في آب/أغسطس الماضي، قاد نور الدين الخادمي، الوزير السابق للشؤون الدينية في الحكومة التي قادها حزب النهضة الإسلامي، مسيرة احتجاجية ضخمة أمام البرلمان التونسي. وجاءت هذه التظاهرة بعد أن قام ائتلاف يضم جامعيين ورجال دين وشخصيات إسلامية، يُدعى "التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة"، بتعبئة متظاهرين احتجاجاً على تقرير حول الحقوق الفردية، وضعت مسودته "لجنة الحريات الفردية والمساواة" الرئاسية.

كان المتظاهرون مُستائين، لأسباب فقهية وأيضاً لأنه لم تتم استشارة السلطات الدينية المعنية، من توصيات لجنة الحريات، التي دعت إلى مساواة الرجل والمرأة في حقوق الإرث. والمُلفت هنا أن قائداً إسلامياً مقرّباً جدّاً من النهضة كان يقود هذه التظاهرة، التي بدا أنها تحظى بتأييد من الحزب نفسه. فقد ادّعى حزب النهضة في العام 2016 أنه تخلّى عن الحراك الإسلامي. وهذا يشي، وفق اعتقاد بعض المراقبين، بأن النهضة لايلتزم تماماً ببيان القطيعة مع النشاط الديني، وأنه بالتالي لايفعل شيئاً، عبر هذا النوع هذه البيانات، سوى محاولة تقديم صورة له تُرضي العلمانيين الدينيين وحلفاءهم في الغرب.

فابيو ميرون
فابيو ميرون أستاذ مساعد لمرحلة مابعد الدكتوراه في مجموعة أبحاث الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جامعة غينت (Ghent) في بلجيكا، حيث يدرّس حول الإسلام والإسلام السياسي والسياسات الشرق أوسطية المعاصرة.

بيد أن الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك. إذ لايمكن فهم موقف قادة النهضة، إلا في ضوء الاتفاق الدستوري في العام 2014 بين الأحزاب التونسية الرئيسة، ومنظمات المجتمع المدني، والاتحاد العام التونسي للشغل. ففي كانون الثاني/يناير 2014، جرى إقرار دستور جديد انبثق من تسوية بين النهضة، الذي يمثّل عموماً ألوان الطيف الإسلامي، وحزب نداء تونس، الذي يمثّل عموماً الأطراف العلمانية.

نصّت المادة الأولى من هذا الدستور على أن الإسلام هو دين الدولة، فيما أكّدت المادة 6 منه على أن الدولة هي حامية الدين. وقد رأى قادة النهضة إلى هاتين المادتين على أنهما تتويج لرسالة الحزب التاريخية الهادفة إلى إسباغ الهوية الإسلامية على تونس. وبالتالي، لم تعد القيادة ترى مبرّراً للسير في ركاب منهاج عمل إسلامي، الأمر الذي أطلق يدها لعزل الطموحات السياسية للنهضة رسمياً عن نشاطاتها الدعوية التي تقوم بها حركتها الدينية. وهكذا، سيرقّي النهضة كحزب أجندته السياسية، فيما سيُطلب من المتشدّدين الذين يريدون مواصلة الانخراط في نشاطات الإرشاد والهداية ترك الحزب.

طوّر حزب النهضة، غداة الانتفاضة التونسية في 2010-2011، أدواراً مزدوجة في البنية الدستورية للبلاد. فمن الناحية السياسية، كان الضامن للديمقراطية، فيما طرح أعضاؤه في العرين الاجتماعي صيغة إصلاحية للإسلام، احتضنت كلّاً من القواعد التقليدية الإسلامية والديمقراطية الليبرالية في آن . لكن، على رغم ضماناته وتطميناته في العام 2016، إلا أن سياسات النهضة لم تقطع كلياً في الواقع بين السياسة والدعوة، بل عملت لجعلهما تعملان في خطين متوازيين. لم يكن وارداً بالنسبة إلى الحزب إعادة التفاوض حول التسوية الدستورية، ولذا، إذا ما تعرّض الإطار الإسلامي إلى الخطر، سيقف الحزب والحركة الدينية صفاً واحداً للدفاع عن الترتيبات الدستورية التي جرى الاتفاق عليها. وقد اعتُبرت توصيات "لجنة الحريات الفردية والمساواة" من قبيل هذه التهديدات، الأمر الذي يفسّر دور الخادمي في احتجاج 2018.

