في منتصف عام ٢٠٠١، بعد حوالي سنتين و نصف من استلام جلالة الملك عبدالله سلطاته الدستورية، كنت على رأس عملي سفيرا للاردن في واشنطن عندما اتصل بي احد مسؤولي الديوان الهاشمي و طلب مني اعداد ورقة لجلالة الملك حول مقومات الدولة الحديثة و ما ينبغي للاردن ان يفعله لضمان تطوير كوادر اردنية مؤهلة و بقائها في وطنها.

كتبت ورقة في حينه مفادها ان الاردن يفقد كوادر مؤهلة عديدة تذهب للعالم الخارجي، و بشكل خاص لدبي و دول الخليج في المنطقة، بحثا عن فرص افضل و رواتب اعلى. و قلت في الورقة ان الاردن لن يستطيع مضاهاة دبي بالنسبة للرواتب مهما فعل، و لكنه يستطيع بناء مجتمع لا تكون النواحي المادية وحدها من تحدد بقاء هذا الجيل في وطنه. و اسلفت ان الجيل الجديد يبحث عن منظومة متكاملة يشكل العامل المادي احد عناصر هذه المنظومة فقط، و تشكل باقي مناحي الحياة عناصرها الاخرى. و من اهم هذه العناصر شعور هذا الجيل انه يعيش في مناخ من الحرية يتيح له الابداع و الابتكار، ووجود فضاءات حرة تسمح له بالتحليق فيها، و بتطوير أفكاره و مشاريعه في وطنه في مجتمع يحترم صوته و يسمعه، و ان وجود هذا المناخ سيبقيه في وطنه حتى و ان كانت الاغراءات المادية اكبر في الخارج، اما ان كان الحال عكس ذلك، فان الاحتياجات المادية ستطغى على كافة الأمور الاخرى.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

شكلت تلك الورقة أساسا للعديد من الأوراق اللاحقة التي كتبتها، و لمناقشات معمقة مع جلالة الملك حول أهمية الاصلاح السياسي الذي يتيح مثل هذا المناخ، و يبقي كل قتيبة في وطنه، و كانت مجمل هذه النقاشات المدخل الذي ادى لتكليفي من قبل جلالة الملك عام ٢٠٠٥ برئاسة لجنة الاجندة الوطنية التي أنيطت بها مهمة وضع خطة سياسية اقتصادية اجتماعية متكاملة لبلورة منظومة متكاملة تحضن ابناء و بنات الاردن في وطنهم و تؤدي الى ازدهار اقتصادي حقيقي يرفع الدخل المحلي الاجمالي و معدلات النمو و يحقق تنمية متكاملة غير معتمدة على الجباية و القرارات الاقتصادية الضيقة و محاولات سد عجز الموازنة دون الالتفات للاسباب الحقيقية التي تؤدي الى رفع النمو.

هذه هي الصورة الكبيرة. و هذه هي الأسباب الموضوعية لحاجتنا لمنظومة اصلاحية متكاملة، فالموضوع ليس ترفا فكريا او نخبويا، كما يحلو لأصحاب الامتيازات الخاصة تصويره، و هو ليس تفكيكا للدولة بل بناء لها، و ليس تنفيذا لمؤامرات خارجية بل ارساء لدولة المؤسسات، و ليس توطينا بل مواطنة. منظومة الاصلاحات المتكاملة التي تبني مجتمعا قادرًا على احتضان ابنائه و بناته أساس للاستقرار و الازدهار المستقبلين، ما يشكل رأس اهتمامات جلالة الملك منذ ان اعتلى العرش، و ما يسمح لي بكشف بعض ما جرى سابقا بهدوء.

لم تجر الأمور كما كان مخططا لها، و تم تعطيل مسيرة الاصلاح كما يتم اليوم شيطنة كل جهد اصلاحي سياسي تحت مسوغات لا تقنع احدا من الجيل الجديد، بل ان نتائج التشبث بالوضع القائم من قبل أغلبية اركان الدولة واضحة اليوم. ان الامتيازات الخاصة منعت تطوير مجتمع يعتمد على سيادة القانون و الفرص المتكافئة و المناخ الإبداعي. أتمنى لو تحاول قوى الوضع القائم إقناع الجيل الجديد بحجتها ان الحفاظ على هذه الامتيازات الخاصة من خلال الدولة الريعية هو ما يضمن استقرار الدولة. جواب الجيل الجديد مقلق و خطير، حيث تشير عدة إحصاءات ان ما يقرب من نصف حملة الشهادات الجامعية منه يسعون للهجرة.

لقد حان الوقت لوقف التشبث بمنظومة استنفذت، و لبناء منظومة جديدة متكاملة بهمة و مشاركة الجميع دون انكار للحقائق و دون تكفير او تخوين لاحد. الاْردن اليوم بأمس الحاجة لذلك.

تم نشر هذا المقال في الحياة نيوز.