مقارنة بموجات عديدة سابقة لارتحال المصريين إلى المنافي بسبب السياسة، تتسم موجة الارتحال الراهنة والتي بدأت في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 بالتنوع الكبير في هوية الملتحقين بها ودوافعهم والمنافي التي يتجهون إليها.

فقد فرض تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك عن حكم البلاد في شتاء 2011 على بعض رجالات نظامه الارتحال إما إلى الدول الغربية أو إلى دول خليجية كالإمارات العربية المتحدة والسعودية والبحرين التي لم ترض عن التنحي وفتحت أبوابها لوزراء ومسؤولين سابقين. وتباينت دوافع هؤلاء لمغادرة مصر بين استباق قيود توقعوها على حرية حركتهم وبين خشية الملاحقة القضائية والسياسية في أجواء غير مستقرة.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

بين 2011 و2013، أي في سنوات التجربة الديمقراطية التي شهدت صعودا لجماعات الإسلام السياسي خاصة الإخوان المسلمين والسلفيين، بحثت أعداد متزايدة من المصريين الأقباط ميسوري ومتوسطي الحال عن سبل للهجرة إلى أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا خوفا من تداعيات سيطرة الإسلاميين على الحكم. ولم يكن خوف الأقباط بغير المبرر، بل رتبه امتناع جماعة الإخوان المسلمين وهي شكلت الكتلة الأكبر في الهيئات الدستورية (الهيئات التي أنيط بها إما تعديل الدستور المصري أو وضع دستور جديد) والمجالس التشريعية (مجلس الشعب ومجلس الشورى) وأوصلت مرشحها في الانتخابات الرئاسية إلى سدة الحكم، امتناعها عن تبني ممارسات سياسية صريحة الالتزام بحقوق المواطنة المتساوية بين المصريين المسلمين والأقباط. ففي الهيئات الدستورية والمجالس التشريعية، رفض الإخوان مرارا إقرار ضمانات لحقوق المواطنين الأقباط السياسية والمدنية وبينما واظب الرئيس الأسبق محمد مرسي على أداء صلاة الجمعة في المساجد لم يزر كنيسة واحدة إن مهنئا بأعياد أو معزيا في ضحايا. كما أن التيارات السلفية، وفي مقدمتها جماعة الدعوة السلفية وحزب النور والتي كانت آنذاك متحالفة مع الإخوان، صدرت خطابا تمييزيا ضد الأقباط وأنكرت عليهم حقوق المواطنة المتساوية ووظفت حضورها في الهيئات الدستورية والتشريعية للضغط باتجاه تديين الدولة والسياسة والفضاء العام. كذلك أضافت الهجمات الطائفية المتكررة بين 2011 و2013 إلى مخاوف الأقباط، ودفعت ومعها التدهور العام في الأوضاع الأمنية والاقتصادية بعضهم إلى الارتحال إلى الغرب.

وفي صيف 2013، انتزعت المؤسسة العسكرية السيطرة على حكم البلاد وأطاحت بعد مظاهرات شعبية بالرئيس الأسبق محمد مرسي ودفعت به ومعه قيادات الصف الأول من جماعة الإخوان المسلمين إلى السجون.

وتبع تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة تنفيذ إجراءات قمعية واسعة النطاق بحق الإخوان وأنصارهم الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مسلوبي الحرية ومواجهين بملاحقات قضائية. ولم تكن ممارسات القمع والملاحقة وفي أجواء استقطاب مجتمعي حاد غير أن تتسبب في موجة ارتحال بين أعضاء جماعة الإخوان من الصف الثاني وما تلاه وكذلك بين أنصارهم من الكهول ومتوسطي العمر والشباب. تنوعت الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية لمرتحلي الإخوان وتفاوتت انتماءاتهم العمرية وتنوعت أيضا وجهاتهم بين قطر وتركيا والسودان ومنافي أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا، وكانت موجتهم بين 2013 واليوم هي الأكثر كثافة عددية والأكثر تنوعا في هوية المرتحلين. أما السلفيون، مجددا جماعة الدعوة السلفية وحزب النور، فقد انقلبوا على تحالفاتهم السابقة مع الإخوان والتحقوا بركب مؤيدي صعود وزير الدفاع الأسبق ورئيس الجمهورية الحالي عبد الفتاح السيسي وصاروا من المعتاشين على السلطوية الجديدة التي أنهت تجربة التحول الديمقراطي بين 2011 و2013.

بين 2013 و2015، تعقبت السلطوية الجديدة أيضا النشطاء من الشباب الذين طالبوا بالديمقراطية قبل وبعد ثورة يناير2011 كذلك لم يسلم النفر الصغير من الكتاب والمثقفين الليبراليين واليساريين الذين عارضوا الانتهاكات المتراكمة لحقوق الإنسان من التعقب والتشويه وألفوا أنفسهم إما في مواجهة محاكمات صورية أو أمام إجراءات بمنع السفر والمحاربة في الرزق أو خليط من هذا وذاك. ولم تكن الحصيلة غير إضافة مجموعات جديدة لموجة هجرة ما بعد 2013، فطرق نشطاء شباب وكتاب ومثقفون وفنانون وإعلاميون أبواب المنافي الغربية واستقبلت عواصم أوروبية كلندن وبرلين وأيضا مدن كندية وأمريكية غالبيتهم وتوزع آخرون في كل جهات الأرض. وعلى هوامش ارتحال الإخوان وأنصارهم وارتحال البعض من نشطاء الديمقراطية والمطالبين بها ممن نجوا من التعقب، غادر مصر أيضا شباب ومتوسطو العمر من ميسوري الحال اقتصاديا واجتماعيا طلبا للدراسة أو العمل في أمريكا الشمالية وأوروبا.