هنا، لا بد من القول إن النهضة كان يتفاعل عموماً مع العديد من الديناميكيات المتشابكة. فهو، أولاً، تبنّى توازن قوى جديداً في تونس بدءاً من العام 2013، حتى وهو في خضم مساعيه لمعالجة رغبات وتفضيلات أنصاره وقواعده الانتخابية. كما أنه هدف إلى الدفاع عن الوفاق الوطني حول دور الإسلام في تونس (إسلام معتدل قد يعزّز الديمقراطية التونسية). لكن، شابت هذه التوجهات مخاطر تجلّت في ممارسة الليونة ورسم الخطوط الحمر في آن في سلوكيات النهضة.

الفصل بين الحزب والحركة الدينية

بعد نيله الترخيص القانوني العام 2011، أخذ النهضة يبلور شكله من خلال النقاشات حول هويته، في السياقات الجديدة التي انبثقت من الانتفاضة. وقد تأثّر هذا النقاش بالظروف المتغيّرة في تونس، خاصة موازين القوى المُستجدة بين القوى السياسية في البلاد غداة 2013. ومن وجهة نظر النهضة، فإن مؤتمرَي الحزب في 2012 و2016 فتحا وأغلقا في آن عملية الانتقال الديمقراطي.

بعد برهة وجيزة من إطاحة الرئيس السابق زين الدين بن علي، برز النهضة بوصفه الحزب الأكبر في الجمعية التأسيسية الأولى المُنتخبة. وهذا سمح للأمين العام للحزب، حمادي الجبالي، بتشكيل حكومة ائتلافية في كانون الأول/ديسمبر 2011. آنذاك، تميّز الوضع في تونس بسياسات اللجوء إلى الشارع والتعبئة السياسية، أساساً على يد الراديكاليين الإسلاميين، بما في ذلك السلفيين. وهذا أسفر عن خلق حالة استقطاب في المشهد السياسي التونسي، ودفع إلى تشكيل جبهة علمانية راديكالية موازية، تمحورت حول سياسي من حقبة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، وهو الباجي قائد السبسي، الذي أسّس في العام 2012 نداء تونس، وهو حزب فضفاض ضم في جنباته مروحة واسعة من العلمانيين.

خلال مؤتمر 2012، أجّل النهضة قرار فصل الحزب السياسي عن الأدوار الدينية، إذ شعرت القيادة بأن البيئة السياسية لاتزال غير مستقرة ولا تمكّن من تطبيق مثل هذا التغيير الجذري من دون التعرّض إلى مضاعفات كارثية. في ذلك الوقت، كان يتجاذب النهضة توجّهان إثنان: فالعلمانيون كانوا يطلبون من الحزب تأكيد أوراق اعتماده الديمقراطية، فيما كان الراديكاليون الإسلاميون يطالبون بأن يلعب النهضة دوراً ثورياً. لكن، ولأن اللحظة السياسية في ذلك الوقت كانت ملائمة للإسلاميين، لم يستطع الحزب قطع روابطه كلياً معهم.

انتهى ذلك المؤتمر إلى حل وسط. فقد أسّس النهضة جمعية تُدعى الدعوة والإصلاح للتنسيق بين هيئات المجتمع المدني المرتبطة بالحزب، ولتشجيع الأعضاء على الترويج للطبعة الإصلاحية من الإسلام، في الوقت نفسه الذي يتحدى فيه أيضاً الإسلاميين الراديكاليين والسلفيين (فقهياً وسياسياً). وقد أُنيط بالداعية الكاريزمي الحبيب اللوز قيادة حركة الدعوة والإصلاح. اللوز هذا كان أكثر قائد إجلالاً واحتراماً من بين قادة النهضة في صفاقس، ثاني أكبر مدينة في تونس وعرين حركة إسلامية وسلفية اجتماعية مهمة. من أحضان هذه الحركة انبثقت شبكة من الهيئات الإسلامية التي تطوّرت إلى جبهة معادية للعلمانية في 2012-2013، ووفّرت قاعدة شعبية للناشطين الجاهزين للتعبئة والحراك إذا تطلب الأمر. وقد تزعّمت هذه الجبهة حركة المطالبات، كما حدث في العام 2012 حين دعمت تضمين الدستور إشارةً إلى الشريعة.

