يتسم الواقع المعاش للمدافعين عن حقوق الإنسان والحريات في مصر بالإحباط المستمر. فتارة يخبرون الانتهاكات تحدث والقيود تفرض والإجراءات السالبة للحرية تطبق، وتارة يخبرون الرأي العام في موجات هيستيريا التخوين ونزع الوطنية واتهامات الزيف بالعمالة وهو يلفظهم ويسحق ظلما شرفهم الشخصي والمهني، وتارة يخبرون المؤسسات والأجهزة الأمنية وهي تتعقبهم وتراقبهم وتقضي على شعورهم الذاتي بالحرية وتغرس مكون الخوف في المحيطين بهم في حياتهم الخاصة (الأسرة والأصدقاء). دون انزلاق إلى إنتاج وترويج الصورة المثالية المتخيلة للمدافعين عن الحقوق والحريات كأبطال دون كيشوتيون، يصعب التغلب على إحباطات الواقع المعاش هذه وتستدعي مقاومة تداعياتها المدمرة توظيف أدوات متنوعة.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

في ظروف غياب الديمقراطية والمدافعون عن حقوق الإنسان يركضون يوميا لرصد الانتهاكات الجديدة وللبحث الصعب عن السبل القانونية والسياسية والإعلامية والتوعوية لمواجهتها مع مؤسسات وأجهزة رسمية تنكر وتعتم ولا تتغير، ثمة ضرورة للعمل الجماعي وللنقاش الجماعي والمساندة المهنية والتضامن الإنساني وللابتعاد حد الاستطاعة عن الفردية والعزلة وعن الصراعات البينية داخل الشبكات والمنظمات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات. في ظروف غياب الديمقراطية، يتعين على المدافعين عن حقوق الإنسان الاعتراف الذاتي والجماعي بالوطأة النفسية والإنسانية والمجتمعية لانتفاء قدرتهم على وقف الانتهاكات أو المحاسبة عليها وكذلك بوطأة تشويههم ولفظهم من قبل الرأي العام. الاعتراف وعدم الإنكار يمثلان أداة رئيسية للتعامل مع الأمرين، إن بغرس الأمل في حصاد ايجابي لعملهم وفي أوضاع أفضل على المدى الزمني المتوسط والطويل أو بإدراك أن التشويه هما ثمن تمسكهم المبدئي بالحقوق والحريات في بلادنا التي دوما ما تخون بها القوى والأطراف الخاسرة في معارك السياسة. في ظروف غياب الديمقراطية، يحتاج المدافعون عن حقوق الإنسان إلى إدراك أن الضغوط الشخصية والمهنية التي يتعرضون لها ومكونات الخوف التي تغزو المساحات الأسرية والخاصة المحيطة بهم قد ترتب تدريجيا انهيارهم النفسي أو تراجعهم عن مواقفهم المبدئية بحثا عن شيء من الأمان أو قد تزج بهم إلى الدائرة اللعينة للرقابة المفروضة ذاتيا. والوسيلة الضرورية المتاحة هنا هي الرعاية النفسية والحوار المستمر مع الأهل والأصدقاء عن الضغوط ووطأتها.

في ظروف غياب الديمقراطية، ينبغي على المدافعين عن حقوق الإنسان أن يتسامحوا مع خليط الصمت والعزوف الذي تبديه غالبية المواطنين. يتكالب على المصريات والمصريين التداول اليومي لأنباء الانتهاكات المتكررة، وتحاصرهم الأخبار المتتالية للعقوبات القاسية والسالبة للحرية الموقعة على مواطنين بسبب التظاهر السلمي أو التعبير السلمي عن الرأي أو محاولة التدخل السلمي في الحياة السياسية، ويتابعون في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة توظيف السلطوية الجديدة والنخب المتحالفة معها لسيطرتها على وسائل الإعلام والفضاء العام إما للإنكار الكامل للانتهاكات وللعصف بسيادة القانون أو للتعامل معها باستخفاف منزوع الالتزام الأخلاقي والإنساني والمجتمعي كحالات فردية. يغرق كل ذلك الناس في بر مصر ولا يصبح متاحاً أمامهم بعد مشاعر الحزن والحسرة سوى تبني اختيار من اختيارين مشروعين، فإما ينحو باتجاه العزوف عن الفضاء العام وباتجاه الانزواء بعيداً عن قضايا المجتمع والدولة لحماية حقهم في الحياة والسعي إلى تمكين أسرهم من شيء من الأمن وشيء من الاستقرار وإما يختارون طلب التغيير والمعارضة السلمية للسلطوية والدعوة إلى إيقاف انتهاكات الحقوق والحريات وإلى إدراك أن مهام الحفاظ على الدولة الوطنية وتحقيق الأمن وإنجاز التنمية المستدامة (وهي الأهداف المعلنة للسلطوية الجديدة) ترتبط عضويا بالعدل وسيادة القانون وبتشريع يحترم حقوق وحريات الناس.

وليس بمستغرب أن تختار الغالبية العزوف وتكون المعارضة السلمية هي مسار الأصوات المتناثرة المدافعة عن الحقوق والحريات والديمقراطية. وليس بمستغرب أيضاً أن تنأى هذه الأصوات بنفسها، من جهة أولى، عن حماة ورعاة السلطوية الجديدة وعن كل من يريد إزاحتها لكي يستبدلها بسلطوية أخرى يتمسح دعاتها الإسلامويين تارة بالدين وتارة بالديمقراطية وهم برغباتهم الانتقامية وبضيق أفقهم وبعجزهم عن ممارسة النقد الذاتي لخطاياهم منذ 2011 أبعد ما يكونون عن الجوهر الإنساني لمنظومتي الدين والديمقراطية، وأن تضع من جهة ثانية الحواجز الفكرية والسياسية بينها وبين القوى العلمانية التي ساومت على الديمقراطية بعد 2011 وتخلت عنها منذ 2013 وما لبثت إلى اليوم ترفض الاعتراف بخطيئة استدعاء المكون العسكري-الأمني إلى السياسة والاعتذار عن خطيئة الصمت على انتهاكات حقوق الإنسان. فالنأي المزدوج هو مناط خلاص الديمقراطيين من التورط في تأييد السلطويات والسلطويات البديلة، ومناط الخلاص من التورط في الترويج لقوى إسلاموية وعلمانية تكرس الاستبداد تارة برغباتها الانتقامية وأخرى بقصرها الحرية على من يتوافقون معها وينضوون تحت لوائها المتهافت.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.