مقارنة بالموجات السابقة لارتحال المصريين إلى الخارج بسبب السياسة، تتسم الموجة الراهنة بكثافتها العددية وتنوع هويات ودوافع الملتحقين بها. قبل نهاية الحكم الملكي في البلاد وجلاء القوات البريطانية في خمسينيات القرن العشرين، لم تسجل هجرات واسعة النطاق بغية الابتعاد عن قمع السلطات أو تعقب المستعمر. اقتصر الأمر إما على نفي زعماء الحركة الوطنية إلى الخارج أو على طرقهم هم أبواب أوروبا لكسب شيء من التعاطف الدولي مع «المسألة المصرية» (أي المطالبة باستقلال البلاد).

وبعد إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية وجلاء القوات البريطانية وسيطرة الجيش على الحكم، بدأت موجات ارتحال المصريين لأسباب سياسية. فضلا عن مغادرة أميرات وأمراء الأسرة الملكية للبلاد، شهدت الخمسينيات رحيل الأغلبية الساحقة من المواطنين اليهود الذين صاروا ضحايا للصراع العربي ـ الإسرائيلي وللحروب التي بدأت في 1948 ثم تكررت في 1956 وفيما بعدها. ولم يفرق الحكام الجدد للبلاد بين النفر القليل من اليهود المصريين الذي تعاطف مع الحركة الصهيونية وأيد تأسيس إسرائيل وبين الأغلبية الساحقة التي كانت مصر وطنها الذي أرادت العيش به ولم ترغب في مغادرته ولم تذهب بعد تهجيرها إلى إسرائيل (بل استقر بها المقام في المنافي الأوروبية والأمريكية الشمالية). ومع شروع الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر في تطبيق سياسات التمصير والتأميم وإجراءات اشتراكية أخرى، غادرت مصر عائلات صناعية وتجارية كبيرة وبعض كبار ملاك الأراضي الزراعية بعد أن وضعت ممتلكاتهم تحت الحراسة (السيطرة الحكومية) أو نزعت منهم. وكانت المنافي الأوروبية والأمريكية هي أيضا وجهة أغنياء مصر المرتحلين. ولم يكن الأمر كذلك فيما خص موجة ارتحال قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين والتي بدأت في النصف الثاني من الخمسينيات واستمرت حتى نهاية الستينيات حيث دفعهم القمع والتعقب إلى مغادرة البلاد باتجاه دول الجوار العربي ومنها السعودية والكويت وذهب قليل منهم إلى بلدان أوروبية.

وبجانب هجرة الإخوان في الخمسينيات والستينيات، ارتحل أيضا لأسباب القمع والتعقب الكثير من كوادر الشيوعيين المصريين الذين نصابهم حكام يوليو 1952 العداء ولم يتركوا لهم مجالا للعمل العام لا في الحركات العمالية والنقابية التي خضعت للسيطرة الحكومية ولا في الأحزاب السياسية التي حلت وألغي وجودها.

ومع وفاة جمال عبد الناصر وارتقاء الرئيس الأسبق أنور السادات إلى سدة السلطة في 1970، توالت موجات ارتحال المصريين غير أن هوية المنتمين إليها تغيرت. بين 1970 و1973، تكررت الهجمات الطائفية ضد الأقباط (كان أشدها وقعا أحداث الخانكة في 1972) وتزايدت من جرائها أعداد الأقباط الذين تركوا أبواب المنافي. بعد 1973، شرع السادات في تغيير وجهة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والخارجية للبلاد منقلبا على التجربة الاشتراكية لسلفه. وللتخلص من إرث التجربة الاشتراكية والحد من نفوذ الناصريين ومجمل التيارات اليسارية، عزل السادات قيادات الناصريين واليسار من الكثير من المناصب الرسمية وحاصر المثقفين والكتاب والصحافيين والفنانين ونشطاء الحركات الطلابية الذين عرفوا بالانتماء إلى اليسار ودأبوا على انتقاد سياسات السادات. وفي المقابل، سمحت الأجهزة الرسمية والأمنية لتيارات الإسلام السياسي بالعودة إلى الجامعات وساحات أخرى في الفضاء العام وحفزتها على مقارعة نفوذ الناصريين واليسار. وترتب على ذلك نشوء ظاهرتين، هجرة ارتدادية لقيادات وعناصر جماعة الإخوان المسلمين الذين كانوا قد غادروا مصر في الخمسينيات والستينيات وموجة ارتحال واسعة بين الناصريين واليسار إلى المنافي العربية والأوروبية.

ومع اغتيال السادات في 1981 وتولي الرئيس الأسبق حسني مبارك الحكم (1981 ـ 2011)، هدأت تقلبات السياسات المصرية تدريجيا. لم تعاد حكومات الرئيس مبارك المتعاقبة الناصريين واليسار، بل رأت في تمكين أغلبيتهم من العودة بعد ارتحال فرصة لإظهار تميزها عن سياسات وممارسات السادات. عاد الكثير من مرتحلي الناصريين وأهل اليسار إلى مصر، وتواصلت أيضا في عقدي الثمانينيات والتسعينيات والسنوات الأخيرة في حكم الرئيس الأسبق مبارك عودة الإسلاميين من المنافي خاصة مع اتساع دوائر مشاركة الإسلام السياسي في الحياة العامة من النقابات والمجتمع المدني والنشاط الاقتصادي إلى المنافسة في الانتخابات البرلمانية. بين 1981 و2011، اقتصر ارتحال المصريين لأسباب سياسية على الأقباط الذين استمر بعضهم في الابتعاد عن البلاد بسبب أحداث العنف الطائفي والممارسات التمييزية ضد المجتمع القبطي.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.