لكن في العام 2013، تغيّرت المناخات. فالانقلاب العسكري في مصر في أوائل تموز/يوليو ضد الرئيس السابق محمد مرسي القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، أشعل إوار العداوات الإقليمية ضد الأحزاب الإسلامية التي تنتمي إلى العائلة الإيديولوجية نفسها. وبعدها، وردّاً على الاغتيال اللاحق للبرلماني الناصري محمد براهمي، نظّم قادة المعارضة التونسيون "جبهة الإنقاذ" التي ضمّت آلافاً عدة من الأعضاء ضد النهضة. وفي آب/أغسطس، التقى رئيس النهضة راشد الغنوشي السبسي في باريس وبدأ التحضير للمصالحة الوطنية. وخلال الأشهر التالية، ساعدت أربع منظمات من المجتمع المدني، بينها الاتحاد العام التونسي للشغل، على إبرام تسوية سياسية، نصّت على استقالة حكومة النهضة ووضع دستور جديد تم إقراره في كانون الثاني/يناير 2014. ثم جرى حظر معظم النشاطات الإسلامية الراديكالية، ودشّنت الحكومة الجديدة حملة ضد الروابط الإسلامية والأئمة، وأجبرتهم على اتّباع نهج النهضة المُعتدل. وقد تواصلت هذه العملية حين ترأس الحكومة الحبيب الصيد في شباط/فبراير 2015.

في أعقاب مؤتمر 2016، أعلن مسؤولو النهضة أن هذا الأخير أصبح حزب "الإسلاميين الديمقراطيين"، الذين يعتبرون الدين مجرّد مصدر إلهام إخلاقي، وليس رؤية إيديولوجية شاملة للعالم كما تُردّد الحركات الإسلامية مراراً وتكراراً.

بيد أن هذه الحصيلة كانت في الواقع تقسيماً للعمل أكثر منها قطعاً بين الحزب والحركة. فالأعضاء فضّلوا الحديث عن التخصّص، أي أن تقوم الأطراف السياسية والدينية في النهضة بالتخصّص كلٌ في مجاله. وأوضح برلماني ذلك عبر تشبيه الفصل بين نشاطات الحزب السياسية والدعوية بالأحزاب اليسارية الأوروبية التي تتضمن الأحزاب ونشاطات النقابات العمالية المرتبطة بها. وفي هذا السياق، كان أعضاء النهضة الذين يفضّلون الإرشاد أحراراً في انتهاج هذا المنحى في المجتمع، أما أولئك الأكثر اهتماماً بالسياسات الحزبية، فقد جرى تشجيعهم على الانخراط في قضايا الحوكمة. هذا الترتيب لم يكن جهداً ماكيافيلياً لخداع الخصوم السياسيين والمجتمع الدولي، بقدر ما هو استجابة لوضع سياسي جديد.

المراوغة الإدارية بين السياسة والدعوة

أثار مؤتمر النهضة العام 2016 الانطباع بوجود حزب منتصر ومسؤول عن تعزيز الديمقراطية في تونس. لكن التوترات الداخلية في النهضة كانت مُستعرّة على قدم وساق. ففي جانب، كان هناك أولئك، على غرار الغنوشي، الذين اعتقدوا أن مهمة الحركة على المدى الطويل هي توفير الهوية الإسلامية لتونس. وهذا يمكن أن يتحقق ضمن إطار ديمقراطي، خصوصاً عبر دستور يضمن مأسسة الاعتراف بالإسلام. وفي جانب آخر، كان هناك الناشطون والداعمون للدعوة، الذين يريدون إبقاء الحزب مركّزاً على السياسات الشعبية الإسلامية لترقية التغيّر الاجتماعي ودفعه باتجاه إسلامي. هذا الانشطار تمحور حول خطوط الصدع القائمة أصلاً داخل صفوف النهضة، وأثّر على قاعدة الدعم الشعبي التي كان الحزب يتمتّع بها. بيد أن النهضة أظهر أنه قادرٌ على إدارة هذه التناقضات، وأن في وسعه التحرّك، في إطار نشاطاته السياسية والدعوية، قدماً نحو تسويات أكبر واعتدال أرسخ.

