لیس خفیا على احد ان التحدي الاكبر الذي یواجه الاقتصاد الأردني ھو تخفیض معدل البطالة، اضافة بالطبع لضرورة تخفیض معدلات الدین وعجز الموازنة و زیادة نسبة النمو. وعلى الرغم من كل الاصلاحات الاقتصادیة التي تمت عبر السنین الثلاثین الماضیة، فقد ارتفعت البطالة من ١٣ الى ٧،١٨ .٪ بالتالي، فان اي خطة اقتصادیة لا بد ان تضع نصب أعینھا تخفیض البطالة كأولویة قصوى، منعا لتزاید الاحتقان الشعبي ووصوله الى درجات عالیة.

تخفیض البطالة لا یمكن ان یتم الیوم عن طریق إطلاق الوعود للناس بتوظیفھم في القطاع العام. یندرج ھذا ضمن اسلوب معالجة الأزمات بالطرق التقلیدیة التي لم تنجح في السابق. وان تم توظیف العشرات الیوم، فماذا عن باقي الناس الذین سیطالبون بالمعاملة بالمثل؟ كما ان خلق فرص عمل جدیدة لیس مسؤولیة وزارة العمل وحدھا، و لن یتم بین لیلة و ضحاھا، بل یحتاج لخطة متكاملة متوسطة المدى لمعالجة كافة جوانب الموضوع. ان نسبة البطالة في الاردن الیوم كفیلة لأن تسقط اي حكومة في العدید من دول العالم، و لكنھا تذكر كإحصائیة لدینا تكاد تمر مرور الكرام، دون ان تطلق نواقیس الخطر.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

لقد حان الوقت لاعتماد خطة متكاملة تأخذ بعین الاعتبار الأمور التالیة، اولھا ان القطاع العام غیر قادر الیوم على توظیف المزید، و في نفس الوقت لا تستطیع الدولة ان تتجاھل الأعداد المتزایدة العاطلة عن العمل الیوم. ترجمة ھذه العوامل واضحة: على القطاع الخاص ان یحل مكان القطاع العام في توفیر الوظائف للناس. ولكن ھذا الكلام سھل القول صعب التطبیق ان لم تعمل الدولة على خلق الظروف الملائمة كي یأخذ القطاع الخاص دوره الطبیعي في قیادة عملیة الانتاج.

كي یتم ذلك، یجب ان تتوافر ظروف مختلفة تقع على عاتق الدولة، اولھا تغییر البیئة التشریعیة لاتاحة المجال لانشاء مؤسسات صغیرة و متوسطة قادرة على توظیف الناس. ولخلق مثل ھذه المؤسسات، لا بد من تعدیل الانظمة البنكیة لتسھیل الحصول على تمویل بناء على نجاعة المشروع ولیس توفر الموارد المالیة للمقترض أصلا. توظف المؤسسات الصغیرة والمتوسطة في الاردن ثلث القوى العاملة فقط، ولا تولد سوى ربع الناتج المحلي الاجمالي، وھذا لا یكفي على الاطلاق لمعالجة فاعلة لموضوع البطالة.

لقد وصلنا لوضع لا یمكن فیه الاستمرار بوجود عمالة وافدة اكبر من حجم العاطلین عن العمل، واذا كانت ثقافة العمل لدى الأردنیین تقف مانعا امام قبول الأردنیین ببعض الوظائف، فلا بد من تعدیل جذري لقانون العمل لمعالجة ذلك، فالاحتقان الشعبي بات اكبر من ان تستخدم ثقافة العمل ذریعة لعدم تطبیق خطة للإحلال التدریجي للعمالة الأردنیة مكان الوافدة.

اما على المدى المتوسط، فإن كافة ھذه الاجراءات التشریعیة لن تكفي دون تغییر جذري في انظمتنا التربویة بشكل یھیئ النشء للتعامل مع مستجدات الحیاة ویسلحه بمھارات التفكیر النقدي والتحلیل والتمحیص والبحث العلمي والاتصال وقبول الآراء المختلفة. ان كانت انظمتنا التربویة تھدف في السابق الى خلق اجیال مھادنة، فقد فشلت بقوة، وما لم نقبل ان نعلم النشء كیف ینتقدنا، لن ننجح في خلق مجتمعات مسالمة ومزدھرة.

انا لا آتي بجدید. لقد تم الحدیث عن كل ھذه الاجراءات سابقا، كما ان ھناك سیاسات عدیدة اخرى لم أتطرق الیھا. لكن ھل ھناك سیاسة متكاملة للدولة تأخذ بعین الاعتبار جمیع الجوانب وتبدأ بمعالجة المشكلة بشكل منھجي تدرجي متكامل ومستدام، وینتج عنھا نتائج محددة؟

اي إصلاح اقتصادي لا یؤدي الى تخفیض البطالة لا معنى له.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.