تحل الذكرى الثامنة لثورة يناير ٢٠١١، وما زالت دوائر الحكم تردد مقولة عدم جاهزية مصر للديمقراطية وتدبج الحجج الزائفة لتمرير غياب الحرية عن الفضاء العام. يقولون، على سبيل المثال، أن بناء الديمقراطية يستلزم تحقق مجموعة من الشروط المجتمعية والسياسية المسبقة أهمها سيادة القانون واستقرار مؤسسات الدولة الوطنية وحياديتها التى بدونها تتحول آليات وظواهر كالانتخابات الدورية وتداول السلطة والتعددية الحزبية وتنوع كيانات المجتمع المدنى إلى واجهات خالية من المضمون. يكررون أن بناء الديمقراطية يستلزم توفر درجة متقدمة من النمو الاقتصادى وتحقق تماسك الطبقة الوسطى، ويدفعون أن نظم الحكم غير الديمقراطية أقدر من غيرها على ضمان النمو الاقتصادى السريع وتطوير المرافق الرئيسية كالتعليم والصحة والخدمات المدنية التى تحتاجها الطبقة الوسطى للازدهار. يفعلون ذلك متناسين أن التحديات العديدة التى تواجه سيادة القانون فى مصر وتردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وهشاشة الطبقة الوسطى هى نتائج مباشرة لحكم الفرد وإخفاقاته المتراكمة.

لم تعرف مصر منذ خمسينيات القرن العشرين غير حكم الفرد وأعيد دوما التأسيس له وتثبيت دعائمه فى أعقاب حدوث هبات وانتفاضات شعبية وكذلك كانت الحال بعد ثورة يناير ٢٠١١. لم تعرف مصر غير تحالف النخب الاقتصادية والمالية والفكرية والإعلامية مع الحاكم الفرد الذى صارت تعتمد على رضائه لحماية عوائدها وقبلت التبرير المستمر لسياساته وقراراته بغض النظر عن مضامينها وتداعياتها وتناقضاتها. لم تعرف مصر سوى التعامل التأجيلى مع بناء الديمقراطية وإنهاء القمع والعقاب والتنكيل وإقرار حقوق الإنسان والحريات، تارة بأن يفرض الحاكم الفرد على مواطنيه المقايضة السلطوية الزائفة «الخبز والأمن نظير الحرية» وتارة ثانية بالترويج لمقولات عدم جاهزية البلاد للديمقراطية وتارة ثالثة بمقولات التخويف «إما أنا أو الفوضى»! لم تعرف مصر منذ خمسينيات القرن العشرين إلا اقتناع الحاكم الفرد بقدرته على «الإنجاز» دون مؤسسات منتخبة، والنتيجة هى طغيان ظواهر سلبية كثيرة مثل سطوة الفردية على أداء مؤسسات وأجهزة الدولة والمحدودية البالغة لأدوات الرقابة عليها وضعف مساءلة ومحاسبة شاغلى المنصب العام. لم تعرف مصر غير سعى حكم الفرد وأهل ثقته والنخب المتحالفة معه إلى تهجير المواطنين من الفضاء العام واستدعائهم فقط لتأييد الحاكم ومساندة سياساته وقراراته، وها هى جموع المواطنين التى انتفضت مطالبة بالحرية فى يناير ٢٠١١ تبتعد مجددا إما عن اقتناع بكون حكم الفرد هو السبيل الوحيدة لضمان الخبز والأمن أو عازفة فى إحباط مما آلت إليه الأمور أو خائفة من ظلام القمع والعقاب والتنكيل.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