يكمن أحد خطوط الصدع القديمة بين أولئك الذين بقوا في تونس خلال سنوات عهد بن علي (في السجن أو قيد الرقابة) وبين الفئات التي ولّت الأدبار إلى الخارج وتمتعت بحياة أكثر رفاهية نسبياً. ثم: هناك انشطار آخر جيلي (من جيل) هذه المرة، ينقسم بموجبه أعضاء النهضة إلى ثلاثة مجموعات عُمرية: مجموعة الآباء المؤسّسين، ممثّلين بالمؤسّسين الغنوشي وعبد الفتاح مورو اللذين قادا مرحلة التجديد. ومجموعة ثانية تتكوّن من عناصر أصغر سنّاً وأكثر راديكالية نشطت في الثمانينيات، وتكونّت من طلاب مُسيّسين أكثر منهم دعاة. وقد مثّلهم بعد العام 2011 شخصيات تسعى إلى تحمّل مسؤوليات حكومية، منها الجبالي رئيس الوزراء بين 2011-2013، وعلي العريّض وزير الداخلية (2011-2013) ثم رئيس الحكومة (2013-2014)، ونور الدين البحيري وزير العدل في حكومة الجلالي.

أما الجيل الثالث فضم أولاد الأعضاء الأكبر سنّاً الذين عانوا القمع أو المنفى. وهذه المجموعة نفسها مُنقسمة بسبب تجاربها في الماضي. فأولئك الذين بقوا في تونس حين كان آباؤهم مودعون في السجون أو قيد المراقبة، أكثر راديكالية ومُمثّلون بقوة في الحركة الطلابية اليوم. أشهر هؤلاء هشام العريّض، ابن علي العريّض، الذي اشتُبه في العام 2013 بأنه مقرّب من الحركة السلفية.

عاش المنفيون في أوروبا في ظروف مختلفة للغاية، ولم يختبروا أحياناً أي منحى تشدّدي إسلامي. يمثّل هؤلاء، مثل أسامة الصغيّر، وهو برلماني انتُخب في إيطاليا وكان الناطق باسم الحزب في مؤتمر 2016؛ وسيدة الونيسي، البرلمانية السابقة من النهضة التي انتُخبت في فرنسا وكانت في طليعة القوى الداعية إلى تحديث الحزب. وقد تباينت ردود فعل هذه المجموعة إلى حد كبير حيال النزاعات داخل الحزب والحركة، ولذا من الصعب تلخيصها في هذه العجالة. بيد أن النهضة كان قادراً على البقاء موحّداً وأظهر قدرته على التأقلم في اللحظات الحاسمة مع البيئة المتغيّرة في البلاد.

برزت هذه القدرة على التأقلم حين تقلّد النهضة السلطة وسعى إلى إعادة هيكلة نفسه ونيل الشرعية. فهو نجح، على سبيل المثال، في دمج طبقة جديدة من روّاد الأعمال الإسلاميين التونسيين، الذين يؤمنون بشكل من الرأسمالية الموجّهة إسلامياً، حاذين بذلك حذو حزب العدالة والتنمية التركي.1 كما أنه دعم الفرص المتساوية للمرأة من خلال الترويج لقادة إناث كاريزماتيات، على غرار نائب رئيس الجمعية التأسيسية السابقة، مهرزية العبيدي، ومحافظ تونس المنتخبة حديثاً سعاد عبد الرحيم التي لاترتدي الحجاب وتعكس بالتالي وجهة الإسلام الليبرالي. وقد وُجّهت الانتقادات إلى النهضة لأنه اقترح مادة دستورية في آب/أغسطس تحيل النساء إلى دور "مُكمّل" للرجال. بيد أن الحزب فيه العديد من البرلمانيات، وهو أقر قانون الأحوال الشخصية التونسي الذي يدافع عن حقوق المرأة.

