منذ أن أطاح الجيش بالرئيس المصري آنذاك محمد مُرسي في تموز/يوليو 2013، انخرط نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في عمليات قمع منهجية لجماعة الإخوان المسلمين التي كان مُرسي عضواً قيادياً فيها. وقد أقدم النظام على ذلك من خلال تطبيق سياسات تُعتبر عموماً وسيلة فعالة لضرب عُنق المنظمات الهرمية، خاصة تلك الحائزة على قدرة كبيرة في مجال تعبئة دعم القواعد وتوليد التعاطف الشعبي معها.

تسلّم نظام السيسي صولجان السلطة في حزيران/يونيو 2014 وتبنّى، مثله مثل الحكومة المؤقتة التي كانت تحت سيطرة السيسي عقب إطاحة مرسي، مقاربتين رئيستين في قمع الجماعة: فهو استهدف، أولاً، خطوط القيادة داخل الإخوان لتدمير سيطرتها على المنظمة، وثانياً، عمد، بهدف عزل الجماعة، إلى طرح سردية تحاول ربط هذا التنظيم بالعنف الإسلامي. لكن، وبعد سنوات خمس من وضع هذه التكتيكات موضع التنفيذ، وعلى رغم العديد من البيانات التي تتحدّث عن قرب نهاية الإخوان، إلا أن النظام فشل في تحقيق النصر. لا بل العكس هو الصحيح: إذ أثبتت الجماعة أنها تمتلك قدرة كبيرة على الصمود والتكيّف، كما برزت مؤشرات على حدوث تجدّد داخلي فيها، مايشي بأن سياسات النظام ربما تكون عقيمة وذات نتائج عكسية. وإذا ما استمر الحال على هذا المنوال، يمكن أن يؤدّي ذلك إلى تآكل شرعية السيسي ويُهدّد حتى استقرار النظام.

مبرّرات النظام المصري لممارسة القمع

في غضون أشهر قليلة بعد الانقلاب على السيسي، اتخذ الجيش المصري إجراءات عدة لتقويض جماعة الإخوان، فأعلن حظرها في أيلول/سبتمبر2013، ثم اعتبرها إرهابية في كانون الأول/ديسمبر. هذه الجهود انطلقت من وجهة نظر تقول إن قوة الجماعة تكمن في كونها مركّزة في إطار نخبوي يتخذ القرارات الاستراتيجية ويمرّرها إلى التنظيم الأوسع، عبر تعليمات تتدفّق من القمة إلى القاعدة. كما افترض النظام المدعوم من الجيش أنه إذا استُنزفت هذه البنية الهرمية، فستؤدي الضغوط إلى تحلّل الجماعة.

بعد أن عرّف النظام الإخوان كجماعة إرهابية، اعتقلت السلطات أعضاء مكتب الإرشاد ومجلس الشورى، وهما أعلى هيئتين جماعيتين في التنظيم، ولم تستطع سوى حفنة من هؤلاء القادة الركون إلى الفرار إلى الخارج. بعض المُعتقلين أودعوا السجن الانفرادي وعانوا من الإساءات وسوء المعاملة، في تجاوز لمعايير السجن المُقّرة دولياً. ثم وسّع النظام الاضطهاد و"طهّر" مجالات أخرى منهم (في مجالات الخدمات العامة، والجيش، ولقضاء، والنقابات، ولمنظمات غير الحكومية، والمنابر الإعلامية، والجامعات، والأحياء)، وكل ذلك بهدف الحد من نفوذ جماعة الإخوان في أوساط الطبقة الوسطى وأجزاء من النخبة. كما صادر أصول الجماعة وأغلق هيئات الرعاية الاجتماعية التابعة لها.

أكد النظام من خلال هذه التكتيكات تصميمه على إلحاق الهزيمة بجماعة الإخوان سياسياً، والحد من قدرتها على بناء قواعد جديدة. وفي المحاكمات القضائية اللاحقة، واجه عشرات الآلاف تُهم الانخراط في منظمات إرهابية، ولايزال العديد منهم معتقلين من دون مذكرة توقيف، أو أنهم اختفوا. والآن، باتت السجون المصرية الـ12 ممتلئة وفوق طاقتها على الاستيعاب، ويتلوّى فيها السجناء على إيقاع معايير دون المستوى.