لم تعرف مصر منذ خمسينيات القرن العشرين غير طغيان النهج الأمنى وتسفيه السياسة كمعولين رئيسيين يستخدمهما حكم الفرد للسيطرة على الدولة وضبط المجتمع وإخضاع المواطن، ورتب ذلك التوسع المطرد فى العصف بسيادة القانون وفى توظيف الأدوات القمعية وفى تشويه الوعى الجمعى. يورط طغيان النهج الأمنى وتسفيه السياسة الحكم فى رفض التداول الحر للحقائق والمعلومات لكيلا يمتلك الناس من المعرفة ما قد يساعدهم على مقاومة تشويه الوعى، ويورطان المؤسسات والأجهزة النافذة فى تصوير المعارضين السلميين زيفا كأعداء ومتآمرين وفى إلصاق اتهامات متنوعة بهم من نشر الفوضى إلى ضرب الاستقرار مثلما يورطانها فى تعقب منظمات المجتمع المدنى المستقلة التى تدافع عن الحقوق والحريات وفى تعريضها لحصار التشويه والإلغاء. لم تعرف مصر غير التوظيف الممنهج لطغيان النهج الأمنى وتسفيه السياسة لاصطناع المواطن الخائف المبتعد عن الشأن العام والممتنع عن طلب المعلومة والمتنازل عن حقه المشروع فى مراقبة ومساءلة ومحاسبة شاغلى المنصب العام. يصطنع حكم الفرد ذلك المواطن الخائف ويجبره بالأدوات القمعية على تجاهل المظالم والانتهاكات ويثنيه عن التطلع إلى الحرية ويسوغ له قبول المقايضة السلطوية الأمن والخبر نظير الحق والحرية.

فى الذكرى الثامنة لثورة يناير، لم تتغير حقائق الحكم فى بلادنا وما زلنا نراوح فى ذات خانات حكم الفرد وطغيان النهج الأمنى وتسفيه السياسة. لم تتغير حقائق الحكم، ولن تتغير ما لم يتغير المطالبون بتغييرها. على الأصوات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات فى مصر أن تدرك أن انهيار الأوضاع الأمنية وتردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصراعات العبثية بين القوى السياسية فى أعقاب يناير ٢٠١١ رتبت مجتمعة فقدان ثقة قطاعات شعبية واسعة فى التحول الديمقراطى وزينت لها النظر إلى حكم الفرد كملاذ وحيد لإنقاذ البلاد من عدم الاستقرار. بين ٢٠١١ و٢٠١٣، ارتكبت القوى السياسية، إسلاموية وعلمانية، خطايا كبرى وتلاعبت بآمال المصريات والمصريين فى الإدارة الناجحة للتحول الديمقراطى وفى الربط بين صون الحقوق والحريات وبين تحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمستويات المعيشية. بين ٢٠١٣ و٢٠١٨، ترك الناس للمقايضة السلطوية «الخبز والأمن نظير الحق والحرية» ولم يكن فى استطاعتهم مقاومة غوايتها ولا مقاومة المخاوف الحقيقية من أن يؤدى عدم الاستقرار إلى أن تلحق ببر مصر المصائر الإقليمية البائسة التى تهدم بها معاول الإرهاب والحروب الأهلية والعنف كيان الدول الوطنية وتفرض على مواطنيها الموت والدمار والنزوح واللجوء كحقائق وحيدة لوجودهم. ترك الناس لغواية المقايضة السلطوية، وراوحت مواقف أغلبيتهم بين القبول والعزوف والابتعاد خوفا من القمع والتعقب والمعارضة فى لحظات ومساحات محدودة. على الأصوات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات أن تدرك أن فشل التحول الديمقراطى بعد يناير ٢٠١١ كان من بين عوامل أخرى، نتيجة مباشرة لإخفاقات القوى السياسية التى تصدرت الواجهة وعجزت بسبب صراعاتها العبثية عن الحفاظ على ثقة الناس ودفعت قطاعات واسعة منهم إلى طلب حكم الفرد كملاذ إنقاذى أخير. على الأصوات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات أن تدرك أن الفشل فى مواجهة المقايضة السلطوية بين ٢٠١٣ و ٢٠١٨ كان من بين عوامل أخرى، نتيجة مباشرة لاستعلاء القوى المعارضة لحكم الفرد على الطلب الشعبى على الخبز والأمن وتجاهلها لضرورة تقديم بدائل واقعية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المطبقة وحتمية عدم الاقتصار لا على الانتقاد المشروع للقوانين المقيدة للحريات والممارسات القمعية ولا على الدعوة المهمة لصون مواد الدستور الضامنة للتداول السلمى للسلطة.

فى يناير 2019، يظل النقد الذاتى هو مهمة الديمقراطيين المقدسة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.