لكن، بغضّ النظر عن براغماتية النهضة وقدرته على التأقلم، إلا أن قراره بفصل الحزب عن الحركة كانت له مضاعفات جمَة في صفوف أعضائه. فهو مافتئ يخسر الدعم الشعبي، منذ أن أعطى الانطباع بأنه يتخلّى عن الدعوة. وقد وجد البارومتر العربي الذي أجرى مسوحات واستطلاعات في 2011 و2013 و2016 أن نسبة المسُتطلعة آراؤهم التي عبّرت عن "ثقة كبيرة" بالنهضة هبطت من 22 في المئة العام 2011 إلى 8.5 في المئة في 2016. والواقع أنه يتعيّن على الحزب أن ينتبه جيّداً إلى هذه المحصّلة، خاصة إذا ما تأكّدت توجّهات الاقتراع السلبية في الانتخابات البرلمانية المُقبلة. لكن، وعلى الرغم من هذا التراجع النسبي، في وسع النهضة أن يحتفي بأنه حصد غالبية الأصوات في الانتخابات البلدية الأخيرة.

بعد مؤتمر 2016، انهمك النهضة في كل من السياسات والدعوة لترقية مشروعه الإيديولوجي الخاص بـ"الإسلام التونسي". وهذا أبرز مجدّداً كيف أن فصل النهضة الحزب عن الحركة لم يكن تامّاً أبداً. فاستراتيجيته السياسية قامت على قاعدة الدفاع عن الدمقرطة وممارسة توازن دقيق داخل حكومة الوحدة الوطنية. وفي هذا المجال، وغداة اتفاق قرطاج في تموز/يوليو 2016، الذي خدم كأساس للتعاون بين القوى السياسية التونسية الرئيسة، انضم النهضة إلى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد، ولم يركّز على نيل مواقع أساسية، بل عمد بدلاً من ذلك إلى احتضان توجّه الشمولية للجميع، وإلى ضمان أن يبقى الائتلاف مستقراً. وهذه لم تكن المرة الأولى التي يفعل بها ذلك: إذ سبق له أن رحّب بمنحى الشمولية للجميع بعد الانتخابات البرلمانية العام 2014، حين انضم إلى ائتلاف حكومة الصيد.

حين كانت كل هذه التطورات تتوالى فصولاً، احتلّ قادة الدعوة الراسخون، مثل اللوز، الساحة الدينية. كانت مهمتهم المُعلنة إصلاح تعليم الإسلام في تونس. وهذا هدف تشاطرته أطياف الدعاة الجدد الذين لهم توجهات أكثر سلفية. لكن دعاة النهضة أبرزوا الاتجاه الفقهي والفكري المعروف باسم الوسطية، الذي طوّره الشيخ يوسف القرضاوي، واشتقّه من آية قرآنية تبرّر الطبيعة المعتدلة للإسلام. وكما هو معروف، القرضاوي هو أيضاً رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكان الغنوشي نائبه لفترة طويلة.

الفرع التونسي من هذا الاتحاد هو برئاسة عضو قيادي آخر في النهضة هو عبد المجيد النجار، إسلامي تونسي اشتهر بدراساته حول المقاصد، وهو باب اجتهاد يسعى إلى تجديد التشريع الاسلامي ومواءمته مع العصر الحديث. ويتطلع الاتحاد العالمي، شأنه شأن الدعوة والإصلاح، إلى ترقية الإسلام الإصلاحي والتصدي للتطرف. ومنذ العام 2012، انضمت هيئات بحثية إسلامية عدة إلى منظمات جامعة، أشهرها شبكة الهيئات في صفاقس التي تنسّق أعمالها حركة الدعوة والإصلاح، ولاحقاً "التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة"، التي نظّمت تظاهرة الاحتجاج التي ألمعنا إليها أعلاه ضد تقرير "لجنة الحريات الفردية والمساواة". الهدف هنا هو تعزيز شكل أكثر اعتدالاً من الإسلام استناداً إلى الخصوصيات التونسية. ووفقاً لقادة هذه الهيئة، لم يكن على مؤسسات الحكم السابقة في تونس تنحية الإسلام جانباً، فالدين بالنسبة إليهم يجب أن يكون جزءاً مما يعنيه أن يكون المرء تونسياً.

