%3DEMP%26_afrLoop%3D1659070066185027%26datasetCode%3DA%26collectionCode%3DYI%26_afrWindowMode%3D0%26_adf.ctrl-state%3Dll9b3ziux_230.

4 Simon Kemp, “Digital in 2017: Global Overview,” We Are Social, January 24, 2017, https://wearesocial.com/special-reports/digital-in-2017-global-overview.

هوامش

1 Paul Samuelson and William Nordhaus, Economics, 19th ed. (New York: McGraw-HillEducation, 2010).

2 Tarik M. Yousef, “Development, Growth and Policy Reform in the Middle East and North Africa Since 1950,” Journal of Economic Perspectives 18, no. 3 (August 2004): http://faculty.nps.edu/relooney/00_new_21.pdf.

3 ورد المفهوم الكلاسيكي للدولة العربية الريعية في: Hezam El Beblawi, “The Rentier State in theArab World,” in The Arab State, ed. Giacomo Luciani (London: Routledge, 1990).

4 “Economic Diversification in Oil-Exporting Arab Countries,” International Monetary Fund,April 2016, https://www.imf.org/external/np/pp/eng/2016/042916.pdf.

5 لبحث أشمل حول التطور الاقتصادي في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، انظر:
Roger Owen and Sevket Pamuk, A History of Middle East Economies in the Twentieth Century(Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999); and Ishac Diwan, Melani Cammett, AlanRichards, andJohn Waterbury, A Political Economy of the Middle East (New York: WestviewPress, 2015).

6 Adeel Malik, “A Requiem for the Arab Development Model,” Journal of International Affairs68, no. 1 (Fall 2014): 95–115.

7 Diwan, Cammett, Richards, and Waterbury, A Political Economy of the Middle East, 282–3.

8 Michael Herb, The Wages of Oil: Parliaments and Economic Development in Kuwait and the UAE (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2014), 21. يقدّر هيرب إن 88 في المئة و92 في المئة من المواطنين القطريين (2010) والإماراتيين (2008) الناشطين اقتصادياً يعملون في وظائف القطاع العام، بما في ذلك الشركات المملوكة للدولة. على الرغم من أن 20 في المئة من الكويتيين يعملون في وظائف القطاع الخاص، يُعتقد أن الكثير من هذه الأموال تُدفع من قبل الدولة.

9 Marwa Fatafta, “Rampant Corruption in Arab States,” Transparency International, February21, 2018, https://www.transparency.org/news/feature/rampant_corruption_in_arab_states.

10 بيري كاماك ومروان المعشّر، "أصوات عربية حول التحدّيات التي تواجه الشرق الأوسط الجديد"، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، شباط/فبراير 2016، https://carnegie-mec.org/2016/02/12/ar-pub-62835

11 "الوظائف أو الامتيازات: إطلاق الإمكانات لخلق فرص العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، البنك الدولي، 2015،
https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/20591

12 شهد العقد الأول من الألفية الثانية أسرع نمو على صعيد الاقتصاد الكلّي في المنطقة منذ ثمانينيات القرن العشرين.
“Real GDP Growth,” IMF DataMapper, International Monetary Fund, https://www.imf.org/external/datamapper/NGDP_RPCH@WEO/MENA.

13 حسابات المؤلّفين المستندة إلى مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي. ويشمل ذلك المواطنين الأجانب الذين يشكّلون حوالى نصف سكان دول مجلس التعاون الخليجي.

14 Rubina Vohra, “The Impact of Oil Prices on GCC Economies,” in International Journal ofBusiness and Social Science 8, no. 2 (February 2017), https://ijbssnet.com/journals/Vol_8_No_2_February_2017/2.pdf.

15 بالنسبة إلى معظم العقد الماضي، استمدّ كلٌّ من الجزائر ما بين 20 و35 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي من الريع النفطي، والعراق بين 40 و60 في المئة، وليبيا بين 35 و60 في المئة، على الرغم أن هذه النسب قد انخفضت بسبب انهيار أسعار النفط. حسابات المؤلّفين المستندة إلى بيانات البنك الدولي، انظر: https://data.albankaldawli.org/indicator/NY.GDP.PETR.RT.ZS

16 Michael Ratner, “Natural Gas Discoveries in the Eastern Mediterranean,” CongressionalResearch Service, August 15, 2016, https://fas.org/sgp/crs/mideast/R44591.pdf.