في البداية، بدا وكأن سياسة فرّق تسد التي طبّقها النظام بالعنف على جماعة الإخوان تؤتي أُكلها، حين عمد الشبان في المنظمة إلى تحدّي القيادة. هذا التطور ظهر في شكل صراع أجيال بين الأعضاء الأكثر يفاعة المتأثرين بالتجربة الثورية للربيع العربي في 2011 وبين حرس قديم تقليدي دينياً واجتماعياً كان يسيطر على الأجهزة الإدارية للجماعة منذ عقود. لكن الواقع أن هذا كان صداماً بين رؤى مختلفة حول كيفية الرد على الانقلاب العسكري وعلى قمع النظام. وقد طفت على السطح بفعل هذا الصراع خلافات حول ما إذا كان يجب اتخاذ مروحة من الخطوات، من العصيان المدني إلى تخريب المنشآت العامة وسلب مخافر الشرطة والمباني العامة. ولعبت اتهامات الشبان لقادة الجيل الأقدم بأنهم يسعون فقط إلى الحفاظ على سلطتهم، دوراً مركزياً في إثارة هذه التوترات الداخلية.

لكن يبدو أن الإخوان يتغلبون على هذه التحديات الداخلية. فالمرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد، سواء في السجن أو المنفى، بقوا مسؤولين عن إدارة التنظيم، على رغم أنه حلّت مكان البنية القيادية العمودية للجماعة شبكات وخطوط اتصالات غير هرمية. وهذا خلق فضاءات للشبان الأصغر سناً نسبياً كي يلعبوا دوراً حاسماً في إبقاء الجماعة على قيد الحياة. وبذلك، كشفت الجماعة عن قدرة مدهشة على مواصلة العمل، على رغم جهود النظام لقطع دابرها.

آليات بقاء الإخوان

تكمن قدرة جماعة الإخوان على الحفاظ على البقاء طيلة آماد مديدة من القمع في طبيعة سمات وخصائص هيكليتها التنظيمية. كما أنها تنبع من توكيد رؤية اجتماعية وسياسية متّسقة. في أيام البلاء، تعزف هذه الرؤية على وتر الفكرة المتعلّقة بالنضال الديني المتواصل، والتي تشدّد على التحمّل الشخصي والجماعي للمؤمنين الخُلّص، في خضم صراعهم مع النظام. وهذا يعزّز عُروة الجماعة واستعداد أعضائها لمواصلة العمل.

وهكذا، تمكّنت الجماعة من تحمّل القمع على يد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر خلال حقبة الخمسينيات والستينيات التي تميّزت بالاعتقالات الجماعية وعمليات التعذيب التي تُشبه بشكل مدهش مايحدث الآن. كما أنها صبرت على ثلاثة عقود من عداء نظامي أنور السادات وحسني مبارك لها. وطيلة كل هذه المراحل، راكمت الجماعة خبرات ثمينة استخدمتها في مواصلة معارضة رئاسة السيسي، من خلال الفضائيات، والمواقع الإلكترونية، ودعم السجناء وعائلاتهم. كانت مثل هذه النشاطات مُمكنة لأن خطوط الاتصالات والخطوط الإدارية داخل الإخوان بقيت سليمة، الأمر الذي سلّط الضوء على حقيقة أنه لايمكن وقف هذا التنظيم عبر جدران السجون والمنافي.

هناك أربعة أسباب بنيوية تفسّر ظاهرة بقاء جماعة الإخوان على قيد الحياة. الأول، هو هيكليتها التنظيمية الهرمية. لوهلة، قد يبدو هذا السبب مفاجئاً، لأنه يعني أن ما اعتبره النظام نقطة الضعف الرئيسة للجماعة، ضمنت في الواقع استمراريتها. لكن الحقيقة أن الجماعة بقيت ودامت، لأن مكتب المرشد العام ومكتب الإرشاد بقيا مراكز رمزية للقيادة، حتى حين تأقلم التنظيم مع الظروف المتغيّرة. ثم: في حين أن قدرة المرشد وأعضاء مركز الإرشاد على إدارة الشؤون اليومية للتنظيم محدودة، إلا أن إدارة الأزمة واتخاذ القرارات التنفيذية نُقلت إلى قادة موثوقين في المنفى.

