ملخّص

بيري كاماك

لمحة عامة

يواجه الشرق الأوسط العربي تحديات اجتماعية واقتصادية، وسياسية، ومؤسسية غير مسبوقة. ففي غمرة الصراع المتعاظم والركود الاقتصادي، تآكلت الثقة بين الحكومات ومواطنيها، وتنامت في أغلب البلدان العربية الصفقات السلطوية في العقود الأخيرة، حيث تمت المقايضة بين ما يعطيه القادة من خدمات اجتماعية ووظائف حكومية من جهة، وبين استكانة المواطنين من جهة أخرى. بيد أن الأنظمة الاقتصادية الريعية التي قامت على أساسها هذه الصفقات فشلت في مواكبة المطالبات المتصاعدة من جانب أعداد السكان المتزايدة.

النظام القديم آخذ بالانهيار بينما لاتبدو بوضوح معالم النظام الآتي. وتتحوّل الحكومات العربية، مع استثناءات قليلة، إلى الإجراءات القمعية للحفاظ على سيطرتها وللتأثير كذلك على التطورات في بلدان أخرى. في بعض الأماكن، مثل العراق، وليبيا، وسورية، واليمن، كانت النتائج كارثية حتى الآن، وفي بلدان أخرى، مثل مصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية، تتجلّى نذر الاستياء الشعبي المتزايد وتلوح في الأفق، بصورة صارخة، أربعة من هذه التحديات:

أسفرت الصراعات الإقليمية عن انهيار شامل لمؤسسات الدولة وعن أزمة هجرة إقليمية كارثية. ولحق الضرر بصورة خاصة بالعراق وليبيا وسورية واليمن، غير أن أياً من البلدان العربية الأخرى لم يسلم من الأذى. هذه النزاعات، التي تغذيها وتلهبها المنافسة الإقليمية والنزاعات الوحشية المنطلقة من عقالها، والصفقات المكلفّة لبيع السلاح أطلقت تيارات مضادة في وجه جهود مواجهة التحديات المحلية الضاغطة.

تفتقر البلدان العربية، على العموم، إلى الأنظمة التي تقوم على قواعد وأسس ثابتة. تتطلّب الدول الفعّالة وجود مؤسسات فعّالة، وفي أغلب البلدان في الشرق الأوسط، تغيب المساءلة والمحاسبة، وتتدنى نوعية الخدمات الحكومية في العديد من الدول. ومن غير المرجح أن تنجح جهود التنمية الاقتصادية إلا إذا تزايدت مشاركة المواطنين والتزامهم بحكم القانون.

يبدو أن الاقتصادات العربية عاجزة عن توليد عشرات الملايين من فرص العمل الضرورية خلال العقد المقبل. فلم يعد القطاع العام قادرا على مواكبة النمو السكاني. وقد أسفرت رأسمالية المحسوبيات، والفساد، والعثرات البيروقراطية الإدارية في أغلب البلدان العربية عن نشوء قطاعات خاصة سقيمة غير قادرة على خلق الوظائف بصورة ديناميكية.

بيري كاماك
بيري كاماك باحث في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تركّز أبحاثه على التوجهات الإقليمية بعيدة المدى وتأثيراتها على السياسة الخارجية الأميركية.
More >

دول عربية عديدة تعامل مواطنيها بوصفهم مصادر للتهديد ينبغي التحكّم بها لا كموارد تتعيّن رعايتها والعناية بها. فعدو الحوكمة السيئة يتمثّل في وجود قاعدة شعبية مطّلعة ومشاركة. لكن عدداً قليلاً من الدول العربية يستثمر بشكل كاف في رأس المال البشري. وبالتالي، فمواطنو هذه الدول ليسوا مجهزين بشكل كافٍ للتصدّي إلى التحديات الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية الطارئة التي تواجه مجتمعاتهم.