17 يحاول مفهوم التنمية البشرية قياس الرفاه خارج التدابير الاقتصادية التقليدية مثل الناتج المحلي الإجمالي، من خلال أخذ عوامل مثل العمالة والصحة والتعليم في الاعتبار. انظر: “About Human Development,” United Nations Development Program, http://hdr.undp.org/en/humandev.

18 "تقرير التنمية البشرية 2010: الثروة الحقيقية للأمم"، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2010، ص. 27، http://hdr.undp.org/sites/default/files/hdr2010-arabic.pdf

19 على سبيل المثال، جادل إريك هوبسباون بأن النظام الحديث للدولة الأوروبية وُلد من رحم ثورتين في القرن الثامن عشر، حيث قدمت الثورة الصناعية الإنكليزية نموذجاً اقتصادياً، وكانت الثورة الفرنسية بمثابة تجسيد للمثل السياسية القائمة على المساواة. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بدأت الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتقديم رؤية سياسية واقتصادية مشتركة من خلال دعمها لسلسلة من التحولات الديمقراطية المؤيدة للغرب في أوروبا الشرقية والسياسات الاقتصادية الصادرة عما سُمّي "إجماع واشنطن". وقد تعرّض هذا النموذج لضغوط هائلة وسط ازدياد الشعبوية في العالم.

20 John Page, et al., “The East Asian Miracle: Economic Growth and Public Policy,” World Bank,1993, http://documents.worldbank.org/curated/en/975081468244550798/pdf/multi-page.pdf.

21 للمزيد من المعلومات حول رؤية السعودية 2030، انظر: https://vision2030.gov.sa/ar/node وحول رؤية الإمارات 2021، انظر: https://www.vision2021.ae/الصفحة-الرئيسة

22 شكّلت إيرادات الموارد النفطية 39 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 1980، لكنها بلغت 14 في المئة فقط في العام 2012، وكلاهما بسبب ارتفاع الأسعار النسبي. "إيرادات الموارد النفطية (% من إجمالي الناتج المحلي)"، مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي،
https://data.albankaldawli.org/indicator/NY.GDP.PETR.RT.ZS

23 حلّت دولة الإمارات العربية المتحدة في المرتبة 21 في تصنيفَي "ممارسة الأعمال 2018" و "مؤشر مدركات الفساد 2017". أما الدول التي حلّت في المرتبة الثانية عربياً فكانت البحرين في المرتبة 66 وقطر في المرتبة 29 في هذين الاستطلاعين. انظر: “Doing Business 2018,” World Bank, 2018,http://www.doingbusiness.org/~/media/WBG/DoingBusiness/Documents/Annual-Reports/English/DB2018-Full-Report.pdf; and “Corruption Perceptions Index 2017,” Transparency International, February 21, 2018, https://www.transparency.org/news/feature/corruption_perceptions_index_2017.

24 Shanta Devarajan and Lili Mottaghi, “Towards a New Social Contract,” World Bank, April2015, p. 2012, http://documents.worldbank.org/curated/en/202171468299130698/pdf/956500PUB0REVI020150391416B00OUO090.pdf.

25 Nicolas Parasie, “Investors Worry Dubai Isn’t a Western-Style Financial Center,” Wall StreetJournal,August 2, 2018.

26 راشد الغنوشي، "ثقافة التعاون والمصالحة في تونس"، في "انكسارات عربية"، بيري كاماك وآخرون، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، شباط/فبراير 2017، https://carnegie-mec.org/2017/01/18/ar-pub-67650

27 كاماك والمعشّر، "أصوات عربية حول التحدّيات التي تواجه الشرق الأوسط الجديد".

28 “World Development Report 1991: The Challenge of Development,” World Bank, 1991, https://openknowledge.worldbank.org/bitstream/handle/10986/5974/WDR%201991%20-%20English.pdf?sequence=1&isAllowed=y.

29 من الأمثلة على ذلك تعاقب "تقارير التنمية البشرية العربية" التي بدأت في العام 2004، إضافةً إلى تقارير أخرى صادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بما في ذلك "الوظائف أو الامتيازات" (البنك الدولي، 2015)، و"فتح إمكانات خلق فرص العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" (البنك الدولي، 2004)، و"التجارة والاستثمار والتنمية في أفريقيا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" (البنك الدولي، 2004)، و"Breaking the Oil Spell" (صندوق النقد الدولي، 2016)، و"Economic Diversification in Oil-Exporting Arab Countries "(صندوق النقد الدولي، 2016) ، و"Regional Economic Outlook"(صندوق النقد الدولي، يصدر مرتين في السنة).