صحيح أن الهيكلية المركزية الهرمية للجماعة بقيت صامدة، إلا أنه أُلحق بها مكتب خارجي للجماعة المصرية، يتكوّن من أعضاء في المنفى أعلى رتبة، بينهم شخصيات مركزية في مكتب الإرشاد كمحمود عزت وأحمد عبد الرحمن، أو أعضاء بارزين مثل عمرو دراج ويحيى حامد وعبد الله الحداد. ولأن تركيا وقطر ولندن هي مراكز إدارة الجماعة، لاتستطيع قبضة السلطات المصرية الإطباق على القيادات المنفية. وبالتالي، وعلى رغم تقلّص نشاطاتها، لاتزال جماعة الإخوان قوة مُعارضة يُعتد بها ضد نظام السيسي، بمساعدة التكنولوجيا الحديثة.

السبب الثاني لديمومة الهيكلية التنظيمية للجماعة هو أن كادرها الأعلى كبير ومتنوّع. وهذا يجعل من المستحيل تقريباً على النظام أن يُخضع القيادة برمتها إلى سيطرته، حتى لو استخدم وسائل إخضاع كثيفة. والأهم أن عداء النظام للجماعة أدى إلى ردود فعل معاكسة. فقد أثبتت قيادة التنظيم أن النظام غير قادر على كسر وحدة الجماعة. ولذلك، ربما تكون المشاهد العامة لمحاكمات القادرة المسجونين قد ساعدت على استعادة الاحترام لهذه الشخصيات في أوساط قواعد الجماعة الأكثر ثورية. وهذا يعني أنه على رغم جهود السيسي لتدمير الهيكلية التراتبية للتنظيم، إلا أنها بقيت متماسكة إلى حد كبير.

السبب الثالث لبقاء جماعة الإخوان هو تنوّع عملياتها الإدارية التي دُعِّمت بشبكات الاتصال الموسّعة. وفي حين أن الجماعة احتفظت بهيكلية قيادية هرمية، حيث السلطات الرئيسة تعود إلى مكتب المرشد العام ومكتب الإرشاد، إلا أن خطوط الاتصالات التنظيمية الداخلية لم تحذُ بالضرورة حذو الأنماط التراتبية. وخلال حقبات القمع السابقة، أدخلت الجماعة تحسينات على نظام الاتصالات الذي لايعتمد على نموذج متدرّج من القمة إلى القاعدة، بل يستخدم بدلاً من ذلك أقنية متعددة سمحت للقيادة بمواصلة بث دفق المعلومات بشكل متواصل نسبياً. وقد جرى اختبار وتجربة هذا الأسلوب أولاً إبان عهد جمال عبد الناصر، لكنه طُبِّق أيضاً خلال موجة الاعتقالات في عهد السادات ومبارك. ولذلك، راكمت جماعة الإخوان مهارات تمكّنها اليوم من نقل المعلومات بين الأعضاء في السجن والخارج أو في المنفى، من خلال شبكة أفقية معقدة تعتمد على العلاقات الشخصية، وليس على الخطوط العمودية للسلطة.

العلاقات الشخصية مهمة في جماعة الإخوان. وهناك عدد لايحصى من الأمثلة عن روابط عائلية تلم شمل الأعضاء معاً. هذه الروابط تخلق شبكات مُغلقة نسبياً وتضمن أن تبقى الوسائل الموثوقة للتبادل قائمة، في الوقت نفسه الذي تشكّل فيه ضمانة ضد التسلل المحتمل والانكشاف. وكمثال على مدى تماسك شبكات الجماعة، فإن مُمثل التنظيم في المملكة المتحدة، عبد الله الحداد، هو ابن عضو مكتب الإرشاد عصام الحداد، وشقيق جهاد الحداد الذي عمل كناطق إعلامي خلال الأيام الأولى بعد الانقلاب.

