تلحق الفاشيات ونظم الحكم الشمولية والسلطوية بقمعها وبانتقاصها من الحقوق والحريات وبإلغائها لوجود الإنسان الفرد جرائم خطيرة بمواطنات ومواطني البلدان التي تسيطر عليها. وفي بلاد العرب، تصطنع السلطويات الحاكمة عبر ممارسة التعقب والقمع والتهديد بهما مواطنا خائفا يبتعد عن الاهتمام بالشأن العام والسياسي، ويمتنع عن طلب المعلومة ويقتل بداخله تدريجيا الرغبة في معرفة حقائق الأوضاع، ويتجاهل عمدا انتهاكات الحقوق والحريات التي تفرض واقعها الأسود على حياتنا، ويعجز عن الدفاع عن حقه المشروع في الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة.

تصطنع السلطوية مواطنا عربيا مؤيدا لغياب الديمقراطية إن تهليلا أو صمتا، ومقتنعا بوجود الطوائف الزائفة من أعداء الوطن والخونة والمتآمرين والطابور الخامس، وقانعا بالمقايضات السلطوية التي تساوم الناس على الأمن والخبز بالحق والحرية. بل تصطنع السلطوية مواطنا عربيا لا يعترض على التعقب والقمع طالما لم تمسه ممارساتهما أو تمس دائرته القريبة، وقد يصل الامتناع عن الاعتراض هذا إلى حدود قبول ارتكاب الحكام وأجهزتهم لجرائم ضد الإنسانية.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

تصطنع السلطويات الحاكمة ومن خلال جرائمها مواطنا تحركه نوازع الانتقام من معارضي الحاكم الفرد ونخبته، مواطنا ينتج مع غيره فولكلور التشفي الشعبي المستمتع تارة بأنباء انتهاكات الحقوق والحريات والمتعطش تارة أخرى لشائعات الإفك والزيف التي تشوه المعارضين السلميين والمطالبين بالديمقراطية. كذلك وعبر الضغط المستمر للسلطويات العربية على الخارجين عن طوعها، يفرض الحاكم الفرد ومعه نخبته وأجهزته الأمنية على المعارضين والمدافعين عن الحقوق والحريات هوية المطاريد الذين يتحولون تدريجيا على وقع تشويههم الممنهج في الفضاء العام وتعرضهم المتصاعد إلى ممارسات التعقب والقمع إلى مجموعات مغلقة على ذاتها لا يسمع أفرادها إلا لبعضهم البعض ويتجنبون المجتمع الواسع إن إحباطا أو خوفا.

ولكي يشوه الوعي الجمعي للناس على نحو ممنهج، تصطنع السلطوية في مساحات الفضاء العام والمساحات الإعلامية التي تديرها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية «مجموعات متخصصة» في تزييف الحقيقة وتغييب المعلومة والترويج لصوت وموقف الحاكم الفرد كالصوت المشروع الأوحد والموقف الوطني الأوحد. تعطي السلطويات الحاكمة في بلاد العرب تلك المجموعات المتخصصة من الألقاب ما يتلاءم مع الأوضاع الراهنة ـ هم الخبراء الاستراتيجيون والمحللون الأمنيون والمفكرون الذين تخلع عليهم صفات التعظيم فقط لكونهم يسبحون بحمد الأبطال المنقذين ويؤيدون سياساتهم وقراراتهم، وتمنحهم الألقاب التي تمكنهم من النفاذ إلى عقول الناس وتشويه وعيهم. تلك المجموعات المتخصصة ليست، في التحليل الأخير، سوى مجموعات مأجورة تتوزع أدوارها إما كأبواق للحكام أو تتبعهم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لإنكار المظالم والانتهاكات أو يخدمون شبكات المصالح الاقتصادية والمالية المتحالفة مع السلطويات أو يعنون فقط بالتشويه المستمر للمعارضين السلميين والمدافعين عن الحقوق والحريات.

تعمد السلطويات الحاكمة، خاصة مع طغيان الممارسات الأمنية وتراكم المظالم والانتهاكات وتصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إلى فرض ثقافة خوف تحول بين الناس وبين الامتناع عن تأييد الحاكم وتباعد بينهم وبين طلب التغيير أو البحث عن بديل. ولذلك، تتسع في الخطاب الرسمي للسلطويات العربية كما في الخطاب الإعلامي الموالي لها دوائر «الأعداء والمتآمرين» الذين يُدفع باتجاههم بمسؤولية تعثر جهود إخراج البلاد من أزماتها المستحكمة وتعذر تحسين الظروف المعيشية لأغلبية الناس ويبرر إزاءهم القمع. فحكام السلطويات العربية لا يتحملون الحديث العلني عن مظالمهم وانتهاكاتهم، ولا تقوى أجهزتهم على تحمل المسؤولية عن إخفاق السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

كذلك تجرم السلطوية بحق المواطنين من خلال ضخ دماء الكراهية والإقصاء ونزع الإنسانية ليعتاش عليها وحش الاستقطاب المجتمعي ولتطلق تعويلا عليها اليد القمعية للأجهزة الأمنية لتعقب وعقاب من تنزع إنسانيتهم. يخرج رسميون ومسؤولون حكوميون على امتداد بلاد العرب ليطلقوا اتهامات جزافية بشأن هوية المتورطين في أعمال الإرهاب وممارسات العنف والفساد وليشيعوا الروح الانتقامية بين الناس، وليتبعوا ذلك بالمطالبة بإنزال العقاب الجماعي والفوري للمزعوم تورطهم في تلك الجرائم وللمصنفين أعداء للوطن. يفعلون هذا دون اعتبار للتداعيات الكارثية للجزافية وللتعميم في كيل الاتهامات على نسيج المجتمع الواحد، يفعلون هذا دون تقدير لخطورة مشاعر الانتقام والتشفي وشررها المتطاير باتجاه المجتمع والدولة ومبادئ سيادة القانون ومعاني العدل. ثم تعمد السلطويات الحاكمة إلى منع غير الراضين بين صفوف المواطنين من البحث عن بدائل بالتشديد المتكرر على عجز المعارضين عن إدارة شؤون البلاد وبتسفيههم كمدفوعين بغواية المصالح والعوائد الشخصية وكفاعلين في كيانات مشبوهة (أحزاب وحركات ومنظمات) غير قادرة على الإلمام بمقتضيات الإنقاذ والخلاص الوطنيين. ويلقى بكل ذلك المواطنين في بلاد العرب لكي يزيف وعيهم ويستمرون على الخنوع والخوف.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.