30 “Doing Business 2018: Reforming to Create Jobs,” World Bank, 2018, http://www.doingbusiness.org/~/media/WBG/DoingBusiness/Documents/Annual-Reports/English/DB2018-Full-Report.pdf.

31 في الكويت وعُمان والمملكة العربية السعودية، كانت عائدات النفط كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي مساوية أو أعلى في العام 2012 مقارنةً مع العام 1974. ويعكس الانخفاض في البحرين وقطر الإمدادات المتناقصة والتحول إلى الغاز الطبيعي. حسابات المؤلّفين المستندة إلى: "إيرادات الموارد النفطية (% من إجمالي الناتج المحلي)"، مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي، https://data.albankaldawli.org/indicator/NY.GDP.PETR.RT.ZS

32 “Egypt: The Arithmetic of Revolution,” Gallup, undated, http://news.gallup.com/poll/157043/egypt-arithmetic-revolution.aspx?version=print.

33 مروان المعشّر، "عقد من جهود الإصلاح المتعثّرة في الأردن "، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أيار/مايو 2011، https://carnegieendowment.org/files/MARWAN_Paper_Ar.031pdf-_19-5-2011.pdf

34 “The Future of World Religions: Population Growth Projections, 2010-2050: Middle East-North Africa,”Pew Research Center, April 2, 2015, http://www.pewforum.org/2015/04/02/middle-east-north-africa/.

35 Masood Ahmed, Dominique Guillaume, and Davide Furceri, “Youth Unemployment in theMENA Region:Determinants and Challenges,” International Monetary Fund, June 13, 2012, https://www.imf.org/en/News/Articles/2015/09/28/04/54/vc061312.

36 Brahim Boudarbat and Daniel Egel, “The Effectiveness of Vocational Training in Morocco:Quasi-Experimental Evidence,” Regional and Sectoral Economic Studies Journal 14, no. 2 (2014), http://www.usc.es/economet/journals2/eers/eers1428.pdf.

37 المصدر السابق.

38 “Education: Completion: Percentage of Tertiary Graduates: Percentage of Female Graduates by Level of Tertiary Education,” United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization (UNESCO) Institute for Statistics, http://data.uis.unesco.org/index.aspx?queryid=165.
المغرب (2016) والأردن (2012) هما الدولتان الوحيدتان اللتان تضم جامعاتها أغلبية من الذكور. ويُشار إلى أن البيانات غير متوفرة في مايتعلق بالعراق أو اليمن. واعتباراً من العام 2016، شكّلت الإناث أكثر من 60 في المئة من طلاب الجامعات في الجزائر والبحرين وفلسطين وقطر وتونس.

39 نادر فرجاني وآخرون، "تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002: خلق الفرص للأجيال القادمة"، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2002، http://www.un.org/ar/esa/ahdr/pdf/ahdr02/AHDR_2002_Complete.pdf

40 "معدل المشاركة في القوى العاملة، إناث (% من عدد السكان من الإناث فوق سن 15 عاماً)"، مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي، https://data.albankaldawli.org/indicator/SL.TLF.CACT.FE.ZS

41 استندت هذه الخلاصات جزئياً إلى نادر فرجاني وإصلاح جاد وآخرين، "تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2005: نحو نهوض المرأة في الوطن العربي"، برنامج الأمم المتهدة الإنمائي، 2006، 18-20،
http://www.un.org/ar/esa/ahdr/pdf/ahdr05/AHDR_2005_Complete.pdf

42 “Field Listing: Median Age,” from “The World Factbook 2017,” Central Intelligence Agency, https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/fields/2177.html.

43 “Arab Barometer Wave IV,” Arab Barometer, conducted 2016–2017, http://www.arabbarometer.org/waves/arab-barometer-wave-iv/.

44 Nandini Krishnan, Gabriel Lara Ibarra, Ambar Narayan, Sailesh Tiwari, and Tara Vishwanath,Uneven Odds, Unequal Outcomes: Inequality of Opportunity in the Middle East and NorthAfrica (Washington, DC:World Bank, 2016), https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/24596.

45 “Accelerating Entrepreneurship in the Arab World,” World Economic Forumwith Booz and Company, 2011, http://www3.weforum.org/docs/WEF_YGL_AcceleratingEntrepreneurshipArabWorld_Report_2011.pdf.

46 انظر على سبيل المثال: Douglass C. North, Structure and Change in Economic History (New York: W.W. Norton & Co., 1981) and Daron Acemoğlu and James Robinson, Why Nations Fail (NewYork: Crown Business, 2012).