هذه العلاقات الشخصية تُستكمل بنوع جديد من الإعلام الذي يسمح نسبياً بتأمين نشاط الشبكات. على سبيل المثال، تسمح الرسائل النصية المشفّرة وتطبيقات الصوت على غرار "واتس أب" و"فايبر" للمستخدمين بتمرير المعلومات. كما أن مواقع التواصل الاجتماعي كفايسبوك، ومنصات على الإنترنت مثل Ikhwanweb وأقنية الفضائيات المؤيدة للجماعة مثل تلفزيون "رابعة" أو "الوطن"، هي منابر تُبث عبرها الأفكار. وبما أن معظم محطات التلفزيون المُرتبطة بالإخوان موجودة في تركيا، ولأنه من الصعب عرقلة المواقع على الإنترنت بشكل شامل، أدركت الحكومة المصرية أنه يستحيل تقريباً منع نشر بيانات القيادة أو الأخبار حول الجماعة. بعض هذه المواقع الإعلامية، على الأقل تلك التي لاتقع كلياً تحت سيطرة مكتب الإرشاد، استُخدمت للتعبير عن الامتعاض الداخلي والإفصاح عن وجهات نظر راديكالية. وفي الوقت نفسه، تُعتبر هذه المواقع ضرورية للحفاظ على خطوط الاتصالات مفتوحة، وبالتالي على ربط القيادة بقواعد جماعة الإخوان.

ربما كان أهم سبب لبقاء جماعة الإخوان طويلاً، هو الحقيقة بأن القياديين من ذوي الرتب العالية يمكنهم أن يعملوا بشكل مستقل لأنهم لُقّنوا إيديولوجيا التنظيم، وأهدافه، ودعوته، فضلاً عن البيعة، وهي إعلان الولاء والطاعة للمرشد العام بصفته رأس الجماعة. بيد أن تفاني الأعضاء كثيفي التدريب للمثل العليا التي وضعها مؤسس الجماعة حسن البنا، هو الذي يضمن على وجه الخصوص وجود قواعد تتميّز بالولاء والوفاء، ولاتعتمد في الوقت نفسه على التوجيه من فوق إلى تحت إبان الأزمات. وهنا، ساهم برنامج الدراسة والامتحان، الذي خدم لدراسة كفاءة الأعضاء في مفاصل الجهاز التنظيمي، في تشبيك أعضاء القاعدة مع بقية هيئات التنظيم.

لاتُعتبر نشاطات الدعوة والدراسة أولوية لجماعة الإخوان اليوم، بسبب القيود والمخاطر التي تفرضها مضايقات النظام. بيد أن برنامج الدراسة والامتحان يواصل توفير الفوائد، لأنه ينتج أعضاء مخلصين وذوي كفاءة. وهكذا، يستطيع الجسم الأساسي في التنظيم أن يواصل العمل لفترة طويلة من دون تعليمات يومية وتوجيهات إدارية أو أوامر استراتيجية. والضامن الرئيس لبقاء الجماعة المديد، هم الأعضاء المُلتزمون القادرون على مواصلة العمل في أحلك الظروف وأصعبها.

الإيديولوجيا والالتزام باللاعنف

علاوةً على محاولة تقويض الهياكل الداخلية لجماعة الإخوان، نقل النظام المصري أيضاً المعركة إلى عرين الأفكار والإيديولوجيا. إذ لطالما ربط الرئيس عبد الفتاح السيسي بين الإخوان وبين التطرف الديني، محاولاً بذلك نسف ادّعاءات الجماعة بأنها ملتزمة بالنزعة الإسلامية المُعتدلة. كما عمل في الوقت نفسه على تصوير نظامه على أنه صنو التيار العام الإسلامي والمُدافع عنه. وقد استعاد السيسي خطاب مبارك حول الخطر المحدق الذي يشكّله الإخوان على الأمن الوطني المصري، مُبرراً بذلك الملاحقات القضائية ضدهم.

مثل هذا التوصيف لجماعة الإخوان يحظى بصدى إيجابي لدى أطراف دولية. كما أنه جذّاب لقطاعات من المجتمع المصري التي توافق النظام وجهة نظره بأن التنظيم يشكّل تهديداً لكلٍ من التطور السياسي في البلاد، والأمن الإقليمي، والمعركة العالمية ضد الإرهاب الإسلامي. لكن من المشكوك فيه أن تكون لسردية الحكومة هذه تأثير كابح على المصريين، خاصة منهم أولئك الذين لديهم ميول دينية ولايعتبرون السلفية بديلاً يُعتد به عن الإخوان، أو عن الحركات الإسلامية التقدمية.