أطر للعمل

تبيّن انتفاضات العام 2011 وما أعقبها من صراعات، أن الإصلاحات الجزئية لاتفي بالغرض، وأن التدخّلات العسكرية قلما تؤدي إلى مخرجات إيجابية. وينطلق تقرير "آفاق عربية" من مسلّمة بديهية مفادها أن من واجب المواطنين والدول صياغة عقد اجتماعي جديد للتصدي إلى تلك التحديات الجسيمة. وتحاول فصول هذا التقرير طرح أطر سياسية جديدة ممكنة لخمسة من التحديات المترابطة التي تواجه المنطقة، وهي: الاقتصاد السياسي، والحوكمة، والتعليم، والهجرة، والصراع الإقليمي.
الفصل الأول

الاقتصاد السياسي: في النطاق الأوسع من الصراعات المتعاقبة، والنزاع المتواصل في مرحلة مابعد الربيع العربي في البلدان العربية المعنية، والضغوط التي خلفها انهيار أسعار النفط في 2014، يواجه الشرق الأوسط تحدياً اقتصادياً أكثر جدية وعمقاً، ألا وهو انحلال النموذج الريعي لاستخلاص المصادر الطبيعية، الذي بنيت على أساسه الاقتصادات العربية. إن بناء نسق اقتصادي جديد يتطلّب من الدول البدء بالتصدي إلى أنظمة المحسوبية وشبكات المحاباة التي شوّهت المخرجات الاقتصادية وكبحت خلق الوظائف.

وفيما تواجه مختلف الدول العربية بطبيعة الحال ظروفاً متباينة، إلا أن بعض العناصر الأساسية واضحة: فنماذج الاقتصاد السياسي العربي الجديدة الناجحة تتطلّب من القادة أن يعطوا الأولوية للشباب والنساء؛ كما أن معايير المساءلة الجديدة ستستلزم أطراً تنظيمية منصفة وشفافة تعتمد على قواعد ثابتة.

الحوكمة: أفضت انتفاضات العام 2011 إلى تحوّل جوهري في العلاقات بين القادة العرب ومواطنيهم. ففيما تبدّدت مشاعر البهجة الأولى بسرعة، لاتزال مشاعر الغضب والخيبة اللذين دفعا إلى الثورة، والاحتجاج، والحرب، مستقرّة. لقد نفذ صبر المواطنين في جميع أرجاء المنطقة تجاه الحكومات التي يعتبرونها غير فعّالة، وفاسدة، ولاتخضع إلى المساءلة.

ثمة هنا ثلاث قضايا في غاية الأهمية: الوصول إلى مراكز صنع القرار، وتقديم الخدمات على نحو فعّال، ومكافحة الفساد، وليس هناك حلول سحرية سريعة لأي من هذه التحديات. غير أنه في وسع الحكومات، والمجتمع المدني، والمجتمع الدولي أن تعمل سويا لتحقيق تقدّم تدريجي. تستطيع الدول، عن طريق تمكين اللاعبين المحليين، المساعدة في إعادة بناء الثقة، بينما تقوم بتحسين تقديم الخدمات. كما يمكن للآليات التشاركية، مثل المجالس البلدية، والاستفتاءات، أن تبدأ التفاعل مع الجمهور. كما يمكن للاعبين الفاعلين الدوليين أن يساندوا مثل هذه المبادرات مع الإعلاء من شأن الشفافية في الوقت نفسه.

التربية والتعليم: إن أنظمة التعليم العربية الحالية لا تشجّع – ولم تصمم لتشجّع - تنمية مواطنة تفاعلية ديمقراطية حقيقية. فهي تنتج خريجين بمؤهلات، وليس بمنظومة المهارات الضرورية للتعامل مع التحديات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تواجهها مجتمعاتهم. وأمام هذه التحديات عميقة الغور، تقصّر الحلول التكنوقراطية عن بلوغ الغاية.

ثمة فرصة لتحقيق التقدم إذا ما سلكت تلك الدول مقاربة شمولية كلية، تضم فاعلين من صفوف مجتمعاتها، للإصلاح التعليمي. وينبغي تشجيع جميع الفاعلين، لا المدارس والوزارات وحدها، على بلورة رؤى واضحة للتعليم. ولابد لهذه الجهود أن تمكّن الأوساط الساعية إلى التغيير الإيجابي داخل الأجهزة القائمة: ومنها المربون الذين يبدون اهتماما عميقا بعملهم، والمسؤولون الذين يكتشفون حلولا ابتكارية، والطلاب الذين يعبرون عن آمالهم وقدرات الخلق لديهم.