على الرغم من أن عنصر الدعوة في النهضة انخفضت مرتبته إلى حد كبير، إلا أن دوره لايزال مهمّاً. فبالنسبة إلى الأعضاء، السياسات والدعوة هما وجهان لعملة واحدة، وهي حصيلة تنبثق من الحقيقة بأن الإسلام يجب أن يكون جزءاً من الأمة، وأن تعاليمه يجب أن تكون مُصانة ومضمونة. وتعتبر قيادة النهضة الدستور ضمانة لرؤية مشتركة حيال تونس مع العلمانيين الوطنيين، خاصة أنه يوفّر إطاراً ديمقراطياً إسلامياً يستند إلى الانفتاح السياسي. وطالما أن المبادئ المتعلقة بالإسلام وبهوية تونس محفوظة، فلا يرى الحزب حاجة إلى استئناف نشاطاته الإسلامية والدعوية، لكن أعضاءه يعتقدون أنه إذا جرى تجاوز هذه الحدود، فسيعبّئ النهضة ناشطي الدعوة للدفاع عن التسوية الدستورية.

عامٌ من اللايقين أمامنا

لايزال النهضة اللاعب الرئيس في حلبة السياسات التونسية، على رغم أنه خسر بعض الدعم، من خلال إعطاء الانطباع بأنه تخلّى عن الدعوة. وسيكون على الحزب أن يعمل كي لاتصبح أي انقسامات داخلية سمة دائمة. كما يجب عليه أن يضع في عين الاعتبار أن ثمة مناخ استياء عاماً من السياسات الحزبية في البلاد، ما قد ينعكس عليه سلباً.

أمام النهضة مساران اثنان يجب أن يختار بينهما خلال المُقبل من السنين: فإذا ما حصد الأغلبية في الانتخابات البرلمانية العام المقبل، يجب أن يعزّز مواقعه كلاعب سياسي رئيس في البلاد، ويكسب الثقة في تحولاته التي بدأت العام 2016. أما إذا خسر مواقع، فقد تنفصل أصوات ناقدة داخله عنه، ما سينعكس سلباً على وجه الخصوص على مسألة فصل السياسات عن الدعوة.

الأوضاع الراهنة تخلق الكثير من حالات عدم اليقين. فليس هناك، أولاً، ضمانات بأن القوى العلمانية قد تقبل مشاركة النهضة في الحكومة. ثانياً، الضائقة الاجتماعية والاقتصادية المستشرية في تونس، يمكن أن تقود إلى اضطرابات حادة وأعمال شغب. وفي هكذا وضع، وجنباً إلى جنب مع استمرار التهديدات الإرهابية، قد يُسفر هذا عن شكل من أشكال شبه الوصاية من قِبَل التكنوقراطيين المحليين والمؤسسات المالية الدولية، مايجعل من الصعب على النهضة لعب دور مُهيمن أو بارز.

مثل هذا السيناريو يطرح مخاطر كبرى على كاهل النهضة، وقد يمثّل ضربة خطيرة للاستثناء الديمقراطي التونسي.

تونس لاتزال تواجه تناقضاً يتجسّد في وجود نخب سياسية تدعو إلى الديمقراطية، من دون أن تقبل تماماً وجود حزب إسلامي قوي. ومنذ العام 2011، كانت البلاد تتعارك مع هذه المعضلة. فجو فقدان الثقة السائد في السياسات الوطنية اليوم، قد يعني أن الأوضاع الراهنة ستستمر من دون حل.

 

فابيو ميرون أستاذ مساعد لمرحلة مابعد الدكتوراه في مجموعة أبحاث الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جامعة غينت (Ghent) في بلجيكا، حيث يدرّس حول الإسلام والإسلام السياسي والسياسات الشرق أوسطية المعاصرة.

هوامش

1 مقابلة أجراها المؤلّف مع المحامية والناشطة في حزب النهضة، لبنى مولى، صفاقس، 23 أيلول/سبتمبر 2014.