في خضم التقديرات حول المسار الإيديولوجي لجماعة الإخوان، كان ثمة ميل إلى التركيز على الخلافات بين الأعضاء الشبان والقادة المُسنّين غداة الانقلاب. كما كان هناك اعتقاد بأن الإخوان تعرّضوا إلى الشلل بفعل الصدع الإيديولوجي الذي برز حول مسألة استخدام العنف والعمل الثوري، وبالتالي حول كيفية تفسير كتابات المنظّر الإيديولوجي النافذ للإخوان سيد قطب، الذي شنقه نظام عبد الناصر في آب/أغسطس العام 1966.

مثل هذه التقديرات تخطئ في الحُكم على مدى وأسباب وديناميكيات هذه الخلافات. في كتابه "معالم في الطريق"، طرح قطب بالفعل أفكاراً راديكالية يمكن تفسيرها على أنها دعوة إلى العنف والثورة. بيد أنه من الخطأ الافتراض أن هذا ما يسبّب الفرقة بين الأخوان. إذ إن تعبير "قطبي" يكون مخادعاً حين يتعلّق الأمر بوصف وجهة النظر السائدة لقيادة محافظة دينياً واجتماعياً في الجماعة والتي، على رغم قمع النظام، دعت علناً إلى تغيير سياسي لاعنفي. أما الموقف المتصلّب للقادة المُسنّين فلا ينبع من الحقيقة بأنهم بدأوا نشاطهم خلال حقبة وجود سيد قطب في الزنزانة، بل هو حصيلة عدم ليونة مواقفهم بسبب اعتقادهم أن جماعة الإخوان تمثّل الحل الوحيد للمشاكل التي تعترض مستقبل مصر.

وبالمثل، لاتنبثق الحماسة الثورية للجيل الشاب في الجماعة من راديكالية سيد قطب، بقدر ما هي نتيجة خيبة الأمل من انتفاضات الربيع العربي في العام 2011، وأهوال مجزرة رابعة العدوية ضد محتجي الجماعة في آب/أغسطس 2013، والصدمة التي سببتها حملات القمع التي مارسها النظام. والواقع أن الاحتكاكات الداخلية بين القاهرة كقاعدة لحراك الشباب وبين اسطنبول كمركز رئيس لمكتب الإرشاد في المنفى، سبّبت هزات واضطرابات ملحوظة، تردّد صداها أيضاً في لندن والدوحة والشبكة العالمية الأوسع. بيد أن كل ذلك لم يؤثّر على التماسك التنظيمي والإيديولوجي العام للجماعة.

لقد أظهرت الجماعة اتّساقاً في دعواتها إلى المقاومة غير العنفية. وعلى رغم أنه يبدو أن الشبان على حوافي التنظيم تداعبهم فكرة انتهاج التكتيكات العنيفة، إلا أن مواقفهم ضد السيسي لم تجعلهم أقرب إيديولوجياً إلى التطرف السلفي- الجهادي. أما الخطاب الرسمي للنظام الذي يشدّد على وجود هذا الرابط وعلى العلاقة بين أعضاء الإخوان وبين المتطرفين المُنتمين إلى القاعدة أو الدولة الإسلامية المعلنة ذاتياً، فلا يستند إلى أي دليل قاطع، بل هو مجرد منطق استدلالي يقوم على أنه يجب أن تكون ثمة علاقة، بسبب إرث سيد قطب.

صحيح أن كتابات سيد قطب أثّرت للغاية على تطوّر السلفية- الجهادية، إلا أن أفكاره الراديكالية الثورية ليست هي التي اختارتها جماعة الإخوان كإطار إيديولوجي لها. فهي تأثرت فقط بمقاومة سيد قطب غير القابلة للجدل للنظام؛ وهي المقاومة التي قادته في نهاية المطاف إلى عود المشنقة. ثم أن الإلهام الأهم للجماعة جاء من أفكار المؤسس حسن البنا، الذي رفض التطرف الثوري. وقد قام المرشد العام الثاني حسن الهضيبي وابنه مأمون الهضيبي والمرشد العام الثالث عمر التلمساني (الذي حبّذ التغيير السياسي والاجتماعي التدرّجي) بتفسير وتوضيح أفكار البنا. وفي ظل قيادة هؤلاء قامت الجماعة من بين الركام بعد وفاة عبد الناصر، وثبّتت المسار الإيديولوجي المحافظ واللاعنفي الذي لا تزال ملتزمة به حتى اليوم. وعلى رغم أن بعض الأعضاء قد يجادلون بأنه يجب أن يُعاد النظر بمسألة التركيز على التدرجية، ليس ثمة دليل على قرب حدوث شرخ إيديولوجي يدفع الجماعة نحو لجج العنف.