اللاجئون: أصبح نزوح البشر القسري من العلامات البارزة لمجتمع الشرق الأوسط المعاصر. ففي سورية، أُرغم أكثر من 11 مليون نسمة على مغادرة بلادهم أو على النزوح الداخلي. كما نزح ملايين آخرون في العراق، والسودان، واليمن، وردّت الحكومات العربية بالسعي إلى إعادة اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية، وأغلقت المعابر الحدودية التي كانت مفتوحة قبل ذلك، ما أدى إلى مفاقمة وتوسيع شبكات تهريب البشر.

يتطلّب التعامل مع هذه الأزمة رؤية تحويلية والتزاما حقيقيا من جانب المانحين الدوليين لتشجيع التضامن مع النازحين والمشاركة في تحمل الأعباء في الدول المجاورة، مثل الأردن ولبنان، التي كانت الأكثر تضررًا. ويستدعي ذلك إعادة النظر في بنى الحوكمة الحالية وتحويل اتخاذ القرار إلى الفاعلين المحليين. كما يجب اعتبار حماية حق اللاجئين بالعودة إلى أوطانهم حجر زاوية في أي نقاش حول التسوية بعد انتهاء الصراع.

الصراع الإقليمي: في الشرق الأوسط، تضرب السطوة الغاشمة أطنابها وتهيمن القوة العسكرية. وفي سورية واليمن، كما في ليبيا والعراق، الحرب الأهلية مستعصية على الحل. والصراعات الدائرة بين القوى الإقليمية، مثل المنافسة بين المملكة العربية السعودية وإيران، تعتبر على نطاق واسع من العوامل التي تزيد الأمر تعقيداً. لكن ثمة ديناميكيكيات عريضة أخرى تفعل فعلها.

لقد أصبح توازن القوى الإقليمية غامضاً في أعقاب انتفاضات العام 2011 ومدركات الولايات المتحدة عن فك الارتباط. كما أصبحت النزاعات المحلية هي المسرح الذي تدور في عرينه حروب المنافسة الإقليمية. وقد تصاعدت واردات السلاح إلى المنطقة بصورة خيالية، فأسهمت بالتالي في إشعال الصراع. أخيراً، يعاني الشرق الأوسط من ندرة آليات حل النزاعات الإقليمية. ومع أنه من المرجح أن يتحقق بعض التقدم التدريجي البطيء، فإن على الفاعلين الإقليميين والدوليين أن يستكشفوا الخطوات المناسبة لمعالجة هذه العوامل، وتخفيف المخاطر المحتملة من تصاعد الصراع.

تجديد العقود الاجتماعية

إن استعادة أي مظهر من مظاهر النظام الإقليمي، يتطلّب من المواطنين والدول صياغة عقود اجتماعية جديدة تُحدّد أسس المساءلة، وتفعّل الإصلاح المنهجي في المجالين السياسي والاقتصادي. وهذا يعني قيام قوة ديناميكيكية جديدة تخلق الضوابط والموازين، وتُخضع طالبي الريع لمنافسة حقيقية. ولأن التحديات التي تواجه المنطقة مترابطة كل الترابط، فإن جهود الإصلاح الجزئية من فوق، لم تكن موفقة على العموم. والمطلوب الآن مقاربة جديدة كلية وشاملة تقوم على مشاركات أوسع وتفاعل مع المواطنين على جميع الأصعدة.

ستحتاج كل دولة إلى أن تشقّ طريقها الخاص. ما من حلول سحرية سريعة، كما أن التقدم سيكون تدريجيا وغير متوازن على الأغلب. ومع ذلك، ففي الوقت الذي يتعامل فيه القادة ومواطنوهم مع هذه التحديات، ثمة أربعة مبادئ يمكن اعتبارها من عناصر عقود اجتماعية حية ومزدهرة:

  1. استثمارات جديدة: النجاح في القرن الحادي والعشرين لايقاس بثروة الموارد، بل برأس المال البشري. فالمواطنون طرف حيوي في عملية تحويل مجتمعاتهم، وليسوا مجرد رعايا ينبغي التحكّم فيهم. ولابد للأطر الجديدة أن تستثمر بالمواطنين، ولاسيما الشباب، والنساء، والأقليات، كما ينبغي التضامن مع المتضررين من النزاع. ويتطلّب ذلك إعادة تصميم الأنظمة التعليمية وتحويلها إلى أنظمة للتعلم تُعزّز التفكير النقدي والتحليل وليس الصمّ والاستذكار من غير فهم. كما يتطلّب حماية قانونية محكمة لجميع المواطنين، بما في ذلك حماية حقوق المواطنة الكاملة والحقوق المدنية وحقوق الإنسان.
  2. مساءلة جديدة عندما تتمركز السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية في حضن النخبة الضيقة نفسها، فإن الفساد والمحاباة سيكونان من النتائج الجانبية الحتمية تقريباً. ستحتاج المجتمعات العربية إلى معايير وأعراف جديدة للمساءلة، داخل الدول وفي ما بينها، لتحقيق الازدهار. ويتطلّب تحقيق هذه المعايير أطراً تنظيمية تقوم على قواعد ثابتة، وعلى نظام قضائي مستقل، وهيئات متخصصة للإعلاء من شأن الشفافية ومعاقبة الفساد.
  3. مؤسسات جديدة: ليتسنى للمؤسسات الحاكمة العربية أن تكون فعّالة، عليها أن تبني القدرات، وترتقي بمستوى الكفاءة، وتزيد من درجة الشفافية. من الضروري وضع ترتيبات جديدة تسمح للحكومات المحلية بمزيد من الحرية في إدارة شؤونها الخاصة. وتسعى أغلب الدول العربية إلى التغلغل في حياة المواطنين، غير أنها لا تملك القدرة على ذلك. ويمكن لتقليص حجم الحكومات العربية إلى الحد المناسب أن يساعد على تعبئة الجماعات المهمّشة، وكذلك تشجيع المبادرات المحلية والسياسات المبتكرة. كما ستبرز الحاجة إلى تقليص إمكانية حدوث المنازعات وتضييق نطاقها، والتعامل في الوقت نفسه مع التحديات العابرة للحدود القومية، مثل أزمة الهجرة.
  4. حوافز جديدة: تبرز الحاجة إلى قيام بنى تحفيزية جديدة تشجّع على بلورة معايير جديدة لسلوك الدولة. ويعني ذلك مكافأة الجدارة، والابتكار، والمبادرة وتفضيلها على الارتباطات الشخصية والمحاباة. ويتطلّب بناء النظام الجديد أن تبدأ الدول بالتصدي لشبكات الرعاية والمحسوبية التي تشوّه المخرجات الاقتصادية وتحد من القدرة على خلق الوظائف.

ثمة علاقة تكافلية بين الصراعات الإقليمية وبين التحديات السياسية المحلية. فالدول التي تبني عقوداً اجتماعية أكثر استقراراً ستكون أقل عُرضة إلى الاضطرابات الداخلية، وأكثر مقاومة للتدخّلات الخارجية. وبالقدر الذي يمكن فيه احتواء النزاعات، وتقليلها، وفضها، ستتاح أمام القادة فرصة أفضل للتركيز على الاحتياجات العاجلة لمواطنيهم.

من السهل أن يشعر المرء بالتشاؤم حيال مستقبل الشرق الأوسط. إذ من غير المحتمل أن يرخي القادة السلطويون قبضتهم على مقاليد السلطة. كما أن المصالح الاقتصادية الراسخة ستقاوم جهود الإصلاح. وقد أدت الاضطرابات الأخيرة في المنطقة إلى تقليص المصالح الغربية التي اقتصرت الآن على الجانب الأمني، ما فاقم الإخفاقات الاقتصادية الاجتماعية الأعمق. والدول التي لاتريد البدء ببناء أنظمة سياسية أكثر خضوعاً إلى المساءلة، قد تجد نفسها على الجانب المخطئ من التاريخ. وفي كثير من الدول، يبدو مستقبل الإصلاح بعيد المنال.

بيد أن أبواب الأمل لاتزال مُشرعة، وستحاول الفصول التالية استقصاءها. وفي وسع الفاعلين من خارج المنطقة دعم التطورات الإيجابية عندما يقفون إلى جانب الدول الهشة ويساندونها لئلا تتحول إلى دول فاشلة، مع بذل المزيد من الجهد للتأكد من أن الحصيلة النهائية لن تستأثر بها النخب نفسها التي تجري المحاولات لتطويقها. سيكون لكل دولة عربية طريقها الخاص إلى النجاح، وقد يكون بعضها أكثر قابلية للحياة من بعضها الآخر. إلى أن تتمكّن الحكومات العربية ومواطنوها من البدء ببلورة رؤى واضحة المعالم لمجتمعات أكثر ديناميكية، فإن بلدانها ستواصل التلوي في لجج المعاناة.