إحدى القضايا الحاسمة في فكر ومناقشات جماعة الإخوان هي التشديد المُتجّدد على "المحنة"، أي الاختبار الإلهي لمعتقدات المؤمنين الحقيقيين في خضم سعيهم لتحقيق العدالة والحقيقة. وقد أصبح قمع النظام، على كلٍ من المستويين الشخصي والتنظيمي، العامل المركزي للسرديات الراهنة داخل الجماعة، وساهم في الابتعاد عن اللجوء إلى العنف كخيار محتمل. فالإشارة إلى المِحَنة وكذلك إلى الصبر، والمصابرة، والتحمّل، تضرب على وتر البلايا التي تعرّض إليها أولئك الذين سُجنوا وعُذبّوا في حقبة عبد الناصر. ثم ما لبث هذا المفهوم أن تطوّر ليكون جزءاً عضوياً من السردية التاريخية لجماعة الإخوان ولصورتها عن ذاتها. وقواعد الجماعة تألف قصص "أبطال" التنظيم وتضحياتهم خلال البلايا. وبالتالي، التركيز على "المحنة" هو محاولة مقصودة لرسم خطوط التشابه بين الماضي والحاضر، وهو يساهم في تشييد صورة تعتبر التماسك ضد السلطوية مثلاً أعلى يجب تقليده، كما يعاد التوكيد على الحاجة إلى الوحدة الداخلية.

مخاطر التوقعات غير المُتحقّقة

لاشك أن أكلاف القمع الذي لايلين لحركة اجتماعية كبرى كجماعة الإخوان المسلمين، باهظة للغاية. وهذا لاينطبق وحسب على أعضائها ومناصريها، بل هو يطال أيضاً السلطات التي تطبّق هكذا نهج عنيف. وفي حين أن نظام السيسي قد يعتبر مثل هذا القمع ضرورياً، إلا أنه يتضمّن كذلك مخاطر له. فالكلفة المالية لإدارة سجون تضم آلاف المعتقلين كبيرة جداً، هذا من دون تعداد الخسائر الضمنية الناجمة عن حقيقة أن هؤلاء السجناء نشطون اقتصادياً. وكانت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ذكرت أن هناك أكثر من 60 ألف معتقل سياسي، بما في ذلك نشطاء في المعارضة، وصحافيين، وأعضاء مزعومين في جماعة الإخوان.

لايُحتمل أن تصرف هذه المضاعفات نظام السيسي عن مواصلة هذا النهج. لكن الأثمان اللامادية لقمع جماعة الإخوان سيّلقي بظلال كثيفة على عاتق القيادة المصرية التي تعهّدت بضمان الحريات الديمقراطية، وتحقيق الازدهار الاقتصادي، وضمان الأمن في وجه الإرهاب السلفي- الجهادي. وإذا ماعجز النظام عن تلبية هذه التوقعات التي خلقها هو، فستعاني شعبيته الأمرّين، ما سيفتح كوّة فرصة سياسية جديدة لمعارضة الرئيس، ويترك بصماته على استقرار مصر. وكما لاحظ عمرو دراج، العضو البارز في جماعة الإخوان في المنفى، فإن التوقعات غير المُتحققة، وعنف النظام، يمكن أن يسفرا عن قلاقل أو حتى عن حرب أهلية، بما سيتركه ذلك من مضاعفات رهيبة على مصر وتأثيرات سلبية على أوروبا. إذ لايمكن إلحاق الهزيمة بالجماعة حتى لو جرى إعدام قادتها. وحين نضع في الاعتبار المؤشرات عن حقيقة الاستمرارية التنظيمية، وحتى التجدّد التنظيمي، فإن المصير السياسي لمصر سيبقى حصيلة الصدام بين النظام وبين الإسلاميين.

باربرا زولنر محاضرة حول سياسات الشرق الأوسط في دائرة السياسات في كليّة بيركبيك، لندن. تتركّز أبحاثها على السياسات الإسلامية، والحركات الاجتماعية، والأحزاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. زولنر مؤلفة كتاب The Muslim Brotherhood: Hasan al-Hudaybi and Ideology (Routledge, 2008) (جماعة الإخوان المسلمين: حسن الهضيبي والإيديولوجيا).